أثار قرار حكومة تصريف الأعمال بإعادة فرض ضريبة بنسبة 20 في المائة على خدمات الإنترنيت وكارتات تعبئة الهاتف المحمول جدلا شعبيا وسياسيا واسعا، في وقت يعاني فيه المواطنون أصلا ضغوطا اقتصادية متزايدة.
ويأتي القرار في ظل أزمة اقتصادية تعانيها البلاد، انعكست في ضعف السيولة وتزايد الضغوط على ميزانية الدولة، بعد سنوات من السياسات الاقتصادية التي فشلت في تنويع مصادر الدخل وخلق بدائل حقيقية تُساهم في تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية. وهو ما دفع الحكومة إلى التوجه مجددا نحو تعظيم الإيرادات غير النفطية، عبر زيادة الرسوم والضرائب التي يتحمل المواطن عبئها المباشر.
وفي سلسلة إجراءات مالية اتُخذت خلال الفترة الأخيرة، شملت رفع التعرفة الكمركية وزيادة بعض الضرائب وفرض أخرى جديدة، يبدو أن الحكومة تحاول تعويض عجزها المالي ومعالجة فشلها في إدارة الملف الاقتصادي بتحميل الموطن ما لا طاقة له على حمله – وفقا لمراقبين، مبينين لـ"طريق الشعب" أن هذه السياسات وضعت العبء الأكبر على كاهل المواطن، في ظل ارتفاع نسبة البطالة واتساع رقعة الفقر وتراجع القدرة الشرائية.
ودخل القرار حيز التنفيذ الثلاثاء 10 آذار الجاري، ما أعاد العمل بضريبة كانت قد أُلغيت عام 2022، وكانت تُطبق بصيغة مختلفة. حيث تُفرض على شركات الاتصال فقط. أما اليوم فإنها تُضاف مباشرة إلى سعر الخدمة الذي يتحمله المستخدم.
ويرى مواطنون أن فرض ضرائب جديدة على خدمات أساسية مثل الاتصال والإنترنيت يضاعف من معاناتهم، في وقت أصبحت فيه هذه الخدمات جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية، سواء للعمل أم التعليم أم التواصل الاجتماعي.
نهب جيب المواطن!
يقول علي الشمري، وهو موظف من محافظة واسط، إن الزيادة الجديدة ستضيف عبئا ماليا آخر على كواهل العائلات محدودة الدخل، موضحا لـ"طريق الشعب"، أن خدمة الإنترنيت أصبحت حاجة أساسية في البيت، خصوصا مع اعتماد الطلبة عليها في الدراسة والبحث.
ويضيف قوله أن "الاشتراك الشهري الاعتيادي، وهو أقل فئة، كان يتراوح بين 30 و35 ألف دينار، والآن مع الضريبة سيزداد ويتجاوز الـ40 ألفا، ما يجعل عائلات كثيرة تضطر إلى تقليل الاستخدام، أو البحث عن بدائل أقل جودة، إن وجدت. وهذا ينسحب أيضا على كارتات الهاتف المحمول".
ويرى الشمري أن "هذا القرار يعكس فشل الحكومة في إدارة أزماتها الاقتصادية والبحث عن حلول حقيقية لها"، مبينا أن "الحكومة بدل أن تعالج الخلل في الاقتصاد أو تقلل الهدر في الإنفاق العام، تنهب جيب المواطن لسد العجز".
الفقراء ومحدودو الدخل في قلب الأزمة
أما أحمد جبر، وهو سائق أجرة من بغداد، فيرى أن القرار سيكون أشد تأثيرا على الفقراء ومحدودي الدخل وأصحاب المهن البسيطة التي تعتمد على التواصل مع الزبائن، مشيرا في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن "الهاتف والإنترنيت أصبحا وسيلة أساسية لعملنا وتواصلنا مع الزبائن، ما يجعل هذه الزيادة الضريبية تكلفة مالية جديدة تُضاف إلى ما نتحمله من تكاليف في عملنا، بدءا من أعطال السيارات ومحروقاتها، وانتهاء بالغرامات المرورية التي اشتدت وزادت هي الأخرى".
ويبيّن أن "زيادة أسعار كارتات شحن الهاتف، بفئاتها المختلفة مثل 5 و10 و25 ألف دينار، ستجعل الإنفاق على الاتصال أعلى مما كان عليه، في وقت يعاني فيه كثيرون من المواطنين أصلاً، تراجع الدخل وارتفاع الأسعار".
حاجة أساسية
من جانبه، يقول مصطفى عبيد، وهو طالب جامعي من سامراء، أن الإنترنيت لم يعد خدمة ترفيهية، بل ضرورة يومية وحاجة أساسية لا تختلف عن الطعام والسكن والمواصلات.
ويوضح في حديث لـ"طريق الشعب"، ان "الطلبة يعتمدون على الانترنيت في متابعة المحاضرات والبحث العلمي والتواصل مع زملائهم، وأن أي زيادة في كلفته ستؤثر مباشرة على هذه الشريحة، خاصة الذين يعيشون في عائلات ذات دخل محدود".
فيما يقول عامل البناء سعد ميران، أن "المشكلة لا تتعلق بقيمة الضريبة وحدها، بل بتراكم الزيادات والرسوم خلال السنوات الأخيرة"، لافتا إلى أن المواطن، وخصوصا عامل الأجر اليومي والفقير، بات يشعر أن كل أزمة مالية تعالج بفرض رسوم جديدة عليه، رغم أنه يواجه أصلاً صعوبات في توفير متطلبات المعيشة اليومية.
مضاعفة العبء على المواطن
في السياق، تقول فاطمة مضر، وهي موظفة بصفة عقد، أنها شهريا تُقسم راتبها على النفقات المترتبة عليها، من طعام وإيجار واشتراك مولدة وأجور ماء وكهرباء وأجور نقل ومصاريف أطفال، مؤكدة أن الراتب لا يبقى منه ما يمكن توفيره.
وتتابع في حديث لـ"طريق الشعب" قائلة، أن أي زيادة في أيٍ من تلك النفقات، تعني قصورا في تأمين نفقات أخرى.
وتشير إلى أنه "في كل فترة يتم فرض ضرائب جديدة، لكن لا نعرف كيف ستنعكس على الخدمات التي نتلقاها. زيادة التكاليف مع بقاء الرواتب تُضاعف العبء على المواطنين".
تحوّل خطير!
عن تفاصيل الاختلاف بين تطبيق الضريبة في عامي 2015 و2026، وتأثير ذلك على المواطنين وسوق الاتصالات، يرى أستاذ الاقتصاد الدولي د. نوار السعدي، أن مثل هذه القراءات يُمثل "تحولا خطيرا" في فلسفة الجباية.
ويوضح في حديث صحفي أنه "في زمن حكومة حيدر العبادي عام 2015، فُرضت الضريبة على شركات الاتصالات نفسها باعتبارها الجهة المكلفة قانونيا، وكان من الممكن أن تمتص الشركات جزءا من التكلفة من أرباحها أو تعيد توزيعها ضمن هيكل الأسعار".
ويتابع القول: "أما اليوم، فإن الضريبة انتقلت بشكل مباشر إلى المستهلك، ما يعني أن أثرها يظهر فورا في الأسعار التي يدفعها المستخدم عند شراء كارت التعبئة أو تجديد اشتراك الإنترنيت".
وبحسب السعدي فإن "هذا يعني إلغاء أي مساحة للمنافسة بين الشركات لامتصاص التكلفة، وأن الأثر أصبح فوريا".
انعدام العدالة
إلى ذلك، يرى الباحث الاقتصادي أحمد عيد أن القرار يعكس توجها حكوميا نحو زيادة الإيرادات غير النفطية، لكنه يثير تساؤلات بشأن توزيع العبء الضريبي.
ويقول في حديث صحفي، أنه "بدلا من معالجة الخلل في إدارة الإيرادات العامة أو تحصيل مستحقات الدولة من بعض الشركات الكبرى التي لا تزال متهمة بعدم تسديد التزامات مالية قديمة، لجأت الحكومة إلى فرض ضرائب مباشرة على الخدمات التي يستخدمها المواطن يوميا لأنه الطريق الأسهل".
ويشير عيد إلى مفارقة مؤلمة "فالعديد من الدول تتجه إلى تخفيف الضرائب على الخدمات الرقمية لدعم التحول التكنولوجي، بينما في العراق يحدث العكس تماما"، معتبرا أن "فرض ضريبة بهذا الحجم على خدمة يعتمد عليها ملايين العراقيين في العمل والتعليم يعكس خللا في أولويات السياسة المالية، ويعمق الشعور بعدم العدالة".