اخر الاخبار

تشهد العاصمة بغداد تزايداً مطرداً في حدة الازدحامات المرورية، وسط ارتفاع عدد المركبات المسجلة وتضخم عدد السكان بشكل يتجاوز قدرات البنية التحتية الحالية. ورغم محاولات الحكومة وإقدامها على إنشاء جسور وأنفاق ضمن مشاريع فك الاختناقات، إلا أن اختصاصيون يرون أن هذه الحلول، وهي مؤقتة، لم تعد كافية. إذ سرعان ما تعود الاختناقات لتظهر على الطرق الرئيسة، بينما لا تزال شبكة النقل العام محدودة وغير قادرة على امتصاص الضغط الهائل للسيارات.

ويؤكد مسؤولون أن التحدي المروري لم يعد يقتصر على شوارع بغداد وحدها، بل يمتد إلى المحافظات الأخرى. حيث يبلغ عدد السيارات في البلاد نحو 8 ملايين سيارة، ثلثها في العاصمة، من دون احتساب السيارات الحكومية، مع توقعات بزيادة هذا العدد سنوياً نتيجة الاستيراد والنمو السكاني.

ويرى الاختصاصيون أن معالجة الأزمة تتطلب حلولاً متكاملة تشمل تأهيل الطرق وتوسيعها وربطها بالمراكز السكنية الجديدة، وتطوير النقل الجماعي لتخفيف الضغط على الطرق، وتنظيم عملية استيراد السيارات وتسجيلها.

المواطن يتكيّف مع الازدحام!

تتواصل معاناة المواطنين في بغداد مع أزمة الاختناقات المرورية المزمنة، التي تحوّلت إلى جزء من المشهد اليومي في العاصمة. ورغم تنفيذ عدد من مشاريع فكّ الاختناقات خلال السنوات الأخيرة، ورغم ما أُعلن عن هذه المشاريع من أهداف لتسهيل الحركة وتقليل الزخم، إلا أن الازدحام لا يزال حاضرا في أوقات الذروة وعلى أغلب المحاور الرئيسة، ما ينعكس على وقت المواطنين وإنتاجيتهم ويزيد من كلف النقل واستهلاك الوقود.

يقول أحمد رحمن، وهو طالب جامعي، أن الوصول إلى جامعته بات يتطلب وقتا مضاعفا، مضيفًا في حديث صحفي قوله أن التأخير أصبح أمرا معتادا اضطر للتكيّف معه يوميا.

فيما يشير جلال عبد، وهو موظف حكومي، إلى أنه يخرج من منزله قبل ساعات من موعد الدوام تحسبا لأي طارئ مروري، مؤكدا أن الازدحام لم يعد حالة استثنائية إنما أصبح واقعا اعتاد عليه الموظفون والطلبة على حد سواء.

ويرى متابعون أن المعالجات الجزئية لم تنجح في معالجة جذور المشكلة المرتبطة بارتفاع أعداد المركبات، وضعف النقل العام، وعدم تنظيم الحركة بصورة شاملة، ما أبقى الأزمة قائمة رغم تعدد المشاريع. 

طرق جديدة

الناطق باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، يذكر في حديث صحفي أن "عدد السيارات في العراق يقترب من 8 ملايين مركبة، ثلثها في بغداد، والعدد قابل للزيادة مع استمرار استيراد السيارات والنمو السكاني".

ويضيف قائلا أن "السياسات المستقبلية تستهدف استيعاب هذه الزيادات من خلال إنشاء طرق جديدة داخل العاصمة وخارجها، وتأهيل وتوسعة الطرق القائمة، إضافة إلى تشجيع النقل العام لتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة. إذ أصبح لدى العديد من العائلات أكثر من سيارة واحدة".

ويشير الهنداوي إلى أهمية الربط بين الطرق الجديدة والمناطق السكنية الحديثة، مع تطوير مجسرات وجسور داخل بغداد، موضحاً أن "الطرق الحلقية التي تحيط بالعاصمة بطول يقارب 100 كيلومتر تعتبر شرياناً أساسياً لتحريك الحركة المرورية وتخفيف الزخم داخل المدينة".

مشاريع فك الاختناقات جزء من الحل

من جهته، يقول مدير إعلام مديرية المرور العامة، العقيد حيدر شاكر، أن "المديرية مستمرة في رصد المخالفات عن طريق الكاميرات الذكية والرادارات ومحددات السرعة، إضافة إلى التدابير الميدانية لفض الاختناقات".

ويضيف في حديث صحفي قوله: "إلا أن عدد المركبات كبير ولا يتناسب مع قدرة شوارع العاصمة بغداد. حيث تتجاوز المركبات المسجلة في البلاد 12 مليون سيارة، ما يجعل المشاريع الحكومية لمواجهة الاختناقات جزءاً من الحل فقط".

ويلفت إلى أن الالتزام بالقوانين والتعليمات المرورية، واستخدام التكنولوجيا الحديثة مثل إشارات المرور الذكية، يساهم في تخفيف الازدحام، مشيراً إلى أن بعض الطرق يشهد أعمال إعادة إعمار، ما يؤدي أحياناً إلى كثافات مرورية في مراكز المدن.

ويبين أن "حوادث السير تتشكل غالباً نتيجة السلوكيات الخاطئة للسائقين، سواء على الطرق السريعة أم داخل المدن، وتشمل تلك السلوكيات السرعة الزائدة واستخدام الهاتف أثناء القيادة أو السير عكس الاتجاه. فيما تقع غالبية أسباب الحوادث على عاتق السائق نفسه".

ووفقا للعقيد شاكر، فإن العراق يُعد من أقل البلدان العربية في تسجيل الحوادث المرورية لعام 2025، رغم أن نسبة الحوادث على الطرق السريعة لا زالت مرتفعة بسبب السرعة وقلة التزام بعض السائقين بالقوانين.

التحديات والحلول

رغم الجهود التي تبذلها السلطات للتخفيف من حدة الاختناقات المرورية، يرى اختصاصيون أن المشاريع الحالية تشكل حلولاً مرحلية. إذ لا تزال شبكة النقل العام محدودة في ظل الاعتماد شبه الكامل على السيارات الخاصة.

ويشير الاختصاصيون إلى أن النمو السكاني السريع، والتوسع العمراني غير المنظم، وانتشار المراكز التجارية، إضافة إلى ضعف إدارة المواقف، جميعها عوامل تزيد الضغط على شبكة الطرق.

وفي هذا السياق، يشدد الهنداوي وشاكر على ضرورة اعتماد حلول متكاملة تشمل توسيع وتأهيل شامل للطرق الحيوية، وتطوير منظومة نقل جماعي فعالة، واستخدام التقنيات الذكية لإدارة المرور، وتنسيق مؤسسي بين وزارات النقل والتخطيط والتجارة.

ويخلص المتحدثان، إلى أن معالجة الأزمة تحتاج إلى رؤية مستدامة تأخذ بعين الاعتبار توزيع الأنشطة التجارية والخدمية، وبدائل نقل فعالة، لضمان استيعاب النمو المروري الكبير وتحقيق الانسيابية المرورية في العاصمة والمحافظات الأخرى.