اخر الاخبار

شكّلت العيادات الشعبية في العراق طوال عقود ركيزة أساسية للنظام الصحي وملاذاً للعائلات الفقيرة وذات الدخل المحدود، خصوصاً من حاملي الأمراض المزمنة. وتنتشر تلك العيادات في الأحياء الشعبية والمدن المكتظة بالسكان، وقد شكلت أيام ازدهارها أمانا صحيا واجتماعيا للمواطنين وخفّفت عنهم أعباء العلاج وتكاليفه. حيث كانت تقدم خدمات طبية مجانية تشمل الفحص والمعاينة وصرف الأدوية، لا سيّما لمرضى السكري والضغط وأمراض القلب والربو وغيرها من الأمراض المزمنة.

واعتمد نظام هذه العيادات على البطاقة الصحية التي يختمها طبيب متخصّص، استنادا إلى فحوصات طبية تحدد نوع المرض وكميات العلاجات اللازمة، وبالتالي تُصرف للمريض حصة أدوية شهرية مجانية كافية تُغنيه عن شراء علاجات إضافية من خارج المؤسّسة الصحية.

وساهم هذا النظام بفعّالية في تقليل معاناة المرضى على الصعيدَين الصحي والمادي. إذ وفر عليهم التكاليف الباهظة للفحوصات الدورية والأدوية المستمرة، خصوصاً في ظل محدودية الدخل وارتفاع نسبة الفقر في البلاد. وهكذا مثلت العيادات الشعبية خط الدفاع الأول عن صحة الفئات الهشة، وخففت الضغط عن المستشفيات العامة.

لكن هذا الدور تلاشى تدريجياً مع مرور الأعوام، ووصلت العيادات الشعبية حالياً إلى مرحلة حرجة. فالإهمال الإداري والمالي بات واضحاً في معظمها، واختفت الأدوية المجانية وتوقفت فحوصات المختبر، وأصبحت المباني نفسها تعاني تهالكا شديدا ونقصا في الصيانة، ما أفقدها القدرة على تقديم أبسط الخدمات الصحية.

وانعكس التراجع مباشرة على الواقع الصحي للمرضى، لا سيّما أبناء الطبقات الفقيرة. إذ تضاعفت الأعباء المالية عليهم في وقت تشهد فيه العيادات الخاصة والمستشفيات الأهلية ارتفاعاً كبيراً في أسعار الفحوصات الطبية وأجور المعاينات، ما يضطر كثيرين إلى إهمال العلاج أو تأجيله، وبالتالي يتسبّب لهم في مخاطر صحية جسيمة.

تراجع كبير

المواطن علي ضيف من بغداد، يقول في حديث صحفي أن الخدمات المقدّمة في العيادات الشعبية شهدت تراجعا كبيرا خلال العقدين الأخيرين على مختلف المستويات، مبينا أن تلك العيادات كانت في السابق توفّر لمرضى الأمراض المزمنة علاجات شهرية مجانية بكميات كافية.

ويوضح المواطن، وهو عامل أجر يومي بسيط، أنه يضطر حاليا إلى شراء دواء الضغط بشكل مستمر من الصيدليات الخاصة وبأسعار مرتفعة، بسبب عدم صرفه له في العيادات الحكومية، ما يشكّل عبئًا ماديا يفوق قدرته.

ويتساءل ضيف عن دور المؤسسة الصحية في حماية المواطن ومنحه الأمان الطبي، وعن جدوى وجود عيادات ومستشفيات حكومية لا تقدم خدمات حقيقية تلبي احتياجات المرضى، لا سيما ذوو الأمراض المزمنة وأصحاب الدخل المحدود.

أما الحاج باسم فاضل، وهو مريض سكري يعيش في بغداد، فيقول: "كنّا نحصل على علاجنا بالكامل ومجاناً، واليوم نضطر إلى شراء الإبر والأدوية بأسعار مرتفعة، رغم أن المتطلبات المعيشية صعبة".

تفاقم الأمراض

من جانبه، يقول الناشط في مجال الصحة المجتمعية باسل الشيخلي، أن الكلفة المرتفعة للفحص والعلاج أصبحت عاملاً مباشراً لتفاقم الأمراض، مشيرا في حديث صحفي إلى ان غياب الرقابة الحقيقية عن الممارسات الطبية غير النظامية، ساهم في ترسيخ ظاهرة الطب التجاري.

فيما يذكر المواطن عقيل مسلم، أن العجز المالي مقابل تراجع الخدمات في المؤسسات الصحية الحكومية وارتفاع كلف الفحوصات والعلاج في العيادات الخاصة، كل ذلك يدفع كثيرين من المواطنين إلى تجنب مراجعة الأطباء، أو اللجوء إلى شراء أدوية بسيطة، غالبها مسكنات، دون استشارة طبية.

ويضيف في حديث صحفي قائلا، أن هذا السلوك يؤدي إلى تفاقم الأمراض، مشيرا إلى تسجيل حالات وفاة كثيرة سببها مضاعفات أمراض بسيطة لم يتمكن أصحابها من علاجها في الوقت المناسب.

ويتحدث مسلم عن تراجع مجمل الخدمات في العيادات الشعبية والمستشفيات، مبينا أن "المريض يدخل إلى المستشفى على أمل شفائه من مرضه، فيخرج منها دون شفاء. وهذا أمر طبيعي طالما هناك نقص في الكوادر الطبية والأدوية والمستلزمات، حتى البسيطة منها"، لافتا إلى أن "العيادات الشعبية كانت ملاذا لأصحاب الأمراض الطارئة والمزمنة. حيث يجد المريض هناك أطباء أكفاء ومختبرات وأدوية، ما يغنيه عن مراجعة العيادات الخاصة. أما اليوم، وللأسف، فكل هذا تراجع". 

الأزمة المالية تأتي على صحة الناس!   

وكالة أنباء "العربي الجديد"، تنقل عن مسؤول في وزارة الصحة قوله أنّ "الأزمة المالية الناتجة عن قلّة الموارد أضعفت مخصصات العيادات الشعبية. فالأولويات الحالية للوزارة تتركّز على المستشفيات الكبرى والمراكز التخصصية".

لكن هذا التبرير لا يلقى قبولا لدى المرضى الذين ينتقدون الإهمال، ويشددون على أن العيادات الشعبية كانت تمثل شريان حياة لهم.

وتعقيبا على ذلك، يقول المواطن محمد علي شهاب من واسط، أن "تبرير الدولة تراجع خدمات العيادات الشعبية بالأزمة المالية وقلة التخصيصات، لا ينسجم أبدا مع واقع بلد غني يضم كفاءات طبية وعلمية مثل العراق. متسائلا عن أولويات الإنفاق في ملف صحة المواطن، وعن الهدر الكبير للأموال في أمور غير ضرورية لا تخلو من شبهات فساد. فهل هذا أهم أم حياة الناس؟!".

ويضيف في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "العيادات الشعبية تمثّل خط الدفاع الأول في النظام الصحي، وإهمالها يؤدي إلى تفاقم الحالات المرضية البسيطة وتحويلها إلى حالات حرجة تستقبلها لاحقًا المستشفيات الكبرى، ما يضاعف الكلفة الإنسانية والمالية".

وينوّه شهاب إلى أن "الحديث عن منح الأولوية للمستشفيات الكبرى لا ينعكس فعليا على مستوى خدماتها"، مؤكدا أن معظم المستشفيات الكبيرة لا يختلف حاله عن العيادات الشعبية من حيث نقص الأدوية وضعف الخدمة والاكتظاظ. ولذلك نجد أن العيادات الخاصة والمستشفيات الأهلية تزداد يوما بعد آخر كدليل واضح على تراجع القطاع الصحي الحكومي بعامة".

نقابة الأطباء: انتكاسة خطيرة

تصف نقابة الأطباء العراقية تهميش العيادات الشعبية بأنه "انتكاسة خطيرة للقطاع الصحي". ويقول عضو النقابة مصطفى ماجد، في حديث صحفي، أن "إضعاف هذه المراكز يزيد الضغط على المستشفيات الحكومية، ويترك فئات فقيرة تحت رحمة القطاع الخاص"، داعيا إلى "إعادة النظر في السياسات الصحية وضمان حق المرضى في العلاج المجاني، خصوصاً المصابون بأمراض مزمنة".

مناشدة من مناشدات مماثلة كثيرة

في ظلّ إهمال العيادات الشعبية، يناشد أهالي منطقة المعقل في البصرة السلطات إعادة العيادة الشعبية في منطقتهم، والتي كانت قد رُممت قبل 15 عاماً، لكنها لا تفتح أبوابها إلّا يوما واحدا في الأسبوع، ويقتصر عملها على توزيع إبر علاج السكري من دون تقديم أي خدمات علاجية أو فحوصات أخرى.

ويشير عدد من سكان المنطقة في حديث صحفي، إلى أنّ الكثافة السكانية وبعد المستشفيات والمراكز الصحية عن أحيائهم يجعلان تفعيل هذه العيادة ضرورة ملحة، مشددين على أن استمرار إغلاقها يحرم العائلات من أبسط حقوقها الصحية، خاصة الأطفال وكبار السن والمرضى المزمنين الذين يواجهون صعوبات كبيرة في الوصول إلى المراكز الصحية البعيدة.

ويعطي الواقع السيّئ للعيادات الشعبية وانحسار دورها يوماً بعد يوم بسبب تعمّد إهمالها، صورة أوسع لضعف المؤسّسات الصحية في العراق وتهالكها، في ظلّ غياب التخطيط طويل الأمد وتراجع الاستثمار في الرعاية الصحية الأولية. وبينما تتفاقم الأعباء الصحية والمالية على المواطنين، يبقى الفقراء الأكثر تضرّراً، وسط تزايد المخاوف من مستقبل الخدمات الصحية المجانية، ودور الدولة في حماية حق العلاج باعتباره حقاً أساسياً لا يجب التفريط به!