يشهد السوق المحلي موجة ارتفاع في أسعار المواد الغذائية، مع اقتراب شهر رمضان، ما يزيد الضغوط على العائلات العراقية، خصوصا محدودة الدخل، في ظل تأخر الرواتب وضعف الرقابة على الأسواق.
هذه الارتفاعات المتكررة، خاصة في المناسبات، دفعت المواطنين لتغيير سلوكهم الاستهلاكي، واعتماد الديون والشراء الآجل لتغطية الاحتياجات الأساسية. بينما تحذر خبراء اقتصاديون واجتماعيون من أن استغلال المناسبات لرفع الأسعار يزيد من الفجوة الاجتماعية ويغيب العدالة الاقتصادية.
وأعلنت وزارة التجارة عن بدء حملة تفتيشية واسعة في بغداد والمحافظات، تهدف إلى متابعة أسعار المواد الغذائية قبيل حلول شهر رمضان المبارك، إلى جانب التحضير لتوزيع مفردات البطاقة التموينية خلال اليومين المقبلين.
وقال مدير عام دائرة الرقابة التجارية والمالية في الوزارة، رياض الموسوي، إن «الحملة تهدف إلى مراقبة الأسعار وتقييم تأثيرها على المواطنين خلال الشهر الفضيل»، مشيرًا إلى أن «الفرق الرقابية، التي تضم الأجهزة الأمنية والمؤسسات الإعلامية، رصدت استقرارًا عامًا في معظم أسعار السلع الغذائية، مع تسجيل ارتفاعات طفيفة في بعض المواد المحددة".
ردود فعل الناس
وتابعت "طريق الشعب" بعض التعليقات على منصات التواصل الاجتماعي حول الحملة التفتيشية الأخيرة، حيث اعتبر أحد المستخدمين أن "وزارة التجارة تشبه محافظة بغداد عندما قامت بتسعير أمبير المولد، فتهديدات ومتابعات ورقية فقط… ويرجى من وزارة التجارة السيطرة على سعر طبقة البيض الذي تجاوز حاجز 8 آلاف، ومتابعة أفران الصمون والخبز، رسالة للسيد وزير التجارة الذي جاء من حكومة المحاصصة".
وفي تعليق آخر، كتب أحد المواطنين ساخرًا: "خوش نكتة… واللحم وصل إلى 25 ألف، والبيض إلى 7 آلاف وخمسمئة، والفاكهة والخضروات أسعارها كأنها علّكت".
وعبر مستخدم آخر عن استيائه من التفتيش قائلاً: "على شنو التفتيش؟ انتوا تصعدون السوق وترجعون تفتشون".
يقول المواطن محمد كريم من بغداد: ان "الأسعار ترتفع مع كل مناسبة، وكل مرة نسمع عن فرض تسعيرة أو حملات مراقبة، لكن الواقع ما يتغير. الوضع الاقتصادي سيئ، ورواتبنا تأخرت هذا الشهر، وبعد إعلان عن فرض الضرائب ارتفعت يرفع الأسعار أكثر، حتى على المواد الأساسية".
وأضاف: "الخضروات والفواكه واللحم والبيض ارتفعت أسعارها بشكل كبير قبل شهر رمضان، والراتب أصبح لا يكفي لشراء أي شيء. الواحد يشعر أن كل جهده ينتهي قبل ما يغطي احتياجات العائلة الأساسية. هذا الوضع يضغط على المواطنين بشكل يومي، وكأننا مجبرون ندفع أكثر فقط بسبب المناسبات أو التوقيت"، حيث ذكر ان "اضطر لأخذ دين من اجل شراء المواد الغذائية".
واختتم محمد قائلاً: "نحتاج تدخلا حقيقيا من الجهات المسؤولة لضبط الأسعار، وتطبيق رقابة فعلية على الأرض، لأن المواطن هو الذي يتحمل العبء في النهاية، ولا يكفي الظهور الإعلامي أو الوعود على الورق".
تغيير السلوك الاستهلاكي
ويؤكد الباحث الاقتصادي أحمد عيد، أن تآكل القوة الشرائية للراتب الشهري دفع العائلة العراقية إلى تغيير سلوكها الاستهلاكي بشكل جذري، إذ بات التركيز ينحصر على الضروريات فقط، بعد أن لم يعد الدخل الشهري قادرًا على تغطية احتياجات الشهر بالكامل.
ويقول عيد أن الأسر اتجهت إلى تقليل الكماليات، تخفيض كميات الغذاء، شراء السلع الأرخص، وتأجيل العديد من النفقات الأساسية في محاولة للتكيّف مع الواقع الاقتصادي الصعب، إلى أن استمرار ارتفاع الأسعار مقابل ثبات الرواتب وضعف الرقابة الحكومية أسهم بشكل مباشر في تعميق الفجوة بين الدخل والإنفاق، لافتًا إلى أن الراتب الشهري في كثير من الحالات لا يكفي سوى أيام معدودة، بينما تستمر الأسعار بالصعود دون ضوابط فعّالة تحد من الاستغلال والاحتكار.
ويضيف أن الديون الصغيرة والشراء الآجل أصبحا جزءا من الحياة اليومية للعائلة العراقية، بدءًا من ديون الدكاكين وصولا إلى الأقساط المنزلية والقروض الصغيرة، ما خلق حالة من الهشاشة الاجتماعية التي قد تتفاقم مع أي تعثر في السداد أو فقدان مفاجئ لمصدر الدخل.
ويختتم عيد حديثه بالتأكيد على أن تخفيف العبء عن العائلات يتطلب إجراءات عاجلة، تشمل ضبط أسعار السلع الأساسية، تفعيل الرقابة الحقيقية على الأسواق، إعادة النظر في سلم الرواتب بما يتناسب مع مستوى الأسعار، توسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وتوفير فرص عمل منتجة تضمن دخلاً مستقرا يغطي احتياجات الأسرة طوال الشهر، لا لأيام قليلة فقط.
ضرورة حماية الفئات الضعيفة
من جهتها، تقول الباحثة الاجتماعية بلقيس الزاملي، ان "ارتفاع الأسعار في المناسبات، مثل شهر رمضان والأعياد، يمثل مشكلة اجتماعية كبيرة، لأنه يفاقم الفجوة بين المواطنين. العائلات الميسورة قادرة على شراء كل ما تحتاجه، بينما الأسر محدودة الدخل تجد نفسها محرومة من أبسط احتياجاتها اليومية، وهذا يخلق شعورًا عميقًا بعدم العدالة الاقتصادية".
وأضافت الزاملي لـ"طريق الشعب"، ان "استغلال المناسبات لرفع الأسعار يعكس خللاً في سوق المواد الأساسية، ويؤدي إلى توترات اجتماعية، حيث يشعر المواطن العادي بأن جهوده ورواتبه غير كافية لتأمين احتياجات أسرته. هذا الوضع لا يؤثر فقط على المعيشة اليومية، بل يضعف التماسك الاجتماعي ويزيد شعور المواطن بالإحباط والتمييز الاقتصادي".
واختتمت بالقول: "من الضروري أن تكون هناك رقابة فعلية ومستدامة على الأسواق، وفرض آليات لضبط الأسعار، لضمان أن يحصل جميع المواطنين على المواد الأساسية بأسعار عادلة، وأن نحمي الفئات الضعيفة من الانعكاسات السلبية للغلاء والاستغلال المرتبط بالمناسبات".