اخر الاخبار

تواجه صناعة الطابوق في العراق أزمة تهدد واحدة من أقدم الصناعات المحلية، وذلك على إثر قرارات حكومية تُلزم أصحاب المعامل بالتحول إلى وقود أقل تلويثًا للبيئة، من دون أن تُرافق ذلك خطط دعم واقعية.

وكانت الحكومة قد ألزمت معامل الطابوق بالتحول من استخدام الكاز أو النفط الأسود إلى الغاز، باعتباره وقودًا أنظف وأقل ضررا على البيئة. وبدأت بوادر تنفيذ القرار فعليا مطلع شباط الجاري، عبر قطع الحصص الحكومية من الوقود التقليدي، لإجبار أصحاب المعامل على نصب منظومات غاز وتشغيل معاملهم بها. إذ يؤكد أصحاب معامل أنه تم تبليغهم بالأمر بعد تسلمهم حصة الوقود لشهر كانون الثاني الفائت، وهي الأخيرة – وفقا لوكالات أنباء.

وبين متطلبات حماية البيئة وضيق الإمكانيات، يجد المئات من أصحاب المعامل والعمال أنفسهم أمام ظرف غامض، قد يقود إلى توقف واسع في الإنتاج، فضلا عن ارتفاع سعر المنتج، في الوقت الذي يبلغ فيه سعر منظومة الغاز الواحدة نحو 600 مليون دينار.  

ورغم أن الحكومة – حسب وكالات الأنباء - كانت قد أقرت في نيسان 2024 مهلة تمتد حتى عام 2027، مع وعود بمنح قروض ميسّرة لأصحاب المعامل، إلا أن هؤلاء يؤكدون أن التنفيذ جاء مبكرا ومفاجئا، من دون أي حديث واضح عن آليات التمويل أو الدعم.

ولا يبدو أن أصحاب معامل الطابوق يعارضون مبدأ حماية البيئة أو التحول إلى وقود أنظف، لكنهم يشددون على أن أي سياسة بيئية ناجحة يجب أن تكون تدريجية ومدعومة ماليا، وأن تراعي الواقع الاقتصادي والفني للمعامل.

ويرى بعضهم في أحاديث صحفية، أن فرض التحول التقني من دون توفير أدوات التنفيذ، يحوّل الهدف البيئي إلى أزمة اقتصادية واجتماعية تهدد صناعة تاريخية تمتد لعقود.

كلفة التحوّل باهظة فيما الغاز شحيح

تبلغ كلفة منظومة الغاز الواحدة ما بين 500 إلى 600 مليون دينار، وهو مبلغ يفوق قدرات معظم أصحاب معامل الطابوق، خاصة مع غياب القروض الموعودة وعدم توفر دعم حكومي مباشر، إلى جانب ضعف تسويق المنتج في ظل توافر الطابوق المستورد.

ويشير أصحاب معامل إلى مفارقة لافتة تتمثل في أن الغاز نفسه وقود مستورد ويواجه شحا وانقطاعات، ما يثير شكوكا حول قدرة الحكومة على توفيره بشكل مستقر، في وقت تعاني فيه محطات الكهرباء نقص الإمدادات.

في هذا الصدد، يقول محمد صدام، صاحب "معمل طابوق الراية" في الكوت، أن "الحكومة، ولدواع بيئية، بدأت مطلع العام الجاري قطع حصص الكاز عنا"، لافتا في حديث صحفي إلى انه: "تساورنا أصلاً شكوك حول قدرة الحكومة على توفير الغاز لمعاملنا، وهي عاجزة عن توفيره لمحطات الكهرباء"!

ماذا عن الأيدي العاملة؟!

أدى قرار قطع الوقود إلى توقف الكثير من معامل الطابوق في محافظات عدة، وتسريح مئات العمال الذين يعتمدون على هذه الصناعة كمصدر عيش وحيد. ويؤكد عاملون أن توقف المعامل أدخلهم في أزمات معيشية خانقة، في ظل التزامات مالية كبيرة وغلاء معيشي.

وفي ميسان، شكا عدد من العاملين في معامل طابوق منطقة الطبر، من قطع مصدر معيشتهم إثر توقف المعامل.

وقالوا في حديث صحفي أنهم مجبرون على العمل في هذه المهنة الشاقة، في ظل البطالة وانحسار مصادر العيش، موضحين أنه "بعد أن قطعت الحكومة الوقود عن المعامل توقف العمل وأصبحنا عاطلين واغلبنا ملتزم بنفقات مالية وديون لا يمكننا الإيفاء بها من دون استمرارنا في العمل". 

سعر الطابوق يرتفع

بالتزامن مع تراجع الإنتاج، بدأت أسعار الطابوق بالارتفاع بشكل ملحوظ. ففي ميسان والبصرة ومناطق أخرى من البلاد، شكا مواطنون وعاملون في قطاع البناء من الارتفاع المتواصل في أسعار الطابوق، محذرين من انعكاسات الأمر على حركة البناء وكلف المشاريع السكنية والتجارية.

وبحسب شكاوى متداولة في وسائل إعلام، ارتفع سعر صهريج الكاز من السعر الرسمي البالغ نحو ثلاثة ملايين دينار إلى ما يقارب تسعة ملايين دينار في السوق السوداء، فيما وصل سعر الألف طابوقة إلى نحو 220 ألف دينار، وبلغ سعر “الدبل” الذي يضم ثمانية آلاف طابوقة قرابة مليون ونصف المليون دينار.

كما تشير تقديرات أصحاب معامل إلى احتمال قفز سعر شاحنة الطابوق التي تحمل أربعة آلاف طابوقة من نحو 450 إلى 600 ألف دينار، في حال استمرار الأزمة.

تظاهرات واعتصامات

في النهروان وميسان

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل اتخذت طابعا احتجاجيا. إذ شهدت مناطق مثل النهروان في بغداد وميسان تظاهرات واعتصامات لأصحاب معامل الطابوق، احتجاجا على قطع الوقود وإجبارهم على التحول إلى الغاز من دون توفير المستلزمات الفنية والمالية اللازمة. وبينما تواجه البلاد ازمة في التيار الكهربائي، يجد أصحاب المعامل الكهربائية أنفسهم عاجزين أيضا عن الإنتاج.

ويؤكد المحتجون أن القرارات الحكومية تُنفَّذ من دون حوار حقيقي مع أصحاب المعامل، ومن دون مراعاة لواقع هذه الصناعة وإمكاناتها.

وفي محافظات أخرى، برزت شكاوى من توقف واسع لمعامل الطابوق، لا سيما في قضاء بلدروز التابع إلى ديالى، وذلك نتيجة شح الوقود وكثرة انقطاع التيار الكهربائي، ما أدى إلى توقف الإنتاج وتسريح المئات من الأيدي العاملة – حسب وكالات أنباء.

وتضم بلدروز نحو 57 معمل طابوق، لا يعمل منها اليوم سوى 10 إلى 15.

ويحذر أصحاب المعامل من أن استمرار السياسات الحالية قد يدفع السوق إلى الاعتماد المتزايد على الطابوق المستورد. حيث يُباع بأسعار أقل نتيجة الدعم وانخفاض كلف الإنتاج.

ويرى اختصاصيون أن هذا المسار قد يؤدي إلى إضعاف الصناعة الوطنية، وفقدان فرص العمل المحلية، وتعميق التبعية للاستيراد في قطاع حيوي مرتبط بالإسكان والبناء.

تشكيك في الدوافع البيئية للقرار!

يُشكك بعض أصحاب معامل الطابوق في أن الهدف الحقيقي من القرار هو خفض التلوث البيئي، مشيرين إلى أن هناك مصادر تلوث أكبر وأكثر خطورة ما تزال تعمل من دون قيود صارمة، مثل بعض الصناعات النفطية، ومخلفات المستشفيات الحكومية، ومكبات النفايات العشوائية، التي تُطلق – بحسب رأيهم – نسب تلوث تفوق بكثير ما تنتجه معامل الطابوق.

ويرى هؤلاء أن القرار، بصيغته الحالية، يثير تساؤلات حول وجود أهداف أخرى غير معلنة، من بينها إضعاف الصناعة الوطنية بشكل ممنهج، وفتح المجال أمام إغراق السوق بالمنتج المستورد، أو تمرير صفقات تتعلق ببيع منظومات الغاز من دون توفير دعم حقيقي لأصحاب المعامل!

ويأتي ذلك في وقت يمر فيه البلد بأزمة اقتصادية متفاقمة، تتزامن مع اتساع رقعة البطالة وركود واضح في قطاع البناء، حيث يعزف كثيرون من المواطنين عن الشروع بمشاريع بناء جديدة، ما انعكس سلبا على حجم الطلب، وجعل عمل المعامل أصلا دون مستوياته الطبيعية.

ويؤكد أصحاب معامل عبر وسائل إعلام وصفحات على مواقع التواصل، أنهم لا يعارضون مبدأ خفض التلوث أو الانتقال إلى صناعة أنظف، إنما يطالبون بأن يتم ذلك عبر خطط مدروسة تراعي الواقع الاقتصادي، وتوفّر الدعم اللازم، وتضع مصير آلاف العمال في صلب أي قرار، متسائلين: إلى أين سيذهب هؤلاء العمال في حال توقفت المعامل بشكل كامل؟!