اخر الاخبار

يواجه آلاف الطلاب في العراق منذ لحظة خروجهم من منازلهم واقعاً اقتصادياً قاسياً يفرض قيوداً على فرصهم في التعليم؛ البعض لا يملك ثمن النقل اليومي، وآخرون يضطرون لمشاركة الكتب أو إعادة استخدام دفاتر قديمة، بينما تبقى الدروس الخصوصية حلماً بعيد المنال.

هذا الوضع يخلق فجوة واضحة بين الطلبة، إذ يتمكن البعض من متابعة الدروس والمشاركة في الأنشطة، بينما يُحرم آخرون من أبسط مستلزمات التعليم، ما ينعكس على تحصيلهم الدراسي وثقتهم بأنفسهم. وتتحول هذه الفجوة المدرسية إلى انعكاس للتفاوتات الاقتصادية والاجتماعية في المستقبل، وفقاً للخبراء والناشطين في مجال التعليم والاقتصاد.

بيئة تعليمية غير متكافئة

يقول الأكاديمي حيدر ناصر لـ"طريق الشعب"، إنّ الطلبة اليوم يقفون أمام واقع اقتصادي يفرض عليهم قيوداً صارمة.

ويضيف ناصر أن هذا الوضع يولد فجوة واضحة بين الطلبة؛ فالذين يستطيعون تغطية هذه المصاريف يواكبون الدروس ويستفيدون من الأنشطة الصفية والرحلات والبرامج الإضافية، بينما يُحرم آخرون من هذه الفرص، ما يجعلهم يشعرون بالعزلة والخجل أمام زملائهم.

ويتابع أن "الطالب الذي لا يستطيع شراء المستلزمات أو دفع ثمن الرحلة المدرسية، غالباً ما يشعر أنه متأخر أو مختلف عن الآخرين، وهذا الشعور ينعكس مباشرة على تحصيله الدراسي وعلى ثقته بنفسه".

الفجوة لا تتوقف عند المدرسة فقط، بل تمتد إلى المستقبل، إذ أن الطالب الذي يحرم من التعلم الجيد اليوم قد يفقد فرصه في التعليم الجامعي أو الحصول على وظيفة لاحقاً.

ويشير ناصر إلى أن الأزمة الاقتصادية لم تترك مجالاً للانتظار، فهي تضغط على الأسر يومياً، وتخلق بيئة تعليمية غير متكافئة، حيث يعاني الطلبة الأكثر حاجة من الحرمان المستمر، بينما ينمو الطالب الأكثر حظاً في بيئة داعمة تساعده على التفوق.

ويستذكر ناصر ما حدث في بداية العام الدراسي، حيث عجزت المدارس عن توفير كافة الكتب المدرسية، إذ اضطر أهالي الطلبة لشرائها.

ويختم ناصر بالقول إن الحلول ممكنة، لكن تحتاج إلى إجراءات عاجلة لتوفير المستلزمات الأساسية للطلبة: دعم النقل المدرسي، منح حقيقية للطلاب المحتاجين، إعادة النظر في سياسات التعليم بحيث لا تصبح المدرسة انعكاساً للفروقات الاقتصادية بين الأسر، إذ أن الفجوة التي تبدأ اليوم في الصفوف الدراسية قد تتحول غداً إلى فجوة اجتماعية وفرص ضائعة على مستوى المجتمع بأكمله.

حلم الهندسة الذي لم يتحقق!

ويتحدث ليث عبدالله، ناشط مجتمعي ومهتم في مجال التعليم، عن التحديات الاقتصادية التي تواجه الطلبة في العراق، وكيف تؤثر هذه الظروف بشكل مباشر على تحقيق أحلامهم الدراسية والمهنية.

ويشير ليث إلى قصة حقيقية عن طالب كان حلمه الالتحاق بكلية الهندسة المعمارية، لكنه لم يستطع تحقيق ذلك بسبب الأعباء المالية التي تفوق قدرته.

ويشرح ليث لـ"طريق الشعب"، أن المصاريف الجامعية لا تقتصر على الأقساط فقط، بل تتعداها لتشمل تكاليف المواصلات، والمستلزمات الدراسية التي يحتاجها الطالب بشكل مستمر، مثل الأوراق، والألوان، والأدوات الخاصة بالتخصص. هذه التكاليف الإضافية تجعل من الصعب على كثير من الطلاب الالتحاق بتخصصاتهم المفضلة، خاصة في التخصصات التي تتطلب تجهيزات خاصة كالهندسة المعمارية.

ويقول ان "الطالب الذي يعرفه لم يستطع الالتحاق بهذا التخصص لأنه ببساطة لم يكن يملك القدرة المالية لتغطية هذه التكاليف، ما دفعه إلى تغيير حلمه والدخول في تخصص آخر"، مبينا أن الوضع الاقتصادي العام في العراق يثقل كاهل الأسر، إذ يضطر الوالدان إلى تحمل أعباء كثيرة، من مصاريف الجامعة إلى نفقات المواصلات والمستلزمات الشخصية للطالب.

ويلفت إلى أن فرص العمل المتاحة للطلاب قليلة للغاية، ما يجعل من الصعب عليهم موازنة الدراسة مع العمل، موضحا أن ساعات العمل المتوفرة في مدينتي أربيل والموصل لا تتجاوز 10 إلى 12 ساعة في اليوم، والأجور زهيدة تصل إلى 300 أو 400 ألف دينار عراقي، بالإضافة إلى غياب الضمانات الاجتماعية وحماية الحقوق العمالية، ما يجعل الطالب يعيش حالة من الضغط والإرهاق المستمر.

ويختم ليث بالقول: إن هذه الظروف الاقتصادية القاسية تؤثر بلا شك على نفسية الطلاب ومستوى تحصيلهم الدراسي، وتشكل عائقًا حقيقيًا أمام تحقيق طموحاتهم وأحلامهم المهنية.

آثار اجتماعية ونفسية

من جانبها، تؤكد الناشطة في مجال التعليم، اروين عزيز، أن الظروف الاقتصادية للأسرة تلعب دورا حيويا في تحديد فرص الطالب في الحصول على تعليم جيد.

وتقول عزيز لـ"طريق الشعب"، أن محدودية الموارد المالية للأسرة تؤثر بشكل مباشر في قدرة الطالب على توفير مستلزمات التعليم الأساسية مثل الكتب والزي المدرسي ووسائل النقل، ما يؤثر على تركيزه وأدائه الأكاديمي.

وترى أن هذه التحديات تخلق أحيانا بيئة غير محفزة للطالب داخل المنزل، ما يزيد من صعوبة تحقيق التفوق الدراسي.

وتلفت عزيز الانتباه إلى الآثار الاجتماعية والنفسية التي قد يعاني منها الطلبة نتيجة لخلفيات اقتصادية ضعيفة: قد يشعرون بالعزلة والتمييز داخل المجتمع المدرسي بسبب عدم تمكنهم من المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والترفيهية، ما يؤدي إلى تدني الثقة بالنفس وزيادة مستويات القلق والتوتر.

وتؤكد أن هذه المشاعر تؤثر سلبا على رغبتهم في الاستمرار وتحقيق النجاح في التعليم، مردفة أن المدارس والمؤسسات التعليمية لها دور محوري في تقليل الفجوة الاجتماعية الناجمة عن اختلاف الظروف الاقتصادية بين الطلبة.

وتشدد على أهمية توفير منح دراسية ودعم مالي للطلاب المحتاجين لتغطية تكاليف التعليم واللوازم المدرسية. كما تدعو إلى إنشاء برامج وأنشطة شاملة تسمح لجميع الطلاب بالمشاركة بشكل متساوٍ، بالإضافة إلى توفير الدعم النفسي والاجتماعي من خلال مراكز الإرشاد المدرسي.

وتختتم بالقول: إنّ تعزيز ثقافة المساواة والتعاون بين الطلبة والمعلمين يشكل الأساس لبناء بيئة تعليمية صحية ومحفزة، تضمن فرص نجاح متكافئة لكل الطلاب بغض النظر عن ظروفهم الاقتصادية.

عبء أسري في تغطية تكاليف التعليم

من جهته، قال الباحث الاقتصادي عبدالله نجم إن الأزمة الاقتصادية في العراق تضع عبئاً كبيراً على الأسر في تغطية تكاليف التعليم، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة والدولار مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار الكتب والزي المدرسي ووسائل النقل يزيد من الضغط المالي على الأسر ويؤدي إلى ظواهر اقتصادية سلبية مثل عمل الأطفال الجزئي أو الكامل لتغطية هذه النفقات.

وأضاف نجم لـ"طريق الشعب"، أن هذا الواقع لا يؤثر فقط على الطالب الفرد، بل ينعكس على الاقتصاد الوطني، حيث يؤدي ضعف الاستثمار في رأس المال البشري إلى انخفاض الإنتاجية على المدى الطويل، ويحد من قدرة العراق على تطوير سوق عمل مؤهل.

وأكد نجم أن التفاوتات الاقتصادية بين الأسر تخلق فجوة في فرص التعلم، ما يعني أن جزءاً من الشباب يتلقى استثماراً عالياً في مهاراته ومعرفته، بينما يُحرم آخرون من فرص تطوير قدراتهم، وهذا الانقسام يساهم في تكريس تفاوت الدخل مستقبلاً ويزيد من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية.

وأوضح أن الحلول الاقتصادية تتطلب سياسات دعم مالي للأسر الفقيرة، مثل منح دراسية مشروطة بالحضور المدرسي، وخفض تكاليف التعليم الأساسية، فضلاً عن برامج دعم النقل المدرسي والكتب، باعتبارها استثماراً في رأس المال البشري الذي يعد أساس التنمية الاقتصادية المستدامة. كما شدد على ضرورة تطبيق قانون التعليم الإلزامي.

واختتم نجم بالقول: إن استمرار غياب هذه السياسات قد يؤدي إلى فقدان العراق أجيالا شابة قادرة على المساهمة بفاعلية في الاقتصاد الوطني، مؤكداً أن معالجة الأزمة الاقتصادية المرتبطة بالتعليم ليست رفاهية، بل ضرورة لضمان نمو مستدام وتقليل التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية مستقبلاً.