في وقت تؤكد فيه وزارة التخطيط استقرار المؤشرات الاقتصادية الرسمية، يفتح ملف التضخم في العراق باباً واسعاً للنقاش حول الفجوة بين الأرقام المعلنة والواقع المعيشي للمواطنين؛ حيث كشفت الوزارة، اخيراً، عن استقرار معدل التضخم خلال شهر كانون الأول من عام 2025، مسجلاً انخفاضاً سنويًا بنسبة (1.2) في المائة، وكان معدل التضخم السنوي قد تراجع خلال عام 2024 الى مستويات أقل مما سجّله في عام 2023، إذ بلغت معدلات التضخم في العراق نحو (2.6)في المائة خلال 2024 بعد أن كانت بحدود (4.4) في 2023.
وتشير تفاصيل البيانات إلى تباين في حركة الأسعار، إذ شهدت سبعة أقسام ارتفاعات طفيفة، مقابل انخفاض الأسعار في ثلاثة أقسام، فيما حافظ قسمان على مستوياتها المسجلة في شهر تشرين الثاني. ومع هذا الواقع، يؤكد مختصون أن هذه الأرقام، رغم أهميتها من الناحية الإحصائية، لكنها لا تعبّر بالضرورة عن الواقع الذي يلمسه المواطن في الأسواق.
التخطيط توضح
في هذا الصدد، بيّن المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، أن معدلات التضخم في العراق شهدت انخفاضاً ملحوظاً خلال عام 2025، حيث بلغ معدل الانخفاض السنوي في الشهر الأخير من العام الماضي 1.2% مقارنة بالشهر نفسه من عام 2024.
وأوضح في حديثه لـ"طريق الشعب"، ان هذا التراجع "جاء نتيجة انخفاض أسعار سبعة أقسام أساسية في سلة المستهلك، في مقدمتها قسم الأغذية والمشروبات الذي سجل انخفاضًا بنسبة (3.3) في المائة، إلى جانب السكن بنسبة (1) في المائة، والتبغ بنسبة (5.2) في المائة، والنقل بنسبة (2.4) في المائة، والاتصالات بنسبة (1.5) في المائة والترفيه بنسبة (1.2) في المائة، إضافة الى التعليم بنسبة (5) في المائة".
وبيّن أن هذه الانخفاضات مجتمعة "أسهمت بشكل مباشر في خفض معدل التضخم العام"، لافتاً إلى أن "السياسات والإجراءات الحكومية، ولا سيما المتعلقة بتوفير السلة الغذائية عبر البطاقة التموينية، كان لها دور محوري في تحقيق الاستقرار السعري، من خلال توفير المواد الأساسية بأسعار شبه مجانية، وبشكل منتظم وكميات كافية".
وأضاف أن هذه الإجراءات "أسهمت في تعزيز حالة الاطمئنان الاستهلاكي لدى المواطنين، ما انعكس إيجاباً على استقرار الأسعار وانخفاض معدلاتها، فضلاً عن تنظيم سياسة الاستيراد عبر إخضاعها للمنصة الالكترونية واعتماد السعر الرسمي للدولار، الأمر الذي حدّ من تأثير السعر الموازي على الأسواق".
وأكد الهنداوي في ختام حديثه أن مجمل هذه العوامل شكّلت الأسباب الرئيسة وراء انخفاض معدلات التضخم في العراق.
تحصين السلع الأساسية
من جانبه، قال المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، إن المؤشرات التي أعلنتها وزارة التخطيط حول تراجع معدل التضخم تعكس مرحلة انتقالية في أداء السوق، تقوم على ضبط وتيرة الارتفاع في الأسعار وليس خفضها بشكل مباشر.
وأضاف صالح، أن ما تشهده الأسواق حالياً هو نتيجة طبيعية لإعادة تنظيم آليات الاستيراد والرقابة المالية، بعد سنوات من الاختلالات التي انعكست على سلوك السوق وتكاليف التداول.
وبيّن أن استمرار شعور بعض المواطنين بارتفاع الأسعار لا يتعارض مع استقرار المؤشرات العامة، إذ إن الأسعار التي تشكّلت خلال الفترات السابقة ما زالت تمثل قاعدة مرتفعة لكلفة المعيشة، إضافة إلى انتقال جزء من كلف التنظيم الجديدة إلى بعض السلع غير الأساسية.
وأكد صالح أن السياسة الحكومية تركز في هذه المرحلة على تحصين السلع الأساسية ومنع انتقال الضغوط السعرية إلى الغذاء والدواء والنقل، وتنظر إلى هذه المؤشرات بوصفها خطوة أولى في مسار إصلاحي أوسع، يهدف إلى تحقيق التوازن وتنظيم التجارة.
فجوة بين المؤشرات الرسمية وواقع السوق
لكن الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد صباح، عقب على حديث صالح بأن السوق شهد خلال الفترة الماضية ارتفاعات في أسعار بعض المواد الغذائية الأساسية بالتوازي مع انخفاض أو استقرار مواد أخرى، وهو ما انعكس على النتيجة النهائية للمؤشر.
وقال صباح، أن الارتفاعات السعرية التي أشارت لها الوزارة شملت، إلى جانب بعض المواد الغذائية، أقساماً أخرى تمس الإنفاق اليومي للمواطنين، من بينها السكن والخدمات المرتبطة به، والملابس، والصحة، والمطاعم والفنادق، والأثاث والتجهيزات المنزلية، والسلع والخدمات المتنوعة.
وأضاف أن هذه الأقسام تشكل عبئاً مباشراً على كلفة المعيشة، حتى مع غياب أي ارتفاع في أسعار الوقود أو النقل، وأن هذا التفاوت داخل الأقسام هو ما يفسّر الفجوة بين المؤشرات الرسمية وإحساس المواطنين بارتفاع الأسعار، مؤكداً أن المواطن يتأثر بالسلع التي يشتريها يومياً، لا بمتوسطات رقمية عامة.
وحذر صباح من أن استمرار ارتفاع أسعار سلع غذائية محددة وخدمات أساسية، دون معالجات دقيقة، سيُبقي الضغط المعيشي قائماً في ظل السياسات التقشفية التي تنتهجها الحكومة العراقية. وشدد على أهمية أن تكون هنالك تدخلات مباشرة ومحددة، في مقدمتها تشديد الرقابة على الأسواق، وضبط هوامش الربح، ومراجعة الرسوم والجبايات المفروضة على السلع الأساسية، إلى جانب دعم سلاسل التوريد وتحسين كفاءة الاستيراد، بما يضمن انعكاس أي تحسّن في المؤشرات الاقتصادية على الواقع المعيشي للمواطنين بشكل فعلي، لا رقمي فقط.
مؤشر إحصائي لا يعكس واقع الغلاء
وفي السياق، قال أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن الحديث عن استقرار معدلات التضخم يُعدّ مفهوماً من الناحية الفنية والإحصائية، إلا أنه لا يعكس بالضرورة الواقع المعيشي الذي يلمسه المواطن يوميًا في الأسواق.
وأضاف السعدي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "التضخم يُقاس كمعدل عام بالاعتماد على سلة واسعة من السلع والخدمات، ما يعني أنه قد يبقى مستقراً حتى في حال ارتفاع أسعار مواد أساسية يعتمد عليها المواطن بشكل يومي، مثل الغذاء والنقل والخدمات، الأمر الذي يخلق فجوة واضحة بين المؤشر الرسمي والشعور الحقيقي بغلاء المعيشة".
ولفت إلى أن "ارتفاع الأسعار في العراق لا يرتبط بمؤشر التضخم وحده، انما يتأثر بعوامل أخرى، من أبرزها كلف الاستيراد، والرسوم الجمركية والضرائب، وارتفاع أجور النقل، فضلًا عن ضعف الإنتاج المحلي وغياب المنافسة الفعلية في بعض الأسواق".
كما نوه إلى أن "أي تذبذب في سعر الصرف أو تشدد في الإجراءات المالية ينعكس سريعاً على الأسعار، حتى وإن ظل مؤشر التضخم العام مستقراً"، مشيرا إلى أن "المعالجة الحقيقية لا تقتصر على الحفاظ على استقرار المؤشرات النقدية، إنما تتطلب سياسات اقتصادية أشمل تعالج جذور المشكلة، عبر دعم الإنتاج المحلي، وتقليل كلف الاستيراد، وتعزيز الرقابة على الأسواق، وربط الاستقرار الاقتصادي بتحسين القوة الشرائية للمواطن، بدل الاكتفاء بالأرقام والمؤشرات المجردة".