اخر الاخبار

لم تعد جرائم العنف الأسري شأنًا خاصًا، بل أصبحت وجهًا مكشوفًا لأزمة أعمق تتقاطع فيها مسؤولية الدولة مع هشاشة المنظومة التشريعية والاجتماعية. ومع التداول الواسع لصور ومقاطع فيديو توثّق جرائم وانتهاكات بحق الضحايا على مواقع التواصل الاجتماعي، يتجدّد السؤال حول دور الحكومة في توفير حماية قانونية فعلية، بدل الاكتفاء بالوعود والإجراءات الشكلية.

وتؤكد تقارير رسمية أن العنف الأسري ما يزال ظاهرة متفاقمة في مختلف المحافظات، في ظل تعثّر تشريع قانون الحماية من العنف الأسري، وضعف آليات التنفيذ والمساءلة، ما يترك الضحايا في مواجهة مفتوحة مع العنف، بلا سند قانوني أو مؤسسي يحميهم.

معطيات دولية تشير إلى نقائص واضحة

أصدرت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومكتب مفوضية حقوق الإنسان تقريرًا مشتركًا بعنوان "المساءلة عن العنف الأسري في العراق: تعزيز العدالة وعدم التمييز"، أكّدا فيه أن العنف الأسري ما يزال أحد أشكال التمييز الذي يحدّ من تمتع النساء بحقوقهن الأساسية، وأن نظام الحماية القانونية في العراق لا يزال غير كافٍ لردع الانتهاكات أو توفير حماية حقيقية للضحايا.

وأشار التقرير إلى غياب إطار تشريعي شامل يتعامل مع العنف الأسري بوصفه جريمة مستقلة، وصعوبة إثبات العنف وتحقيق العدالة بسبب البُنى القانونية الحالية التي تعتبر العديد من الأفعال مجرد "نزاعات أسرية" وليست جرائم تستوجب عقابًا رادعًا. كما لفت إلى العوائق الاجتماعية والثقافية، مثل وصمة العار والخوف من الانتقام، التي تمنع الكثير من الضحايا من الإبلاغ أو طلب الحماية.

الحاجة إلى قانون صارم وتطبيق فعّال

وفي هذا السياق، أكد محامون وقانونيون أن تشريعات العنف الأسري الحالية غير كافية، وأن النصوص القانونية المتوافرة تعتمد في كثير من الأحيان على مواد عامة من قانون العقوبات، ولا تتضمن تعريفًا واضحًا ومحددًا للعنف الأسري كجريمة مستقلة، ما يعوق تحقيق العدالة بشكل فعّال ويجعل الضحايا غير قادرين على الوصول إلى حماية قانونية حقيقية.

يقول المحامي جعفر عبد الله إن "العنف الأسري لا يزال يُعامل في كثير من الأحيان بوصفه مشكلة عائلية عادية، وليس جريمة تمس حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية. نحن بحاجة إلى قانون مستقل يعاقب المعتدي ويوفر حماية شاملة للضحايا". وينقل المحامي عن قضاة قولهم إن النظام القضائي لا يتعامل بصرامة كافية مع الجرائم الأسرية، الأمر الذي يشجع بعض المعتدين على الاستمرار في أفعالهم دون خوف من العواقب القانونية.

مساحات للمعاناة والمطالبة بالتغيير

على منصات التواصل الاجتماعي، ينشط مواطنون في نشر شهادات حقيقية لضحايا العنف الأسري، سواء عبر منشورات مكتوبة أو مقاطع فيديو توثّق ما يجري داخل الأسر. وكثيرًا ما تحمل هذه المنشورات دعوات موجّهة للمجتمع والحكومة للتحرك من أجل حماية النساء والأطفال من العنف.

بدورها، تفيد الناشطة الحقوقية لينا الخفاجي بأن "النساء يعشن في خوف دائم داخل منازلهن، وكثيرات لا يتحدثن خشية الانتقام أو الرفض الاجتماعي، ولهذا باتت وسائل التواصل الاجتماعي المكان الوحيد الذي تُسمع فيه أصواتنا".

وتنبه منشورات عديدة إلى حالات قتل أو إصابات جسدية خطيرة وقعت داخل الأسر، فيما يتردد كثير من المواطنين في الإبلاغ الرسمي عنها بسبب وصمة العار والخوف من الإجراءات المعقّدة داخل الجهاز القضائي.

ثقافة الإفلات من العقاب والوصمة

يؤكد خبراء أن أحد أسباب استمرار العنف الأسري في البلاد هو ثقافة الإفلات من العقاب، حيث يجري في كثير من الحالات تشجيع حل النزاعات عبر الصلح العائلي أو الضغوط الاجتماعية بدل تطبيق العقوبات المناسبة. كما أن الخوف من وصم الضحية أو تعريضها للتشهير الاجتماعي يدفع الكثيرات إلى الصمت وعدم الإبلاغ.

ويقول المحامي سامر المرسومي في هذا الخصوص إن "الخوف من المجتمع، وأحيانًا من القاضي نفسه، يجعل الضحية تتردد في الذهاب إلى المحاكم. نحن بحاجة إلى نشر ثقافة قانونية تحمي الضحايا لا الجناة".

هل يتحول الضغط إلى تغييرات فعلية؟

أخيرًا، تؤكد التقارير الدولية ومواقف الناشطين ضرورة صياغة قانون مستقل لمكافحة العنف الأسري في العراق، بما ينسجم مع المعايير الدولية لحماية حقوق الإنسان، ويضع الأطر اللازمة لحماية الضحايا ومحاسبة الجناة. وتُعد هذه المطالب من أبرز أولويات منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق المرأة والطفل، الذين يرون أن غياب القانون يزيد من هشاشة الضحايا ويكرّس ثقافة العنف داخل الأسرة.