في مختلف مدن العراق، لا تزال عشرات المهن الجوّالة تقاوم البقاء وتوسّع مساحات عملها وتطوّر أدواتها، من دون الحاجة إلى رأس مال كبير، ومن تلك المهن شحذ السكاكين وتصليح الأدوات والأجهزة المنزلية والحدادة والنجارة وتنظيف المجاري وتشذيب الحدائق، فضلا عن خدمات التوصيل وبيع المواد المستعملة وشرائها.
وتجمع هذه المهن شبابا متعلمين وغير متعلمين لم يُحظوا بفرص عمل مناسبة. وعادة ما يتنقل صاحب المهنة عبر دراجة هوائية أو نارية، بين الأحياء السكنية، مستخدماً مكبرات الصوت البسيطة لإعلان خدماته.
يأتي ذلك في ظل تفشي البطالة، مقابل استفحال الأزمات المعيشية وتصاعد الغلاء وزيادة متطلبات الحياة.
ورغم إعلان الحكومة خلال الشهور الماضية، وفي أكثر من مناسبة، انخفاض البطالة في البلاد بواقع 13 في المائة، وانها وسّعت عمل القطاع الخاص بإقرار قانون التقاعد والضمان الذي يساوي امتيازات العاملين في القطاعين الخاص والحكومي، رغم ذلك كله، إلا أن البطالة لا تزال موجودة بصور متعددة.
مهن لا تحتاج إلى رأس مال
تفيد تصريحات رسمية بأن الحكومة المنتهية دورتها سعت إلى خفض معدلات البطالة عبر سلسلة من الإجراءات، من ضمنها دعم القطاع الخاص وتوفير قروض لفتح المشاريع الخاصة، إلا ان ذلك في الحقيقة لم يساهم مساهمة كبيرة في إنهاء البطالة أو على الأقل خفضها إلى مستويات متدنية. فيما لجأ الشباب، وهم الشريحة الأكبر في المجتمع، إلى أعمال ومهن لا تحتاج لرأس مال كبير، إنما إلى التجوال في الأحياء السكنية وتقديم الخدمات التي عادة ما يكون مردودها المالي اليومي بسيطاً جداً، وفي أفضل الأحوال لا يتجاوز 10 إلى 15 ألف دينار.
يقول الأربعيني أبو علي، من بغداد، انه يعمل في تسليك المجاري والبالوعات وتنظيفها، ويزاول هذه المهنة منذ قرابة 20 عاماً، مبينا في حديث صحفي أنه لم يكمل تعليمه بسبب ظروف الحياة الصعبة، ولا يقبل على نفسه أن يبقى في البيت وينتظر المعونات والمساعدات.
ويضيف قوله أن العمل الحر والجوّال يمنحه الحرية في التنقل والوصول إلى مناطق بعيدة، عادة ما يُصعب على سكانها الذهاب إلى مراكز المدن للحصول على عمّال يزاولون تلك الخدمات.
أيام دون عمل
يلفت أبو علي إلى أن خروجه اليومي للعمل لا يعني أنه يعمل يومياً. فهو عادة ما يبقى أياما من دون أي طلب على خدماته. كذلك انه يعتمد على توزيع رقم هاتفه بين الناس لأجل التواصل معه عند الحاجة.
ويشير إلى أن "أجر فتح البالوعة الواحدة يبلغ 15 ألف دينار، وان العملية تستغرق أحياناً ساعات من التنظيف لإنهاء الانسدادات"، منوّها إلى أنه كان قد تقدم أكثر من مرة للحصول على وظيفة حارس مدرسة أو مؤسسة حكومية، إلا أنه لم يوفق في مسعاه، ما دفعه إلى ترك فكرة الوظيفة الحكومية والبقاء في عمله الحر.
من جهته، يقول الشاب عزيز أحمد، وهو أيضا من بغداد ويعمل في بيع المواد المنزلية المستعملة وشرائها، أنه يشتري كل حاجة منزلية مستعملة مثل الغسالات والثلاجات من منازل الأحياء الراقية في بغداد، ويتوجه لبيعها في المناطق الفقيرة، وبذلك يحقق دخلاً جيداً.
ويوضح في حديث صحفي أن مهنته شاقة، لأن بعض الحاجات التي يبيعها ويشتريها ذات أوزان ثقيلة، لذلك تعرّض لحالات مرضية عديدة بسبب هذه المهنة التي يعمل مع ولده فيها.
يعملون لكنهم عاطلون!
في السياق، يلفت الباحث الاجتماعي صدام الموزاني، إلى أن "العاملين في المهن الجوّالة يندرجون ضمن شريحة الفقراء، لأن أعمالهم ليست مستقرة، بل إن كثيرين منهم لا يختلفون عن العاطلين عن العمل بسبب قلة الفرص، لذلك أغلب هؤلاء يسكنون في العشوائيات ومناطق التجاوزات، وهم في أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة".
ويذكّر في حديث صحفي بأن "مسؤولية السلطات رعاية المواطنين، وتوفير الحياة الكريمة لهم، خصوصاً أن العراق ليس بلداً فقيراً، ومن المعيب أن نشهد الفقر بهذه الطريقة في بلد غني وغزير بالفرص الاقتصادية".
وتعد مشكلة البطالة في العراق من أبرز التحديات التي واجهت الحكومات المتعاقبة، والتي لم تُعالج بالشكل المطلوب حتى الآن. وتؤكد جميع الأرقام أن هذه المشكلة آخذة بالاتساع، ومعها يرتفع مؤشر الفقر في الدولة الغنية بالنفط. كذلك تتزايد أعداد خريجي الجامعات الذين لم يتمكّنوا من الحصول على وظائف، بسبب عدم وجود رؤية حقيقية لدى الدولة، فضلاً عن عدم الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي - حسب مراقبين. وشهدت البلاد ولا تزال تشهد في محافظات عديدة، موجات احتجاج من الشباب العاطلين عن العمل، تصل إلى إغلاق مؤسسات ومقار شركات نفطية وغيرها. ولا تتراجع هذه الاحتجاجات بالرغم من الوعود التي تطلقها الحكومات بالعمل على الحد من البطالة والفقر في البلاد.
وكانت نسبة البطالة في العراق قد بلغت 16.5 في المائة من مجموع السكان النشطين اقتصادياً، بموجب مسح نفذه الجهاز المركزي للإحصاء الحكومي بالتعاون مع منظمة العمل الدولية. وحسب بيان رسمي فإن "هذه النسبة ترتفع لدى النساء إلى أكثر من 25 في المائة مقارنة بالذكور، الذين تصل نسبة البطالة بينهم إلى 11 و12 في المائة".