تحرم الفوضى العمرانية التي تشهدها البلاد منذ سنوات، لا سيما في بغداد، شريحة واسعة من المواطنين من ضوء الشمس، ما يفاقم الأزمات الصحية والنفسية والاجتماعية جرّاء العيش في بيئة مظلمة رطبة. إذ تتكدس البيوت فوق بعضها البعض، وتضيق الأزقّة حتى يكاد ضوء النهار لا يتسلل إلى بعض الغرف، ما يخنق السكان.
وفي مقابل ذلك، تأتي مشكلة غياب الخدمات والبنى التحتية لتزيد الطين بلة في تلك الأحياء السكنية، الأمر الذي يحوّل المشكلة إلى أزمات صحية ونفسية واجتماعية تُصعب مواجهتها، لا سيما أن سكان تلك المناطق جلّهم من الفقراء ومحدودي الدخل.
وتُعدّ أزمة السكن أحد أبرز المحركات الخفية لتلك الفوضى العمرانية. إذ دفعت الارتفاعات الكبيرة في أسعار العقارات والإيجارات آلاف العائلات إلى تقسيم منازلها بشكل عشوائي، أو البناء فوقها من دون مراعاة أدنى معايير التخطيط. ومع تقلّص القدرة الشرائية للمواطن، تحوّلت الأراضي السكنية إلى مساحات مُجزّأة أكثر من طاقتها الاستيعابية، الأمر الذي ألغى فكرة الحديقة المنزلية، وضيّق الارتدادات، وحاصر البيوت ببعضها البعض، لتغدو الشمس ضيفاً نادراً على كثير من المنازل!
وفي موازاة ذلك، ساهم التوسّع غير المنظّم في البناء العمودي داخل الأحياء السكنية في تعميق الأزمة. إذ بُنيت طوابق إضافية من دون تراخيص أو دراسات إنشائية، وشُيدت مبان تجارية، في مخالفة صريحة للتصاميم الأساسية للمدن.
هذا النمط من البناء لا يحجب الضوء والهواء وحسب، بل يحمّل شبكات الماء والمجاري والكهرباء أعباءً تفوق طاقتها، وبالتالي يحوّل الخلل العمراني إلى أزمة خدمية وصحية متداخلة – وفقا لمراقبين يرون أيضا أن تداعيات الفوضى العمرانية لا تقف فقط عند حدود السكن غير اللائق، إنما تمتد لتطال النسيج الاجتماعي ذاته. إذ إن العيش في بيئة مكتظّة مظلمة رطبة، يعمّق مشاعر الاختناق والحرمان، ويزيد من حدّة التوتر داخل الأسر، خصوصا في أوساط الفقراء ومحدودي الدخل الذين لا يمتلكون بدائل سكنية أخرى، ولا قدرة لهم على الانتقال إلى أحياء مخططة بشكل صحيح.
منازل خانقة متآكلة!
تقيم أم سجى مع زوجها وثلاثة أطفال في منزل لا تتجاوز مساحته 50 متراً، يتألف من ثلاث غرف خشبية سقفها من حديد متآكل.
تقول أم سجى في حديث صحفي: "لا نستطيع إطفاء المصباح، نعيش على ضوئه طيلة ساعات النهار"، مضيفة القول: "لم نر الشمس في منزلنا منذ سنوات طويلة. إذ بنينا المنزل بطريقة عشوائية، ولاحقا بُنيت بيوت اخرى إلى جوارنا وارتفعت وحاصرتنا من كل الجهات".
وتشير إلى أن "واقعنا البائس تسبّب في مشكلات نفسية لدى بناتي اللواتي يتضايقن من البقاء في المنزل، ويتذمّرن من الرطوبة التي تلحق الضرر والعفن بمقتنياتهنّ وبأغراض المنزل".
رفع مستوى التوتر
من جانبه، يقول الباحث الاجتماعي حسن العزاوي، أنّ "حرمان الأفراد من الضوء الطبيعي يرفع مستوى التوتر، ويزيد النزاعات العائلية، ويؤثر مباشرة على سلوك الأطفال"، مبينا في حديث صحفي أن "الأطفال الذين ينشأون في منازل بلا إضاءة طبيعية يواجهون صعوبة في التركيز والدراسة، ويميلون إلى العزلة والقلق، ويرتبط هذا الحرمان علميّاً باضطرابات النوم والمزاج".
فيما تقول طبيبة العيون سارة حيدر أن "غياب أشعة الشمس يبدو تفصيلاً صغيراً لمن يعيش في بيئة طبيعية، إلا أنه في هذه البيوت يمثل معاناة يومية"، مشيرة إلى أن "الضوء ليس رفاهية، إنما عنصر أساسي لصحة الإنسان النفسية والجسدية، ونمو الأطفال، وشعور الأسرة بالراحة والأمان".
وتؤكد أن "نقص التعرض الطبيعي للضوء يضعف قدرة العين على التكيّف البصري ويؤثر على صحة الشبكية، فضلاً عن مساهمته في تفاقم ضعف النظر والصداع والإجهاد المستمر للعين، وهي مشكلات يلاحظها السكان يومياً"، متابعة القول: "كذلك أن نقص الإضاءة الطبيعية مرتبط علمياً باضطرابات النوم، وضعف المزاج، وتراجع القدرة على التركيز لدى الأطفال، وهي آثار قد تتفاقم في حال ترافق الظلام مع رطوبة وتهوية ضعيفة وعيشٍ في ظروف فقر".
أزمة السكن
في السياق، يقول الخبير في التخطيط الحضري علي عديل، أنّ "ما تشهده بغداد ومحافظات أخرى من فوضى عمرانية، ليس مجرد تجاوزات فردية، إنما هو نتيجة مباشرة لأزمة سكن مزمنة وغياب سياسة إسكانية واضحة".
ويضيف في حديث صحفي أنّ "تقسيم المنازل والبناء العمودي العشوائي حوّلا الأحياء السكنية إلى كتل إسمنتية خانقة، ما حرم السكان من الضوء الطبيعي والتهوية، وخلق بيئة غير صحية، لا سيما للأطفال وكبار السن".
ويرى أنّ "معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم عبر حلول بلدية جزئية، بل تحتاج إلى تدخل حكومي شامل يربط بين الإسكان والتخطيط الحضري والتنمية الاجتماعية".
وفي مناسبات عدة، أفادت وزارة التخطيط بأن العشوائيات والفوضى العمرانية توسعت بسبب النزوح والأزمات الاقتصادية ونقص مشاريع الإسكان، ما دفع آلاف العائلات إلى البناء من دون ضوابط. ومع غياب الرقابة البلدية لفترات طويلة، صارت الأزقة تضيق والمباني تتلاصق حتى إنّ بعض المنازل بُنيت من دون أي نافذة حقيقية، أو أن الضوء يدخلها فقط من سقفٍ متهالك.
ويرى مراقبون أن الحلول التي يضعها أصحاب تلك المنازل للحصول على ضوء الشمس، مؤقتة وغير مجدية، كأن تتم الاستعانة بفتحات علوية للضوء أو إعادة تصميم الواجهات، في حين أن الأزمة أوسع تستدعي تدخلاً حكومياً منسقاً يقوم على تخطيط حضري واضح، مع توفير الدعم الصحي والاجتماعي للعائلات التي تعيش في الظلام.
ضغط اجتماعي وسياسي
تنقل وكالة أنباء "العربي الجديد"ن عن مصدر في أمانة بغداد قوله أنّ "العشوائيات غالباً ما تنشأ في مناطق خارجة عن السيطرة الإدارية الفعلية، بسبب توسع سكاني يفوق قدرة الأمانة على المتابعة، إلى جانب ضعف التنسيق بين الجهات الحكومية المعنية".
ويلفت المصدر الذي حجبت وكالة الأنباء اسمه إلى أن "أمانة العاصمة تواجه ضغطاً اجتماعياً وسياسياً كبيراً يمنعها من إزالة أو منع البناء غير النظامي، لأن غالبية هذه المناطق يسكنها ذوو الدخل المحدود والفئات الهشّة، ما يجعل أي محاولة للمعالجة تصطدم بحساسيات وانتقادات شعبية".
ويضيف قائلا أن "نقص الكوادر، وضعف آليات المتابعة، ووجود مخالفات تُشيَّد في ساعات الليل أو على أراضٍ لا تمتلك سجلات عقارية، يجعل مسألة الضبط أكثر تعقيداً.
كما أن صدور استثناءات غير رسمية، وتدخل بعض القوى النافذة، كلها عوامل ساهمت في عدم تطبيق القانون".