بالتوازي مع تصاعد المؤشرات الصحية المقلقة في محافظة ذي قار، تتزايد التحذيرات من تداعيات التلوث البيئي، في ظل تسجيل ارتفاع لافت في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية، ولا سيما بين فئة الشباب، وسط اتهامات بتقاطع الإهمال البيئي مع ضعف الرقابة على الأنشطة الصناعية والنفطية وتلوث مصادر المياه.
وبينما تتحدث الجهات الرسمية عن إجراءات قانونية وإنذارات وغرامات، تكشف شهادات ناشطين ومسؤولين صحيين عن فجوة ثقة متنامية، تعيد إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول فعالية المعالجات الحكومية وقدرتها على الحد من أزمة صحية وبيئية آخذة في التفاقم
ارتفاع كبير في معدلات الاصابة
في حديثه عن الواقع الصحي المقلق، يقول علي الناشي، ناشط بيئي في محافظة ذي قار، إن هناك ارتفاعا كبيرا في حالات الإصابة بمرض السرطان، ولا سيما بين فئة الشباب، مؤكداً أن الظاهرة باتت تشكل إنذاراً حقيقياً يستدعي تحركاً عاجلاً.
واضاف الناشي لـ"طريق الشعب"، أن هناك أسباباً متعددة وراء هذا الارتفاع، إلا أن السبب الأبرز يتمثل في تلوث مصادر المياه، نتيجة رمي النفايات بمختلف أنواعها، سواء مخلفات المستشفيات أو المعامل أو مياه المجاري، في نهري دجلة والفرات.
وأشار إلى أن التلوث المائي انعكس بشكل مباشر على الصحة العامة، حيث لوحظت أعداد متزايدة من المصابين بأمراض السرطان، خصوصاً بين الشباب الذين تقل أعمارهم عن 35 عاماً، وهو ما يثير القلق بشأن مستقبل هذه الفئة الحيوية في المجتمع.
ودعا الناشط البيئي الحكومة المحلية إلى تحمل مسؤولياتها واتخاذ دور فاعل، من خلال تشديد الرقابة على المصانع والمنشآت الصناعية، ومتابعة وضع الأنهار عبر رقابة دورية ومنظمة، إضافة إلى الاستفادة من تجارب الدول المجاورة والمتقدمة في مجال حماية البيئة والصحة العامة.
ولفت إلى تسجيل نسب مرتفعة من أمراض السرطان في المناطق القريبة من حقول النفط ومواقع استخراجه، مؤكداً أن للأنشطة النفطية دوراً كبيراً في تفاقم المشكلة الصحية، ما يتطلب إجراءات صارمة للحد من آثارها البيئية وحماية السكان القاطنين في تلك المناطق.
وتكشف دائرة البيئة في محافظة ذي قار بين فترة وأخرى، عن إجراءات بفرض غرامات وانذارات لاصحاب المنشآت الصناعية المخالفة؛ ففي تموز 2024، وجهت الدائرة إنذارات وفرضت غرامات مالية على حقول نفطية مخالفة للمتطلبات البيئية، وذلك بالتزامن مع إعلان لجنة الصحة والبيئة في مجلس المحافظة تسجيل أعداد كبيرة من حالات الإصابة بالأمراض السرطانية في المناطق السكنية القريبة من الحقول المذكورة.
وفي منتصف تموز 2025، كشفت المديرية أيضا عن اتخاذ إجراءات قانونية وإدارية بحق 62 نشاطاً من الأنشطة الصناعية والتجارية المخالفة للبيئة، تمهيداً لتوجيه إنذارات نهائية لها. فيما أعلنت عن رصد مخالفات خطيرة في مجمع معامل طابوق قضاء الإصلاح. ونوهت في حينها بـ"عدم التزام الدوائر الحكومية بالضوابط والمعايير والإجراءات البيئية، انما تعمد الى رمي مخلفات الصرف الصحي في الأنهر، وهناك مخلفات نفطية تلوث التربة والهواء".
حملات ميدانية شهرية وإنذارات بالجملة
وقال مدير بيئة المحافظة د. موفق الطائي، أن دائرته نفذت خلال عام 2025 سلسلة إجراءات قانونية وإدارية مشددة لتعزيز الرقابة على الأنشطة البيئية وضمان التزامها بالضوابط المعتمدة، في إطار مساعي الحد من التلوث وتحسين الواقع البيئي في المحافظة.
وأضاف الطائي في تصريح لـ"طريق الشعب"، أن هذه الإجراءات أسفرت عن توجيه 216 إنذاراً بحق أنشطة مخالفة، إلى جانب مقاضاة 150 مخالفاً أمام محاكم التحقيق والجنح، فضلاً عن فرض غرامات مالية، وغلق أربعة أنشطة ثبت عدم التزامها بالمحددات البيئية.
وأشار إلى أن فرقاً بيئية متخصصة تواصل تنفيذ حملات رقابية ومتابعة ميدانية مستمرة للأنشطة الصناعية والتجارية والخدمية، ضمن خطة شهرية معتمدة تشمل جميع القطاعات، وتتضمن توجيه الإنذارات، وفرض الغرامات، ورفع الدعاوى القضائية بحق الجهات غير الملتزمة.
وبالحديث عن الموافقات البيئية، اكد الطائي أن المديرية منحت موافقات بيئية لعدد من المشاريع والأنشطة، بعد استكمال الفحوص الفنية وإجراء التقييمات البيئية اللازمة، وبما يتناسب مع تصنيف كل نشاط، لضمان تقليل آثاره السلبية المحتملة.
سنتان للتخلص من مخلفات معامل الطابوق
وحول ملف معامل الطابوق التي تعتمد منظومات حرق بدائية، أوضح أن وزارة البيئة سبق وأن حددت سقفاً زمنياً مدته ثلاث سنوات لأصحاب هذه المعامل، لاستبدال منظومات الحرق العاملة بالنفط الأسود بأخرى تعمل بالغاز، مبيناً أن أكثر من عام واحد قد انقضى من هذه المدة.
وشدد على أهمية التزام أصحاب المعامل بالسقف الزمني المحدد، داعياً إلى التقيد بالتوجيهات الوزارية الهادفة إلى تقليل الانبعاثات الملوثة وتحسين الواقع البيئي، مؤكداً أن المديرية ستتخذ الإجراءات القانونية بحق المتلكئين عن التنفيذ.
ودعا مدير بيئة ذي قار أصحاب المشاريع الصناعية والتجارية، فضلاً عن الدوائر الحكومية وغير الحكومية، إلى الالتزام بالتعليمات والضوابط الواردة في قانون حماية وتحسين البيئة.
طفرات جينية وتشوهات خلقية
وأثار التباين في المواقف الرسمية بشأن الواقع البيئي والصحي في ذي قار أزمة ثقة، لا سيما بعد الكشف عن حصيلة تراكمية تتجاوز 10 آلاف إصابة بالأمراض السرطانية، جرى تسجيلها في مركز الأورام بمستشفى الحبوبي التعليمي منذ عام 2010.
رئيس لجنة الصحة في مجلس محافظة ذي قار، الدكتور أحمد غني الخفاجي، أكد في وقت سابق أن المحافظة تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية والتشوّهات الخلقية، مشدداً على أن هذا الارتفاع لا يمكن اعتباره عشوائياً أو طبيعياً.
وأوضح الخفاجي، أن المؤشرات الصحية تُظهر تركزاً واضحاً للإصابات في المناطق القريبة من مواقع استخراج النفط، حيث سُجل ازدياد في عدد الحالات المرضية، إلى جانب رصد طفرات جينية وتشوهات خلقية لدى المواليد الجدد.
وعزا الخفاجي هذه الظواهر إلى سوء إدارة عمليات إنتاج النفط وعدم التعامل السليم مع المخلفات الصناعية، مبيناً أن غياب المعالجة البيئية اللازمة أدى إلى تلوث واسع في تلك المناطق، ما انعكس بشكل مباشر على صحة السكان وتسبب بانتشار الإصابات السرطانية والتغيرات الوراثية.
ولم تقتصر الأزمة على التلوث النفطي، بل تحدث الخفاجي عن أزمة تلوث المياه، مبينا أن بعض المحافظات الواقعة شمال ذي قار "ترمي مخلّفاتها من المياه الثقيلة في مجاري الأنهر من دون معالجة".