اخر الاخبار

في بعض المناطق الفقيرة، تعيش نساء من ذوات البشرة السوداء واقعا قاسيا. فالفقر، والتمييز الاجتماعي، والأمية، تشكل منظومة تهميش مغلقة تحاصر حياتهن اليومية، وتبعدهن عن التعليم والعمل والخدمات الأساسية.

ويزداد هذا الواقع تعقيدا حين تكون المرأة من ذوات الاحتياجات الخاصة، لتجد نفسها في مواجهة تمييز مضاعف، يكاد يلغي حضورها من المشهد العام.

تشير متابعات منظمات مجتمع مدني إلى أن نسبة كبيرة من نساء البشرة السوداء لم يلتحقن بالتعليم أو اضطررن لتركه في مراحل مبكرة، نتيجة الفقر، والعمل المبكر، والزواج القسري، فضلا عن النظرة الدونية التي تلاحق هذه الفئة داخل المجتمع.

تقول المواطنة منسة خالد "عندما كنت طفلة لم يفكر أحد بإدخالي للمدرسة. عملت في البيوت حتى أساعد أهلي، اليوم لا أعرف أقرأ ولا أكتب، وكل معاملة أحتاج بها إلى من يعينني على قراءتها".

وتضيف أن الأمية جعلتها عرضة للاستغلال، سواء في العمل أو في مراجعة الدوائر الرسمية، إذ لا تستطيع قراءة أي مستند أو الدفاع عن حقها.

ولا يقف التهميش عند حدود التعليم. فالتمييز المرتبط بلون البشرة ما يزال حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية، من اللغة المستخدمة إلى فرص العمل. تقول أم علي وهي أم لأربعة أطفال: "ينظرون إليّ بنظرة دونية في كل مرة أقدم بها على فرصة عمل. ويتم رفضها دون تبرير".

هذا الواقع يدفع كثيرا من النساء إلى العمل في مهن هامشية وشاقة، مثل التنظيف، دون عقود أو ضمان اجتماعي، ما يعمق معاناتهن الاقتصادية.

أما النساء ذوات الاحتياجات الخاصة ، فيواجهن حالات إضافية من الإقصاء. تقول المواطنة كفاح عارف، وهي امرأة تعاني من إعاقة حركية إن "إعاقتي وحدها كانت كافية حتى أبقى بالبيت بعد تخرجي من إعدادية التجارة. لا المدرسة كانت مناسبة لمواطني الاحتياجات الخاصة، ولا دورات، ولا حتى المعاملة سهلة فكل شيء كان يتحقق بجهود كبيرة".

وتوضح أن غياب البنى التحتية الداعمة، كالمراكز المؤهلة أو وسائل النقل، يجعل الوصول إلى التعليم أو التدريب شبه مستحيل، خصوصا في المناطق الفقيرة.

وتشير ناشطات إلى أن برامج محو الأمية أو التمكين نادرا ما تصمم بطريقة تراعي احتياجات النساء ذوات الإعاقة، سواء من حيث المكان أو المناهج أو آليات الوصول. تقول المواطنة بيان صالح، وهي شابة من ذوات الإعاقة السمعية "قدمت على دورة محو أمية، لكن كانت تفتقر إلى مترجمة لغة إشارة. شعرت أن البرنامج ليس لنا".

الأمية، في هذا السياق، لا تعني فقط عدم القراءة والكتابة، بل غياب الوعي بالحقوق القانونية والصحية والاجتماعية. كثير من النساء لا يعرفن كيفية التقديم على الرعاية الاجتماعية أو الخدمات الصحية، ما يضعهن في دائرة دائمة من الاعتماد على الآخرين.

ورغم أن الدستور العراقي ينص على المساواة وعدم التمييز، إلا أن الواقع يكشف فجوة واضحة بين النصوص القانونية والتطبيق. فغياب سياسات عامة تستهدف النساء الأكثر تهميشا، خصوصا ذوات البشرة السوداء وذوات الاحتياجات الخاصة، يجعل هذه الفئات خارج خطط التنمية والتمكين.

مختصون في الشأن الاجتماعي يؤكدون أن معالجة هذا الملف تتطلب اعترافا رسميا بوجود تمييز قائم، وإطلاق برامج محو أمية مرنة ومتكيفة، تراعي الفروق الجغرافية واحتياجات الإعاقة، إلى جانب توفير فرص تدريب وعمل تحفظ الكرامة الإنسانية. كما يشددون على ضرورة إشراك النساء أنفسهن في تصميم هذه البرامج، بدل التعامل معهن كحالات هامشية.

تختصر الناشطة الهام الصباغ مطالب كثيرات بقولها "لا نريد شفقة… نريد تعليم، نريد فرصة تمكننا من العيش بكرامة".

واخيرا، يبقى ملف نساء البشرة السمراء وذوات الاحتياجات الخاصة اختبارا حقيقيا لمدى التزام الدولة بالعدالة الاجتماعية. فبدون كسر حلقة الأمية والتمييز، سيبقى الهامش يتسع، وستبقى هذه النساء غائبات عن مستقبل يفترض أنه للجميع.