اخر الاخبار

تشهد كركوك وضعا صحيا وبيئيا حرجا مع تزايد حالات السرطان وانتشار النفايات الطبية الملوثة، حيث يستقبل مركز السرطان والدم يومياً عشرات المرضى، في حين يشكل دخان محرقة النفايات بحي الشورجة تهديدا مباشرا لصحة السكان والبيئة، ما يسلط الضوء على الحاجة الملحة لتحرك سريع وإيجاد حلول فعالة.

٢٨ الف مراجع خلال عام

وكشف مركز السرطان والدم في كركوك عن واقع صحي وبيئي مقلق، حيث استقبل المركز أكثر من 28 ألف مريض وزائر خلال عام 2024، فيما يراجع المركز يومياً ما بين 50 إلى 100 مريض لتلقي العلاج لأمراض السرطان ونقص المناعة، بالإضافة إلى عشرات آخرين لإجراء الفحوصات المختلفة.

أكد د. علي حسين، طبيب مختص في أمراض السرطان في المحافظة، أن الوضع الصحي والبيئي المرتبط بمركز السرطان بالمدينة أصبح أزمة حقيقية تهدد حياة المرضى والمواطنين على حد سواء.

 وقال حسين ان "المركز يستقبل يوميا العشرات لتلقي العلاج لأمراض السرطان ونقص المناعة، بالإضافة إلى عشرات آخرين لإجراء الفحوصات الطبية، والأعداد في تزايد مستمر.

واكد ان المبنى القديم لم يعد قادرا "على استيعاب هذا الضغط، بينما يواجه المبنى الجديد الذي تم إنشاؤه من قبل إدارة المحافظة والمتبرعين، تحديات كبيرة في توفير بيئة علاجية آمنة وصحية."

ونبه الى ان محرقة النفايات الطبية داخل ساحة المركز تشكل خطرا كبيرا، حيث ينبعث منها دخان أسود ملوث بالمواد المسرطنة، يتعرض له المرضى والاطباء بشكل مباشر قبل أي شخص آخر. هذه الانبعاثات لا تهدد المرضى فحسب، بل تؤثر أيضا على الهواء والماء والتربة والخضرة في المناطق المحيطة، ما يجعل الوضع البيئي في حي الشورجة والأحياء المجاورة خطيرا.

وطالب بإغلاق هذه المحرقة أو نقلها بعيدا عن المناطق السكنية والمركز الطبي، الى جانب تطبيق أنظمة حديثة لمعالجة النفايات الطبية بشكل يقلل من المخاطر الصحية والبيئية.

وشدد على ان التأخير في اتخاذ الإجراءات يزيد من معاناة المرضى ويضع حياة السكان في خطر مباشر، ويجب أن تكون هناك مسؤولية حكومية عاجلة وحازمة للتعامل مع هذا الملف قبل أن تتفاقم الكارثة.

حرق الغاز المصاحب  أبرز الأسباب

ويرسم مصطفى محمود، باحث في المجال البيئي، صورة مقلقة عن الواقع الصحي في كركوك، والاقضية التي يبلغ عددها ١٦ قضاءً، يحتوي كلّ منها على ٣ نواح، حيث تؤشر الإحصائيات الأولية نحو ٣٠٠٠ حالة سرطان و١٤٠٠ حالة ثلاسيميا خلال العام الجاري.

ويوضح محمود لـ"طريق الشعب"، أن محارق المستشفيات لا تنتهي عند مواقع جمع النفايات. ففي مستشفى كركوك الجمهوري - وهو مبنى قديم يعود لحقبة الملكية - لا تزال عملية حرق النفايات تُجرى بطرق بدائية، تنبعث منها روائح خانقة وكميات من غاز ثنائي أكسيد الكربون وغيره من الملوثات، في وقت يشكو السكان القريبون من تأثيراتها المباشرة على صحتهم.

وتعاني المدينة كذلك من سوء إدارة مواقع نقل النفايات؛ إذ توجد محطتان لجمعها، إحداهما خارج المحافظة، والأخرى داخلها في الجهة الجنوبية الشرقية قرب مبنى المحافظة الجديد، ما انعكس سلباً على أسعار العقارات في المناطق المجاورة، وأثار احتجاجات متكررة للسكان للمطالبة بنقلها. كما أن موقعا آخر قرب منطقة واحد أذار يشهد، بحسب محمود، ممارسات غير قانونية لحرق النفايات ليلاً، ما يزيد من تلوث الهواء ويضاعف المخاطر الصحية.

وفي ما يتعلق بتوزيع الإصابات، يؤكد محمود أن أعلى نسب الإصابة بالسرطان تسجل في المناطق الكردية شمال شرقي وشمال مركز كركوك، وهي مناطق تضم تجمعات سكنية متجاوزة وقريبة من حقول إنتاج النفط.

ويشير إلى أن عملية حرق الغاز المصاحب أحد أبرز أسباب التلوث الممتد في هذه الأحياء.

ويضيف أن بعض المناطق الأخرى تشهد ارتفاعا واضحا في الإصابات، مثل ناحية تازة الذي تعرض خلال معارك داعش إلى تلوث بيئي خطير، فضلًا عن تعرض قرية البكارة لقصف بصاروخ هولندي سقط على بُعد ثلاثة إلى أربعة كيلومترات فقط من المنطقة الصناعية، ما تسبب بزيادة لافتة في الحالات.

ويقول إن التقديرات المحلية تتحدث عن تسجيل ما بين 20 إلى 50 حالة في تلك القرى، وهي نسب مرتفعة قياس بحجمها السكاني.

ويوضح أن مستشفى السرطان كان مركز شرطة سابقاً تم تحويله إلى مكان متخصص لعلاج المرضى، إلا أنه لا يزال بعيداً عن المستوى المطلوب ولا يستوعب الأعداد الحالية.

ويذكر محمود أن أسعار الأدوية خارج المستشفى مرتفعة جداً، فيما تحتوي المحافظة على مستشفيين عاملين ومستشفى ثالث لم يُستكمل بعد.

ضعف البنية التحتية!

فيما يشير الخبير البيئي والمناخي د. الاستشاري محمد خضر الجبوري إلى أن النفايات الطبية تمثل أحد أبرز التحديات البيئية والصحية في العراق، حيث تتزايد بشكل مستمر نتيجة ارتفاع أعداد المستشفيات والمراكز الصحية، مقابل ضعف قدرات الإدارة البيئية.

ويؤكد الجبوري أن هذه النفايات، إذا لم تُعالج بطرق صحيحة، يمكن أن تلحق أضرارًا جسيمة بالإنسان والبيئة على حد سواء، كونها تحتوي على مواد ملوثة بيولوجيًا وكيميائيًا.

ويعرف الجبوري لـ"طريق الشعب"، النفايات الطبية بأنها كل ما ينتج عن الأنشطة الصحية من أدوات حادة ومواد ملوثة بالدم وسوائل الجسم، إضافة إلى المحاليل الكيميائية والمستحضرات الصيدلانية المنتهية الصلاحية.

 ويشير إلى أن التعامل غير السليم معها يشكل خطرًا مباشرًا على صحة الإنسان، إذ يمكن أن تنقل أمراضًا معدية مثل التهاب الكبد الفيروسي والإيدز، فيما يؤدي التخلص العشوائي منها إلى تلوث الهواء والمياه والتربة.

ويضيف أن حرق هذه النفايات بطرق غير صحيحة أو دفنها دون معالجة يؤدي إلى انبعاث مواد سامة مثل الديوكسينات والفورانات، وهي مواد مسرطنة تؤثر على صحة الإنسان على المدى الطويل، كما يمكن أن تتسرب المواد الكيميائية والمعادن الثقيلة إلى المياه الجوفية أو الأراضي الزراعية، ما يضر بالنظام البيئي وسلامة الغذاء والمياه.

وحول واقع إدارة النفايات الطبية في العراق، يؤكد الجبوري ضعف البنية التحتية والتقنيات المستخدمة في الجمع والنقل والمعالجة، موضحًا أن العديد من المستشفيات تخلط النفايات الطبية مع غيرها لعدم وجود نظام فرز فعال، بينما تتم عمليات النقل أحيانًا دون وسائل أمان كافية. أما الحرق فيجري غالبًا في محارق بدائية لا تحقق درجات الحرارة المطلوبة، ما يؤدي إلى انبعاث غازات سامة ومركبات ضارة.

ويشير الجبوري إلى أن الرقابة الحكومية ضعيفة رغم وجود تشريعات مثل قانون إدارة النفايات الطبية الصادر عام 2015، كما أن قلة التدريب والوعي لدى العاملين في المؤسسات الصحية تزيد من تفاقم المشكلة. وفي محافظة كركوك، لم تحصل جميع محارق المستشفيات الطبية على الموافقات البيئية ولم تخضع لإجراءات قانونية، إذ يتطلب القانون أن تكون المحارق بعيدة عن المناطق السكنية، إضافة إلى التحكم في الانبعاثات الغازية السامة.

ويقول الجبوري أن التأثيرات الصحية والبيئية للنفايات الطبية واسعة، حيث تؤدي إلى انتشار الأمراض المعدية بين العاملين في المستشفيات وعمال النظافة وسكان المناطق القريبة، كما تتسبب في تلوث التربة والمياه، ما يضر بالمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، ويزيد من أمراض الجهاز التنفسي والحساسية بين السكان. 

أسباب تفاقم المشكلة

ويؤكد أن تفاقم هذه المشكلة يعزى إلى ضعف البنية التحتية، نقص الموارد المالية، غياب التقنيات الحديثة، وضعف الرقابة الحكومية، إلى جانب الظروف الأمنية والسياسية التي أعاقت تطوير أنظمة فعالة، فيما يساهم ضعف التدريب والتوعية لدى العاملين والمجتمع في زيادة المخاطر.

وأشار الجبوري إلى أن وزارة الصحة، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بدأت بتنفيذ مشاريع لتحسين إدارة النفايات الطبية، تضمنت تجهيز بعض المستشفيات بأجهزة تعقيم متطورة وإنشاء محطات معالجة، إضافة إلى حملات توعية وتدريب للكوادر الصحية. غير أن هذه الجهود تبقى محدودة مقارنة بحجم المشكلة، وتحتاج إلى دعم مالي وتقني أكبر لتغطية جميع المحافظات.

ويختتم الجبوري بالقول إن مواجهة خطر النفايات الطبية تتطلب نهجًا متكاملًا يشمل فرز النفايات في المصدر، تدريب الكوادر، تطوير منظومة النقل والمعالجة باستخدام تقنيات صديقة للبيئة، تفعيل القوانين، وتشديد الرقابة على المستشفيات والمراكز الصحية، إلى جانب تعزيز التعاون بين المؤسسات والمجتمع المحلي لنشر الوعي.

ويخلص إلى أن الإدارة السليمة للنفايات الطبية ليست مجرد واجب بيئي، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية لحماية الأجيال الحالية والمستقبلية من مخاطر التلوث والأمراض.