بات الخراب الشامل الذي يعيشه العراق دافعاً لتشكيك العديد من أبناء شعبنا بقدرة النظام الديمقراطي التعددي على ضمان الحريات، وتحقيق تنمية إنتاجية مستقلة، في بلد يكتنز الكثير من الثروات الطبيعة، وله من الموارد البشرية ما تحلم به دول مختلفة.
وقبل تفكيك هذه الأحجية، لابد من الإشارة إلى أن بلادنا، التي يشكل النفط 53 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي و88 في المائة من الإيرادات الحكومية، ويعيش خمس سكانها تحت خط الفقر، وتتجاوز البطالة فيها 17 في المائة، وتشكل العمالة غير الرسمية 67 في المائة من إجمالي العاملين، تعيش فجوة مخيفة بين ما يصل الدولة من ريع وبين قدرتها على تحقيق دخل متجدد يوفر فرص عمل مستقرة، وبين وجود دستور ديمقراطي وتعددية حزبية من جهة، وغياب تداول سلمي حقيقي للسلطة من جهة مقابلة.
إن سلسلة التحديات التي يواجهها النظام، والمرتبطة بهذه الفجوة، مثل ضعف التنويع الاقتصادي، والفساد، والبطالة، وتراجع كفاءة الخدمات العامة، وتهميش الرقابة على السلطات، وغياب المشاركة الشعبية في صنع القرار، هي نتيجة طبيعية لاحتكار الطغمة الحاكمة للريع النفطي واستغلاله في تمويل الإنفاق التشغيلي الاستهلاكي، بدلاً من استثماره في تحقيق تنمية مستدامة، عبر تطوير البنية التحتية والتعليم التقني والصناعات التحويلية والزراعة الحديثة وشبكات النقل والكهرباء والتمويل، وتحسين القدرة التصديرية، وضمان استقلال قطاعات واسعة من المجتمع عن الدولة.
وكما أدى ذلك إلى تداخل النفوذ السياسي مع الموارد الاقتصادية، وهيمنة أنماط من التراكم المرتبطة بالإنفاق العام والعقود الحكومية وواردات النفط، فقد قلّص المنافسة السياسية القائمة على برامج اقتصادية واجتماعية، وعزّز الصراع بين الطغم، المتشظية هوياتياً، على إدارة الريع وتوزيعه، حتى بات إهمال مصالح البلاد والعباد أمراً "مقبولاً"، وتحولت الانتخابات إلى وسيلة لتغيير حصص هذه الطغم أو استبدالها بطغم جديدة من دون أن يؤدي هذا الاستبدال إلى تغيير نمط التراكم أو إعادة هيكلة الاقتصاد.
وأفضى الإحباط من تغيير قواعد توزيع الريع، إلى جانب التوسع الدراماتيكي في الإنفاق التشغيلي، إلى تحويل الوظيفة الحكومية والحصول على الخدمات لأداتين أرست بهما الأوليغارشية قواعد بناء شبكات الولاء، مستفيدة من هذا التبادل غير المتكافيء للمنافع بين أطراف تمتلك موارد أو نفوذًا سياسياً، وأطراف تسعى إلى الحصول على الحماية أو الخدمات أو العمل. ونجحت في بناء أوسع قواعد اجتماعية مؤيدة لها، مشوّهة العلاقة الطبيعية بين المواطن والدولة، التي يُفترض أن تقوم على الحقوق والواجبات، وموجّهة ضربة كبيرة لجوهر الديمقراطية، الذي لا يقتصر على حق التصويت والترشح، بل يتجلى في قدرة المواطنين على تنظيم مصالحهم، والوصول العادل إلى الخدمات، والتأثير في القرارات التي تحدد ظروف حياتهم. كما أضعف انتشار شبكات الولاء، الحوافز لبناء تنظيمات تطالب بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بعد أن أصبح الوصول الفردي إلى المسؤول أكثر نفعًا من العمل الجماعي المنظم.
ورغم عدم إغفال دور الاستقطاب الطائفي والأثني في تعزيز شبكات الولاء وتعبئة الناخبين، فإن ديمومة ذلك تبقي مرتبطة بالهيمنة على توزيع الريع، لاسيما بعد أن أدرك الجميع أن الإدعاء بتمثيل "المكّون"، ليس سوى تبرير لخطط توزيع المنافع بين المدّعين تمثيل المكونات، أو بين المتنافسين داخل "المكّون" الواحد.
وهكذا يبقى تفسير فشل التحول الديمقراطي في بلادنا بتغّول الفساد وضعف المؤسسات والاستقطابات الطائفية قاصراً، فالأزمة ليست إجرائية، ولا يمكن تجاوزها بتداول الوجوه، بل بتفكيك تحالف السلطة والريع، وتحرير المجتمع من علاقات التبعية، وبناء قوى اجتماعية منظّمة قادرة على انتزاع التغيير.