العربي الجديد
ركوناً إلى النفط وعائداته، لا تلقي الدولة في العراق بالاً لمواردها الهائلة، وعلى رأسها الفوسفات الذي تحتل بغداد المرتبة الثانية عالمياً بعد المغرب في احتياطاته والكبريت الذي تتصدر مخزوناته، ليتفاقم نزيف موارد البلاد.
- بعد توقف صخب آلات الحفر في منجم عكاشات بمحافظة الأنبار، غربي البلاد، جراء سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) على المنطقة في مطلع عام 2014، غادر العراقي أكرم شيحان قسرا إلى إقليم كردستان، لتنتهي بذلك مسيرته العملية ومعه موظفو وعمال الشركة العامة للفوسفات (حكومية)، وعددهم ألفا شخص، ومن بعدها توقف إنتاج الفوسفات حتى اليوم.
ورغم محدودية الإنتاج السنوي قبل سيطرة "داعش"، إلا أنه كان أفضل على قلته، كما يقول شيحان. ومن باب خبرته في الشركة التي يعمل فيها منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، يؤكد أن كميات الإنتاج تراجعت سنويا خلال الأعوام بين 2003 و2013 بنسبة 75%. علما أن متوسط حجم الإنتاج السنوي حتى بداية عام 2000 كان بحدود مليون طن، وفق إفادة مسؤول بوزارة الصناعة والمعادن (رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث للإعلام)، مشيراً إلى أن خسائر العراق جراء تراجع ثم توقف الإنتاج بين الأعوام 2003 و2025 تقدر بملياري دولار أميركي.
أما إنتاج الكبريت، فقد توقف أيضا بعد تعرض مجمع التعدين والمعالجة في منطقة المشراق، جنوب محافظة الموصل، شمالي العراق، لحريق في عام 2003، بحسب دراسة "تلوث صناعة التعدين بمحطة تنقية الكبريت في المشراق" للدكتورة جذوة عبد الكريم إبراهيم، الأستاذة بكلية الهندسة في جامعة بغداد، وهو ما يؤكده المهندس السابق بهيئة المسح الجيولوجي العراقية عباس محسن، موضحا أن تنظيم داعش أحرق مصنع الكبريت بالموصل في عام 2016، قائلا لـ"العربي الجديد": "كان حجم الإنتاج السنوي للكبريت من سبعينيات القرن الماضي حتى نهاية عام 2002 بحدود 1.5 مليون طن سنويا"، وهو ما يؤكده المسؤول في وزارة الصناعة العراقية.
إحجام حكومي عن الاستثمار
يحتل العراق المرتبة الثانية عالميا بعد المغرب في حجم احتياطي الفوسفات، الذي يصل إلى 10 مليارات طن، بينما يصل احتياطي الكبريت الرسوبي إلى 600 مليون طن، ما يضع بغداد في المركز الأول عالميا، فضلا عن 350 مليون طن من رمال السليكا عالية النقاء، وثمانية مليارات طن من تكوينات الحجر الجيري، وفق بيانات منصة "Discovery Alert" (مستقلة متخصصة بأخبار التعدين والطاقة).
يحتل العراق المرتبة الثانية عالمياً بعد المغرب في حجم احتياطي الفوسفات
لكن الغريب في الأمر هو عدم الاستفادة من هذه الثروات، كما يقول شيحان، فإنتاج الفوسفات متوقف منذ دحر تنظيم "داعش" في ديسمبر/ كانون الأول 2017، في ظل سيطرة الحشد الشعبي على المنطقة، بما في ذلك مجمع سكن عمال وموظفي شركة الفوسفات. ويتابع: "صحيح أن البنية التحتية للشركة تعرضت لأضرار نتيجة المواجهات مع داعش، لكن المشكلة تكمن في عدم إصلاحها حتى اليوم"، مضيفاً أن هذا الوضع ينطبق أيضاً على مجمع معالجة الكبريت الكائن بالمنطقة.
ويُضاف إلى ذلك تدهور الوضع الأمني في البلاد وشُح المخصصات السنوية لوزارة الصناعة والمعادن، إذ لا تتجاوز منذ عام 2003 نسبة 1% من إجمالي الموازنة السنوية للدولة، والتي قُدرت عام 2004 بـ13.5 مليار دولار أميركي، بينما بلغت 211 تريليون دينار عراقي (قرابة 161 مليار دولار أميركي) في عام 2024، بحسب توضيح الدكتور صفوان قصي، أستاذ علوم المحاسبة المالية في جامعة بغداد، الذي أضاف لـ"العربي الجديد" :"هذه النسبة القليلة لا يمكنها النهوض بواقع التعدين في البلاد".
إهمال القوانين
"تتمثل المشكلة الكبرى في القصور التشريعي غير المواكب لمتطلبات نشاط الاستثمار المعدني، بما يعيق المجال أمام القطاع الخاص"، حسبما يرى الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي، مضيفاً في حديث لـ"العربي الجديد" أن الثروة المعدنية بحاجة إلى تشريع جديد بديل عن "قانون تنظيم الاستثمار المعدني رقم 91 لعام 1988"، وكذلك إلى هيئة وطنية مختصة بإدارة الثروات، بالإضافة إلى ربط المناجم بصناعات أخرى كالأسمدة.
ليس هذا فحسب، إذ فشل العراق على مدى عقدين في إطلاق جولة واحدة لمنح تراخيص تعدين محمية قانونيا لإنقاذ الفوسفات والكبريت من الإهمال، رغم أنه أطلق أربع جولات تراخيص عملاقة في قطاع النفط جذبت كبريات شركات العالم، حسبما يرصد أستاذ استراتيجيات النفط والطاقة في جامعة جيهان بمدينة أربيل كوفند شيرواني. والسبب، كما يقول الهاشمي، أن النفط هو المورد الأساسي للدولة تاريخيا، لذا فهو محمي بتشريعات ومؤسسات واهتمام سياسي.
وكانت لجنة الاقتصاد والصناعة والتجارة في البرلمان العراقي قد قدمت مسودة مشروع قانون الاستثمار المعدني في عام 2020، لكنه لم ير النور نتيجة غياب التوافق حول آليات إدارة الموارد الطبيعية وتوزيع عائداتها بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، حسب كاظم الفياض، النائب السابق في لجنة الاقتصاد والصناعة والتجارة بالبرلمان عن حركة "امتداد" (لاطائفية ولاقومية ولاعنصرية)، موضحا لـ"العربي الجديد" أن مجلس النواب الحالي أنهى في جلسته الثالثة عشرة في 26 أغسطس/آب 2026 القراءة الأولى لمشروع قانون الاستثمار المعدني، المقدم من لجان الاستثمار والتنمية، والاقتصاد والصناعة والتجارة، والمالية.
وبعد هذه الخطوة تأتي مرحلة التصويت على مشروع القانون لإقراره أو رفضه، بحسب عضو لجنة الاقتصاد والصناعة والتجارة النيابية صفاء الجابري، عن كتلة "الصادقون" (ائتلاف سياسي)، الذي يعزو عدم قراءة مشروع قانون الاستثمار المعدني في الفترة الماضية إلى انشغال مجلس النواب الحالي بالتصويت على الحكومة واختيار الوزراء وكبار المسؤولين، مضيفاً في حديث لـ"العربي الجديد": "وجدنا عدداً هائلاً من القوانين المرحّلة من الدورات السابقة، من بينها قانون الاستثمار المعدني".
عمليا، يكتفي العراق بتصدير النفط الذي يُعد مصدرا لـ 95% من إيرادات الدولة، دونما اعتبار لقيمة الثروة المعدنية المهملة، بحسب الدكتور شيرواني، الذي أوضح أن الاعتماد شبه الكامل على النفط يؤدي إلى خلل هيكلي، علاوة على أن تقليل الاعتماد عليه يقي البلاد من تقلبات الأسواق.
ويتضح حجم الخسارة في كون العراق "يحتل المرتبة التاسعة ضمن أغنى عشر دول في العالم من حيث الموارد الطبيعية، إذ تُقدّر ثرواته من المعادن الطبيعية بنحو 16 تريليون دولار"، وفق تقديرات أولية تضمنها تقرير صادر عن "مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية" (غير حكومي) في الخامس من يناير/ كانون الثاني 2026، بعنوان: "المعادن المهدورة: العراق وإشكالية فرص الاستثمار في الجغرافيا المكانية للمعادن النادرة".
هذا الرافد الاقتصادي المهمل يُقر به وزير الصناعة والمعادن الأسبق منهل الخباز، لكنه يقول لـ"العربي الجديد" إن الشركة العامة للفوسفات أعلنت في 20 أغسطس/آب 2025 عن تسليم موقع منجم خامات الفوسفات في منطقة عكاشات إلى ائتلاف شركتي "أساس الهندسة للتجارة والمقاولات العامة" و"شرق الصين لتقنيات وعلوم الهندسة"، المُحال إليهما تنفيذ مشروع إنشاء وتشغيل معامل جديدة متكاملة لإنتاج الأسمدة الفوسفاتية في قضاء القائم بمحافظة الأنبار، بطاقة إنتاجية تبلغ مليونا و500 ألف طن، مضيفا أن وزارة الصناعة أطلقت في إبريل/ نيسان 2025 مشروع تطوير خط إنتاج الكبريت المصفى في حقل المشراق (1) بطاقة إنتاجية تبلغ مليوناً و500 ألف طن سنويا.
لكن الدكتور شيرواني يقول إن عدم التوسع في إفساح المجال لشركات أخرى يُؤشر إلى هدر مؤسسي للفرص، واستمرار للمنظومة السابقة بالأساليب ذاتها التي لم تثمر حتى اليوم أي تطوير كمّي أو كيفي.
وحتى اليوم لا يرى العامل في شركة الفوسفات العامة أكرم شيحان أي بادرة أمل لعودة إنتاج الفوسفات إلى سابق عهده، أو رجوعه إلى عمله الذي كان يباشره بفحص الآلات قبل أعمال الحفر في المنجم، ثم شحن ما يستخرج ونقله إلى كسارات تفتيت الصخور الكبيرة، ثم إعداد المنتج للتصنيع والتصدير.
تبعات فشل الدولة
رافق توقف إنتاج الفوسفات في عكاشات تشرد عمال الشركة، كما يقول شيحان، الذي عاد إلى محافظة الأنبار أخيرا دون أن يتمكن هو وزملائه من الاستقرار في منازلهم، في ظل سيطرة الحشد الشعبي على المنطقة. وهو ما تؤكده المذكرة رقم (23) الموجهة من مجلس محافظة الأنبار إلى المحافظ في 24 مايو/ أيار 2026، والتي أشار فيها إلى أن "هيئة الحشد الشعبي (قاطع عمليات الأنبار) أعلمت مجلس المحافظة بإمكانية تسليم الدور البالغ عددها 272 منزلاً، واتخاذ الإجراءات الأصولية اللازمة بشأنها".
لكن ذلك لم يحدث حتى اليوم، بحسب شيحان، الذي يذهب بنهاية كل شهر إلى مدينة الرمادي بمحافظة الأنبار لاستلام راتبه، دون أي حوافز أخرى كان يحصل عليها خلال عمله في الشركة، "لذا أعمل حاليا سائق تاكسي للوفاء بالتزاماتي تجاه أسرتي"، يقول الرجل، مضيفا أن اللامبالاة وعدم جدية الدولة في الاستفادة من ثرواتها يُبقيان الوضع على حاله، بما له من تأثيرات سلبية على القطاع الزراعي في العراق الذي تحول من بلد مُصدر إلى مستورد للأسمدة الفوسفاتية.
وهو ما يؤكده المهندس عباس محسن قائلا: "تستورد البلاد سنويا 600 ألف طن من الأسمدة الفوسفاتية، رغم أن هذا النوع كان يُنتج محليا ويحقق الاكتفاء الذاتي، بل وكان يصدر أيضا"، مضيفا أن قيمة الكمية المستوردة سنويا من الأسمدة الفوسفاتية تصل إلى 155 مليون دولار.
وهو ما يوافق عليه وزير الصناعة والمعادن الأسبق منهل الخباز، مشيرا إلى أن الطاقة التصميمية للمصانع المحلية يمكن أن تغطي كامل الحاجة المحلية من الأسمدة في حال إعادة الإنتاج، بدلا من الاعتماد على المنتجات المستوردة مرتفعة الكلفة، فكلما التهبت أسعارها عالميا بسبب أزمات الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز تتفاقم معاناة المزارعين، الأمر الذي ينعكس على أسعار المحاصيل، ومن ثم على القدرة الشرائية للمواطنين.