تحولت التوريدات المائية الى ازمة حقيقية يمر بها العراق، لأول مرة، الامر الذي يقرع أجراس الخطر، لتفزع الشرائح الاجتماعية الأكثر فقرا، بعد فشل استراتيجيات الحد من الفقر التي خططت لها وزارة التخطيط، وأصبح الامن الغذائي هو الأكثر عرضة للتهديد والاشد حراجة، خصوصا وان هذا الخطر قد تسارع بعد ان تقلصت الأراضي الزراعية الى النصف، وانخفض المخزون المائي الى حده الأدنى، بالإضافة الى تدهور سلاسل التوريد للحبوب والسلع الغذائية، بسبب الحروب التي نشبت في المنطقة، فماذا فعلت الدولة لمواجهة هذه الازمات؟
في حزيران من عام 2022 صوت مجلس النواب العراقي على مقترح قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية، الذي يهدف وفقا للأسباب الموجبة لتشريع القانون الى تحقيق الامن الغذائي وتخفيف حدة الفقر وتحقيق الاستقرار المالي والارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطنين ودفع عجلة التنمية، الامر الذي تطلب تخصيص 25 تريليون دينار لتحقيق اهداف القانون، توزع بين المحافظات الأكثر فقرا، وبين صندوق إعادة المناطق المتضررة من عمليات الإرهاب، وتعويض المتضررين من جراء العمليات الحربية والاخطاء العسكرية، وبين مؤسسة الشهداء ومؤسسة السجناء السياسيين وقيادة قوات الحدود ووزارة التجارة والبطاقة التموينية ومجالات أخرى. لكن ما يؤخذ على هذا القانون انه دمج بين تامين الغذاء وعملية التنمية التي لم تنفع معها الاستراتيجيات التنموية الخمسة التي وضعتها وزارة التخطيط، بالإضافة الى ان القانون شمل مجالات بعيدة عن مفهوم الامن الغذائي او حتى عملية التنمية المتحفظ عليها؛ اذ ان التوسع في القانون وضعه على عتبة انقضاض الفاسدين افرادا وأحزابا حاكمة، للاستحواذ على التخصيصات الكبيرة. وكان المفروض اقصار القانون على العوامل المؤثرة في تحقيق الامن الغذائي التي تتطلب تخصيص ما يقل عن نصف التخصيصات المقررة في القانون، فضلا عن ان ربط التنمية بالقانون كان خطيئة ما كان يجب الاقتراب منها، لأنها عملية تتطلب مئات المليارات فعلى سبيل المثال ان تكلفة انجاز المشاريع المعطلة المشمولة بالقانون والتي يزيد عددها على 6 الاف مشروع، تتطلب 100 مليار دولار، بالإضافة الى 100 مليار دولار تم انفاقها على هذه المشاريع.
غير ان إشكالية البحث في الامن الغذائي تتمثل بمجموعة من التحديات المتشابكة والمتداخلة، التي تعود بالأساس الى تدمير البنى التحتية بعد الاحتلال، وقد ظلت عقبة عجزت السياسات الاقتصادية عن تجاوزها، فضلا عن مشاكل الأرض القابلة للزراعة كالتملح والتصحر ومشاكل المياه التي تتطلب لوحدها معجزة من حيث النوع والكم، فضلا عن التلوث البيئي وانخفاض الاستثمارات، بسبب قلة التخصيصات في الموازنات السنوية وممارسات المؤسسات المتخصصة بالاستثمار والتي ينفر منها المستثمرون الأجانب، والتي تدوّر من حكومة الى أخرى. يضاف الى كل ذلك مشاكل سلاسل التوريد بسبب الحرب التي نشبت في الفترة الأخيرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وايران وحلفائها من جهة أخرى، وتداعيات ذلك على اقتصادات المنطقة، فضلا عن الاقتصاد الدولي بسبب الصراع كحصيلة لتك الحرب على مضيق هرمز.
ان معالجة إشكالية الامن الغذائي تتطلب إجراءات حكومية حاسمة نذكر من بينها ما ياتي:
1. إعطاء الأولوية للقطاع الحكومي للقيام باستثمارات كبيرة في البنية التحتية للقطاع الزراعي المتمثلة بتأهيل مشاريع الري والبزل وتنظيم الموارد المائية وصيانة التربة بهدف رفع معدلات الغلة الزراعية في الدونم الواحد.
2. تنشيط دور المصرف الزراعي لتامين القروض بفوائد ميسرة للفلاحين وفسح المجال للقطاع الخاص وتمكينه من الاستثمار في القطاع الزراعي النباتي والحيواني والاكثار من حقول الدواجن والاسماك، بما لا يؤثر على كمات المياه المتاحة وتوفير الخدمات البيطرية وتسهيل الإجراءات امام الاستثمارات الأجنبية والابتعاد عن اشكال العسكرة في القطاع الزراعي تحت أي مسمى.
3. مراجعة سياسات وزارة التجارة من حيث الاهتمام والمصداقية في تامين مفردات البطاقة التموينية وتخليصها من تشتت مفرداتها بين أشهر السنة، وتحسين نوعيتها وتعزيزها بمفردات أخرى تحد من عوز الطبقات الفقيرة والمهمشة، فضلا عن التشديد في مراقبة السوق من خلال منع الاحتكار وتامين الخزين الاستراتيجي للحبوب، تحسبا للازمات على المستوين الداخلي والخارجي.