ظهرت منتديات الشباب على الساحة العراقية في مطلع سبعينيات القرن الماضي، كتجربة جديدة لمحاكاة التجربة الاشتراكية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق، وقد انتشرت هذه التجربة وتواصل عطاؤها ونجاحها أعوام العقد السبعيني حتى منتصف الثمانينيات، حيث قدمت نفسها بقوة. وعند اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية، أصبحت إرادة الحرب هي السائدة، و"كل شيء من أجل المعركة".
هذه التجربة كانت لها إنجازات جيدة، وقدمت النموذج الحي للمؤسسات الشبابية التي تخدم قطاع الشباب، وتعبر عن غربة وإرادة الجيل الجديد في بناء جيل جديد يرغب بالتطلع نحو المستقبل بإرادة وطموح عالٍ؛ حيث غطت مديريات الشباب كل محافظات العراق ومدنه، وقدمت نشاطات متنوعة شملت الشباب من كلا الجنسين، دون تمييز، وقدمت لشبابنا تجارب وفعاليات ثقافية وأدبية وفنية. وبهذا الأسلوب، انتعشت حركة الشباب، ومارست فعالياتها وتجاربها وأدوارها بنجاح ملحوظ، حيث صنعت أبطالاً في الرياضة، ونجوماً في الفن، ومبدعين في الأدب والثقافة، وبرز العشرات من المبدعين والطاقات العلمية والكفاءات القادرة على تقديم نفسها كنماذج قادرة على تجاوز المألوف وتقديم العطاءات العلمية المتميزة. وقد صارت هذه المنتديات قبلة للجيل الشبابي، ومن خلالها انطلق الشباب للإبداع والتطور والنهوض في كل المجالات الحياتية.
لكن هذا الحال لم يعجب «الدكتاتور»، لأنه يريد ذاته ويبحث عن أمجاده، ولا يعطي للشعب المجال للانطلاق. وبهذا خسر الشباب المجالات الإبداعية التي صنعوها بتضحياتهم وإبداعاتهم، وهذا ما ضيع من أجيالنا الشابة الفرصة الذهبية ومجالات الإبداع والتقدم والنجاح. وكانت هذه الفرصة قد قدمت نفسها للشبيبة العراقية كنموذج جميل فيه كل شيء وعطاؤه لكل شيء.
اليوم تعاني هذه المراكز من الإهمال والتهالك والتجاوز بفعل الحروب المتعاقبة، وشح التمويل الحكومي، وضعف الصيانة الدورية، بل انعدامها، إضافة إلى القرارات المجحفة التي حولت الكثير منها إلى «مولات وفنادق ومحلات». الأمر المهم اليوم هو الحالة الاجتماعية التي يمر بها المجتمع العراقي، وهو يتطلب إجراءات وسياسات تساهم في إصلاح الحال. وهذا يتم من خلال إشراك القطاع الخاص للإشراف والإدامة، وتسهيل عمل هذه المؤسسات، ومنها المسابح، وتأجير القاعات والساحات والملاعب، بغية توفير مصادر لإدامتها وتخفيف الأعباء المادية عن الدولة، اعتماداً على الواردات التي تحققها الساحات والملاعب والمسابح وغيرها.
إن هذه الخطوات ستساهم في إحياء الواقع الرياضي والنشاط الفني والأدبي، وإدخال الفعاليات المهمة والتوجهات الحديثة للشبيبة، وزجهم في الفعاليات الأساسية التي تخدم حركة الشباب، وتبعدهم عن العلاقات المشبوهة، وإشعارهم بالمسؤولية، وتوجيههم نحو التجارب النافعة، وخلق الحافز الوطني لديهم، والمساهمة في إبعادهم عن الرذيلة والضياع.
وهنا يجب توفير ملاكات تدريبية وفنية تحسن التطبيق العملي، وتؤدي واجباتها بكل كفاءة واقتدار، لتعيد لهذه المنتديات الشبابية دورها الفاعل في الحياة العامة، وأن تكون هذه المؤسسة الشبابية هي للشباب ومن أجلهم.