يفشل التنقل بين الإنكار والاعتراف بكون البلاد تواجه أزمة مالية حادة وعجزا حقيقيا، في الوفاء بالالتزامات الأساسية للدولة، ناهيكم عما يتوجب عليها اطلاقه من مشاريع، واستكمال القائم منها.
فبعد التأكيدات ان رواتب الموظفين والمتقاعدين وذوي الرعاية الاجتماعية مؤمّنة ولا موجب للقلق بشأنها، أقرّ أكثر من مصدر حكومي بوجود صعوبات جديدة في توفيرها في الفترة المقبلة. بل اننا نلمس ذلك الآن بالنسبة لرواتب آب 2026، سواء لجهة التأخير الحاصل في مواعيدها، او في صرفها على دفعات تبعا لنجاح وزارة المالية في تدبير أموال، تبقى في كل الأحوال شحيحة بالقياس الى المطلوب. فالحديث يدور هنا عن الحاجة الى حوالي عشرة تريليونات دينار شهريا، فيما لا تزيد عائدات النفط اليوم عن ربع هذا المبلغ.
ولا ادلّ على الأزمة الحالية من مسارعة وزير المالية الى الطلب من مجلس النواب استقباله، حاملا معه ربما، حسب تسريبات، حزمة إجراءات تقشفية مقترحة، لا شك - والكتاب يقرأ من عنوانه كما يقال - في ان أحلاها مرّ بالنسبة للمواطنين، خاصة أصحاب الدخول المحدودة، ومن يوصلون الليل بالنهار لتأمين لقمة عيش عوائلهم.
ويشاء سوء الحظ ان يترافق ذلك مع أزمة كهرباء خانقة وسط قيظ لاهب تفوق حرارته طاقة البشر على التحمل، فيما الحكومة منشغلة بالبحث عن مصادر لإدامة تجهيز الغاز للمولدات الخطأ التي تم استيرادها. لكن هذه الجهود المتأخرة والمبعثرة ظلت تصطدم بعقبات جدية، داخلية وخارجية، ومنها جيو سياسية. وفي سياقها وكما اُعلن، جاء الفيتو الأمريكي على صفقة الغاز التركمانستاني، فأفشلها في المهد.
من جانب اخر ولسد العجز المتزايد في عائدات تصدير النفط الخام (التي تؤمّن أكثر من ٩٠ في المائة من واردات الدولة) ازدادت "توسلات" الجانب العراقي لإيران ان تسهّل مرور النفط العراقي عبر مضيق هرمز. انما ليس هناك حتى الآن، كما يبدو، سوى الوعود والتذرع بان طهران لا تريد اسقاط ورقة مضيق هرمز في رفع تكلفة الحرب الامريكية - الإسرائيلية عليها، وفي استخدامها كوسيلة ضغط في المفاوضات!
لقد تضررت بلدان عديدة في المنطقة، بما فيها إيران، وبدرجات متفاوتة، من الحرب الدائرة والصراعات المرتبطة بها، ولكن يبدو ان العراق يدفع فاتورة عالية جدا، وليس هذا بمعزل عن مواقف وسياسات وحسابات ضيقة لأطراف داخلية، وعدم حصول التوافق الوطني ازاء قضايا الحرب والسلم.
وتتوجب الإشارة الى ان العجز عن تسديد الرواتب وغيره من المعضلات والتحديات، ليس وليد اليوم، وانما هو من النتائج التراكمية لأكثر من عقدين من السياسات الخاطئة، ولغياب حسن التخطيط والإدارة والاستثمار الأمثل للموارد، ولتفشي الفساد وزحفه على الأخضر واليابس، وهيمنة منظومة المحاصصة التي أدارت البلاد بعقلية تقاسم النفوذ والمغانم، وليس بناء دولة المؤسسات وتنمية المال العام والانطلاق على طريق التنمية المستدامة .
فهل كنا لنتوقع غير الذي يحصل الان، عندما يُهمل بناء اقتصاد متنوع، وتنمية الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات، وتأسيس صناديق سيادية تحمي البلاد ومواطنيها في أوقات الازمات، وإذ يجري تضخيم مؤسسات الدولة عبر التوظيف غير المدروس والزبائني، على حساب بناء مشاريع استثمارية حقيقية، توفر فرص عمل، خاصة للخريجين والشباب، وتدر موارد للدولة.
وما العمل الآن في ظل هذه "الورطة"؟
بالقطع ليس المطلوب البحث عن مسكنات مؤقتة، على أهميتها راهنا. لكن لا يفترض ان تكون على حساب المواطنين، خاصة الفقراء وذوو الدخول المحدودة. انما يتوجب اتخاذ، إجراءات جادة وشجاعة، تعالج أسباب ومقدمات الازمة. فأي اصلاح حقيقي يراد المباشرة به، لا بد ان ينطلق من القطيعة التامة مع الفلسفة المتبعة حتى الآن في إدارة الدولة وبناء مؤسساتها، ومن إعادة الاعتبار لها ولهيبتها ولسيادة القانون وحفظ المال العام وتنمية موارده، ومن اعلاء شان المواطنة ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، بعيدا عن موبقات المحاصصة.
فهل تتوفر فعلا الإرادة السياسية للسير على هذا الطريق؟ هذا هو المحك، وهذا ما يتوجب ان تتحرك الناس المكتوية بتداعيات الازمات وحرائقها، لفرضه. وبعكسه سنشهد تكرارا للازمات بشكل او بآخر.