تواجِه الدولة العراقية، مع اكتمال مرحلة الانسحاب العسكري الأمريكي، اختباراً هو الأعقد لمفهوم السيادة الوطنية؛ ففي الوقت الذي طوت فيه بغداد وواشنطن صفحة التواجد العسكري الميداني، تظل الشرايين المالية الرئيسية المغذية للاقتصاد العراقي مكبلة بآلية إيداع عوائد النفط لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
ومع تمثيل الإيرادات النفطية نحو 90% من موازنة الدولة، تحول هذا الترتيب المالي التاريخي من غطاء لحماية الأموال العراقية إلى أداة نفوذ واستراتيجية ضغط أمريكية أشد قوة، تتيح للبيت الأبيض التحكم بصرامة في التدفقات النقدية واستخدام الدولار كبديل فعال للحضور العسكري لضبط سلوك بغداد وتوازناتها المعقدة مع إيران والفصائل المسلحة.
خطة عراقية متدرجة لبدائل "الفيدرالي"
كشفت مصادر خاصة لـ "إرم نيوز" عن كواليس حراك مكثف وغير معلن يجري حالياً داخل أروقة الحكومة العراقية والبنك المركزي العراقي، يهدف إلى وضع رؤية متكاملة للإفراج التدريجي عن عائدات النفط من مظلة التحكم المباشر لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، والبحث عن آليات مالية بديلة تعيد لبغداد جزءاً من استقلالها المالي.
وأفادت المصادر بأن النقاشات الفنية عالية المستوى شهدت طرح مقترحات لفتح حسابات سيادية جديدة ونقل جانب من العوائد إلى مؤسسات مالية وبنوك مركزية أخرى، في مقدمتها البنك المركزي الأوروبي ومؤسسات مالية رئيسية في شرق آسيا، إلى جانب إمكانية اعتماد سلة عملات متعددة تتيح تسوية نسبة تتراوح بين 15% و20% من مبيعات النفط بعملات أخرى كاليورو واليوان الصيني، مع إبقاء النسبة الأكبر بالدولار لضمان استقرار المعاملات الدولية.
وأوضحت المصادر الخاصة لـ"إرم نيوز"، أن هذا التوجه العراقي يصطدم بجملة من المخاطر الكبيرة والتحديات القانونية والمالية التي تجعل القرار محفوفاً بالمخاطر؛ وفي مقدمتها وجود ديون خارجية معلقة على العراق تُقدر بنحو 40 مليار دولار تعود لالتزامات وعقود قديمة.
وتخشى الحكومة العراقية أن يؤدي أي تحويل مفاجئ أو كامل للحسابات خارج نيويورك إلى رفع الحصانة عن الأموال العراقية وتعريضها لموجة من القضايا والدعاوى القضائية والحجز من قبل الدائنين الدوليين، فضلاً عن الخسائر الناجمة عن تقلبات أسعار الصرف وارتفاع تكاليف التحويل والقياس مقارنة بأسعار النفط المسعرة عالمياً بالدولار.
وأكدت المصادر أن واشنطن فرضت بالتزامن مع الحراك المالي العراقي شروطاً ومعايير رقابية صارمة للوصول إلى العملة الصعبة؛ حيث مارست ضغوطاً مكثفة أدت إلى إغلاق نافذة بيع العملة الأجنبية التقليدية (مزاد العملة) مع بداية عام 2025، وتكثيف التدقيق على المصارف الخاصة العراقي وشبكات الصرافة لمنع أي عمليات تهريب أو تدفقات مالية للمؤسسات والجهات الخاضعة للعقوبات الأمريكية، لا سيما المرتبطة بإيران والفصائل المسلحة.
هل تستبدل واشنطن الوجود العسكري بالسلاح المالي؟
في إطار القراءة الاستراتيجية لأبعاد هذا الملف، يرى أستاذ الاقتصاد الدكتور إدريس رمضان أن خروج الولايات المتحدة عسكرياً لا يعني إطلاقاً قطع علاقاتها الاقتصادية أو المالية مع بغداد، بل إن العلاقة بين الطرفين بصفتهم حلفاء ستظل قائمة وقوية، نظراً لأن شريان العملة الصعبة والدولار المتدفق للعراق مصدره الرئيسي هو الخزانة الأمريكية والبنك الفيدرالي.
ويوضح الدكتور إدريس رمضان أن هناك فارقاً جوهرياً بين استعادة العراق لسيادته العسكرية واكتساب سيادته المالية؛ إذ إن السيادة الحقيقية للدولة تتكامل بالسيادة العسكرية والمالية والاقتصادية معاً.
وبينما تحقق جانب من السيادة العسكرية بخروج القوات، لا تزال السيادة المالية والاقتصادية تحت خطوط الضغط والسيطرة الأمريكية الشديدة، وهو ما يقيد قدرة الحكومة العراقية على اتخاذ إجراءات مالية مستقلة أو تنفيذ إصلاحات هيكلية واسعة دون التنسيق والتفاهم مع الجانب الأمريكي.
ويكشف الخبير الاقتصادي الدكتور رمضان عن البعد السياسي والأمني العميق الشارط للسيادة المالية، مشيراً إلى وجود انطباع وقناعة راسخة لدى الإدارة الأمريكية بأن الحكومة العراقية ما زالت تخضع لنفوذ وضغوط أطراف خارجية، وفي مقدمتها إيران والجهات المؤيدة لها.
ولذلك، تضع واشنطن شروطاً مشددة أمام تسليم السيادة المالية الكاملة لبغداد، تتطلب إجراء مسح شامل وضبط للسلاح بتمكين الدولة، وحل الميليشيات والفصائل المسلحة، وقطع أي قنوات تمويل للمجموعات المسلحة أو التعاملات المالية التي تنتهك العقوبات مع إيران، وذلك لخوف الفيدرالي الأمريكي من استخدام أموال الدولار في دعم أطراف مناهضة أو تمويل أنشطة تصنفها واشنطن ضمن قوائم الإرهاب.
من جانبهم، يجمع خبراء ومحللون ماليون على أن الاستقلال المالي الناجز لا يتأتى بالصدمات أو القطيعة الفجائية مع النظام المالي الأمريكي، بل ينبغي أن يعتمد العراق استراتيجية قائمة على بناء نظام مصرفي متطور، وتوسيع شبكات المراسلة المباشرة مع البنوك العالمية الكبرى، وتنويع الحسابات السيادية تدريجياً لتقليل الانكشاف الكامل أمام أداة ضغط نقدية واحدة.
جدير بالذكر أن بغداد تقف اليوم أمام معادلة دقيقة يتشابك فيها خيار استعادة السيادة المالية مع متطلبات استقرار سوق الصرف وتجنب الصدام المالي مع واشنطن.
وبينما تسعى الحكومة للعثور على منافذ آمنة لتنويع حساباتها وإدارة إيرادات نفطها بمرونة أكبر، يظل السؤال المحوري قائماً: هل تتمكن الدولة العراقية من استكمال شروط بناء مؤسساتها المالية وتفكيك كوابح السلاح الموازي لنيل استقلالها المالي، أم أن شريان النفط الممتد إلى نيويورك سيظل الورقة الأكثر حساسية التي تضبط من خلالها واشنطن حدود الحركة السياسية والاقتصادية لبغداد؟