بدأت السلطات العراقية مراجعة عقود حكومية قائمة في وزارات النفط والكهرباء والصحة، ضمن تحرك يستهدف كشف الشركات والواجهات الاقتصادية المرتبطة بالفصائل المسلحة، بعد طلب أمريكي بتشديد الرقابة على وصول تلك الشبكات إلى أموال المشاريع الحكومية، وفق مصدر عراقي مطلع تحدث لـ"إرم نيوز".
وقال المصدر إن واشنطن أبلغت بغداد أن المطلوب لا يقتصر على منع شركات مرتبطة بالفصائل من الحصول على عقود جديدة، وإنما يشمل مراجعة عقود قائمة والتدقيق في المقاولين من الباطن والمستفيدين الفعليين منها، وصولاً إلى الحسابات والتحويلات المالية المرتبطة بها.
وتأتي الخطوة بالتزامن مع اكتمال الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، في تحول يجعل الاقتصاد والنفط والدولار ساحة رئيسة للضغط على الجماعات المسلحة الموالية لإيران.
من يملك العقد؟
بحسب المصدر، تتولى هيئة النزاهة الاتحادية، بالتنسيق مع البنك المركزي ووزارة التخطيط، جانباً من عمليات التدقيق وملاحقة عمليات غسل الأموال والواجهات التجارية.
ولا يعتمد التدقيق فقط على الاسم المسجل للشركة، بل يمتد إلى تحديد "المستفيد الحقيقي" وتعقب المقاولين الثانويين وسلاسل التوريد والتحويلات، للتأكد من عدم وصول أموال العقود الحكومية إلى فصيل خاضع للعقوبات عبر شركة لا تحمل اسمه.
وقال المصدر إن الجانب الأمريكي حذر أيضاً من إمكانية توسيع العقوبات لتشمل شركات ومصارف ومسؤولين يسهلون وصول الأموال إلى تلك الشبكات.
وتدعم الإجراءات الأمريكية الأخيرة هذا الاتجاه. ففي 10 سبتمبر/أيلول، استهدفت وزارة الخزانة ضمن عملية "المنبوذ الاقتصادي" قادة وشركات مرتبطة بكتائب حزب الله وشبكات داخل الحشد الشعبي، وقالت إن الكتائب تستفيد من نفوذها داخل هيئة الحشد ومن أكثر من 2.6 مليار دولار تخصصها الحكومة العراقية سنوياً للحشد.
نموذج "المهندس"
وتكشف العقوبات الأمريكية أن واشنطن تنظر إلى العقود الحكومية باعتبارها جزءاً من منظومة تمويل الفصائل، وليس ملفاً تجارياً منفصلاً.
ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، فرضت الخزانة عقوبات على "شركة المهندس العامة"، وقالت إنها خاضعة لسيطرة كتائب حزب الله عبر أبو فدك المحمداوي، واتهمتها باستخدام المقاولات من الباطن لتحويل أموال من العقود الحكومية إلى شبكات مرتبطة بالفصيل.
وفي مايو/أيار الماضي، توسعت العقوبات إلى قطاع النفط، عندما استهدفت واشنطن شخصيات وشركات قالت إنها استخدمت مشاريع وعقوداً حكومية واجهات لأنشطة مالية مرتبطة بعصائب أهل الحق، إلى جانب أربع شركات عراقية تعمل في قطاع النفط.
وكان "إرم نيوز" كشف في تقرير سابق عن لجوء شبكات مرتبطة بالفصائل، تحت ضغط العقوبات وحملة مكافحة الفساد، إلى إعادة ترتيب ملكيات شركات واستخدام مقاولين وواجهات تجارية أقل ظهوراً، وهو ما يجعل تتبع المستفيد النهائي محوراً أساسياً في التدقيق الجديد.
ويتقاطع الضغط الأمريكي مع حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها حكومة علي فالح الزيدي، وتوسعت لاحقا إلى ملفات داخل وزارات ومؤسسات تدير عقوداً بمبالغ ضخمة. ويقول المصدر إن الإدارة الأمريكية تقيم تأثير الحملة حتى الآن بأنه كان جيدا، وخاصةً لجهة اعتقال عدد من القيادات السياسية.
النفط يغادر العراق.. والدولار يمر بنيويورك
وتزداد أهمية الجبهة المالية بعد مغادرة آخر القوات الأمريكية قواعدها في العراق. فقد كشفت "رويترز"، في 30 سبتمبر/أيلول، أن عائدات النفط العراقية بالدولار لا تزال تُدار عبر حسابات مرتبطة بالبنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ما يبقي لواشنطن أداة مالية مؤثرة على بغداد حتى بعد انتهاء وجودها العسكري.
كما دخلت المصارف العراقية مرحلة أكثر تشدداً في تدقيق الحسابات، وخاصة بعد العقوبات الأمريكية على إيران، حيث دفعت إلى تشديد الرقابة على الفئات عالية المخاطر، بما فيها سياسيون وأقاربهم ومقربون منهم، للتحقق من مصادر الأموال ومنع مرور تحويلات يمكن أن تعرض النظام المالي العراقي للعقوبات.
الفصائل تتجه إلى الداخل
ويقدم الباحث العراقي علي حسين الخفاجي تفسيراً مباشراً لأهمية استهداف العقود الحكومية. إذ يرى أن تشديد العقوبات الأمريكية على المصارف والأفراد والشركات المرتبطة بالفصائل المسلحة لم ينه اقتصاد تلك الجماعات، بل دفعها إلى إعادة تشكيله وزيادة الاعتماد على مصادر الإيرادات المحلية وشبكات النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
وأشار الخفاجي إلى أن الفصائل وسعت حضورها في القطاعات الاقتصادية ذات الإيرادات المرتفعة، وأن حملة حكومة الزيدي استهدفت بالفعل شبكات مالية مرتبطة بقطاعات الفساد والمحسوبية، وبينها وزارتا النفط والكهرباء.
ويرى الخفاجي أن مواجهة هذا الاقتصاد لا تتحقق بقطع مصدر تمويل منفرد، بل بتفكيك البنية المؤسسية التي تسمح للفصائل بتحويل النفوذ السياسي والأمني إلى موارد اقتصادية.