(من يقترب من شجرة جيدة، يظله ظلها) تجسدت هذه الحكمة الاسبانية بما فعلته عائلة الأديب داود سلوم حين أفرغت جزءا من بيته بعد رحيله وجعلته مكتبة عامة في الكرادة الشرقية يؤمها من يعنى بالقراءة والاطلاع.
وفي لمسة الوفاء الرائعة هذه حرص أولاد وبنات الأديب على الحفاظ على منجز أبيهم من كتب تربو على المائة في النقد المقارن واللغة والشعر وغيرها، وعلى العشرات من البحوث العلمية، ساعين لعدم بعثرتها سواء عند الاستعارة أو البيع، ونزولا عند رغبة والدتهم في تخصيص غرفة كبيرة من البيت لتصبح قاعة مناسبة لعرض الكتب وتقديمها للباحثين وللقراء باعتبارها صدقة جارية على روحة، وتواصلا قيما لعطائه الفكري والعملي.
ووفق المبدأ نفسه حرصت الدكتورة بان وشقيقتها، بنتي الروائي الكبير عبد الخالق الركابي، على فتح مكتبة عامة كبيرة باسم (اطراس) في منطقة الداودي، جمعتا فيها كتبه، ساعيتين في الوقت نفسه إلى إثراء الوسط الثقافي بما يحتاجه من الكتب والنشاطات المعرفية من جلسات حوارية وفعاليات ثقافية، بعد ما اختارتا الاسم بناء على عنوان إحدى رواياته. "معنى (الاطراس) الورق القديم الذي يكتب عليه ويمحى لتعاد الكتابة عليه".
بتناول هذين النموذجين المضيئين لا نغفل في الوقت نفسه عن حيرة أبناء وبنات الراحلين من الأدباء والمثقفين ممن يمتلكون مكتبات معرفية فخمة لا يبغون التفريط بها سواء بالبيع أو الإهداء، وهم كثر، باحثين عن مكتبات أو أماكن أو متاحف تضم مكتبات آبائهم الفخمة التي تمكن الكثير من الباحثين والمعنيين من الإفادة منها.
فدار الكتب والوثائق الحكومية تعتذر عن ضمها إليها لعدم توفر المكان الكافي لها، وكذا الأمر بالنسبة للمركز الثقافي في المتنبي.
من جانب آخر، نجحت مساعي البعض في احتواء كتب من رحلوا مثل الكاتبة والأديبة ميسلون هادي التي أهدت كتب زوجها الراحل نجم عبد الله إلى مكتبة كلية اللغات، مثلما نجحت عائلة المترجم والأديب كاظم سعد الدين في إهداء كتبه إلى مكتبة الكاظمية العامة.
لكن ما زال الكثيرون في انتظار الفرصة والمكان المناسبين لضم الكتب القيمة لمن رحلوا من الأدباء والباحثين والأكاديميين. وللأسف كثيرا ما نعثر على كتب الراحلين من المثقفين مذيلة بإهداءات إلى الأصدقاء، مفروشة على أرصفة شارع المتنبي من دون أي اعتبار لأهميتها الكبيرة، مثلما ذهبت عبثا كل المطالبات بتوفير متاحف لكتب المثقفين من قبل الجهات المعنية حرصا على قيمتها الثقافية وخدمة للثقافة.