يقال "لا يُقاس الوفاء بما تراه أمام عينيك، بل بما يحدث وراء ظهرك". هذا القول تحقق فعليا بمبادرة تعد عملة نادرة في هذه الأيام الملتبسة بكل شيء تقريبا، وذلك من خلال ما حققته أخيرا الزميلة رجاء ابنة الزميل الصحفي الراحل حميد رشيد، حين عمدت إلى تجميع مذكرات العقيد الطيار حفظي عزيز، أحد مؤسسي القوة الجوية العراقية وأبرز رجالاتها ممن عاصروا لحظات تأسيسها وبناء قوتها الجوية.
وأصدرت رجاء الكتاب ودعتنا لحفل توقيعه بعنوان "طيار الملوك: العقيد الطيار حفظي عزيز 1927-1950".
الوفاء ومراعاة الجانب العائلي كانا وراء إصداره، فالكاتبة، زوجة حفيد حفظي معن القيماقجي الطيار أيضا، فضلا عن أهمية الموضوع لكونه شهادة حية وموثقة تسرد أحداثا من تاريخ العراقي العسكري حين أضاءت سماءه طائرات القوة الجوية العراقية أيام العهد الملكي، اعتمادا على توثيق الطيار نفسه للأحداث والوقائع بمذكرات من خط يده وبالآلة الكاتبة، إضافة إلى توفيره عددا هائلا من الصور الفوتوغرافية التي صورها بنفسه.
يسرد الكتاب سيرته كأول طيار حربي عراقي، ويشرح أصعب التحديات التي واجهها ، وتفاصيل رحلته من العراق الى إنجلترا ودراسته وتخصصه في الطيران الحربي في كلية ( كرانوال).
ويعرض تفاصيل لوثائق تاريخية وشخصية يتجاوز عمرها الـ98 عاما ، إذ خدم في القوة الجوية الملكية من عام 1927 حتى عام 1950، فكتب: "أفدت مع رفاقي المؤسسين الى انجلترا، وأكملنا سنوات تدريبنا، وعدنا بعد ذلك على متن طائرات "الجيسي موث" الانجليزية البسيطة المكشوفة ذات المقعدين التي كان ثمن الواحدة منها خمس مائة دينار ، وسرعتها ثمانين ميلا في الساعة. وكنا قد وضعنا مخزنا احتياطيا للبنزين في المقعد الخلفي، بدلا من الراكب الخلفي، لزيادة مدة الطيران في الجو، ومع ذلك استغرق وصولنا إلى بغداد أربعة عشر يوما .. لقد كان يوما أغر في تاريخ القوة الجوية يوم 22 من نيسان عام 1931، اليوم الذي هبطنا فيه في مطار الوشاش".
كما تفتح المذكرات نافذة مهمة على مرحلة من تاريخ العراق بما فيها من أحداث اجتماعية وسياسية وانقلابات وتبديل في الوزارات.
يتناول الجزء الثاني من الكتاب سيرته الشخصية وإتقانه الانجليزية والايطالية الى جانب شغفه بالتصوير الفوتوغرافي، وهوايته في النحت وحول مشغله الخاص في بيته. وكان بطلا في التنس والسباحة والملاكمة. ادخل درس الملاكمة في عدد من المدارس في بغداد ودرس فيها، الى جانب تأليفه سبعة عشر كتابا في مجالات عسكرية وتاريخية ومؤلفات في الملاكمة والتربية البدنية. فضلا عن توثيق بطولاته الثلاث في السباحة والتنس والملاكمة، ونيله الدرجة الثانية في انجلترا في العاب رمي الثقل والطفر العالي والسباحة والملاكمة للفترة بين 1928- 1936.
يشار إلى أن العقيد الطيار حفظي عزيز توفي في العام 1990.