اخر الاخبار

نصحني صديق قبل عقود، بقراءة كتابات مفكّر ذاع صيته حينها، فاقتنيت أحد كتبه، لكنني أعترف بأني لم أكمل قراءته، ربما لأن مفرداته استعصت على مداركي، ولربما خشيت أن تتأثر معارفي المتواضعة بلغته الصلدة شكلاً ومضمونًا. ومضت الأيام، وإذا بالأمريكيين يحتلون وطني ويقيمون به نظاماً توافقياً طائفياً نجح بتوطين الخراب الذي أسس له البعثفاشيون، فعدت لقراءة كتابات مهدي عامل، علّني أجد فيها ما يفسر لي بعضاً مما يجري.

ومهدي عامل، الذي مرت أمس الذكرى 39 لاستشهاده في بيروت على يد "مجهولين"، مفكّر ماركسي ومناضل شيوعي من جنوب لبنان، وأستاذ للفلسفة والسياسة والمنهجيات. مثقف عضوي أنتج الكثير عبر قراءته الدقيقة للواقع، وتفسيره ورسم مسارات تغييره. وهو من أبرز من أزاح الحجب الأخلاقية والدينية عن الطائفية السياسية، وبيّن علاقتها بالبنية الطبقية والاقتصادية للمجتمع، وعراها كأداة بيد البرجوازية المحلية، لطمس التناقضات الطبقية، وتقسيم المواطنين إلى جماعات متناحرة، وإيهامهم بأنهم ضمن كيانات مستقلة، ودفعهم للتخلي عن هويتهم الوطنية الجامعة لصالح الولاء لهويات فرعية، وتحجيم وعيهم بمصالحهم، ليتسنى لها إعادة إنتاج السيطرة الطبقية، ومنع انتصار مشروع يحقق الحرية والعدالة الاجتماعية.

وعلى ضوء قراءة ماركسية لنمط الإنتاج السائد، وجد عامل جذر المشكلة في دخول مجتمعاتنا إلى الرأسمالية عبر التبعية للمركز الإمبريالي، مما جعل الفكر البرجوازي فيها ضعيفاً وعاجزاً عن إنتاج برجوازية وطنية، فتم توظيفه لإعادة إنتاج التخلف، وصيانة علاقات ما قبل الرأسمالية، في ظل قانون الاستقطاب والتفاوت الدولي.

وبهذا تمكّن عامل من الكشف عن حقيقة الدولة الطائفية، باعتبارها الشكل التاريخي للنظام السياسي الذي تمارس فيه البرجوازية المتخلفة سيطرتها، وتحافظ فيه على الاستغلال، وتوزيع النفوذ بين زعمائها، وحمايتهم من المساءلة من جهة، وإدامة التبعية للنظام الرأسمالي العالمي من جهة مكملة. وفضح عامل بهذا الكشف الادعاءات البرجوازية التي أنكرت عملياً وجود شعب أو وطن، ورأت في الطائفة كيانا قائما بذاته، ليسهل عليها ربط ضحاياها من المستغَلّين بها، وتفتيت قواهم في الصراع الطبقي ضدها.

وأكد عامل أن الدولة الطائفية لا يمكن أن تكون الاّ تابعة، فقد لعب المستعمر دوراً رئيسياً في ترسيخ الانقسام الطائفي ودعم البنى السياسية التي تغذيه. وحين رحل، وفّر لهذه البنى فرص الهيمنة على الدولة المستقلة، كي يمنع من قيام مجتمع موحّد فيها ذي اقتصاد منتج ومستقل، ويؤبِّد حاجتها للحماية والدعم من الخارج والاستقواء به على "أعدائها" المحليين. ولهذا باتت هذه الدولة شديدة الارتباط بالرأسمالية العالمية، وعاجزة بنيويا عن التحرر، الذي لن يتحقق بدون تغيير البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تنتج الطائفية وتعيد إنتاجها.

ورغم إن بعض دارسي مهدي عامل وجدوا في تركيزه على البعد الطبقي تناسياً غير مبرر لجملة من العوامل الثقافية والتاريخية التي أثرت في التأسيس للطائفية، فإن كثيرين لا يجدون في هذا النقد مصداقية، لأن الرجل لم ينكر دور الاختلافات العقائدية والأحداث التاريخية في ظهور الانقسامات الطائفية وديمومتها، لكنه قام بتحليل الظاهرة في سياق توظيف البرجوازية لها، وإعادة تشكيلها وتجديدها. كما أولى أهمية خاصة لدور الثقافة الطائفية ومؤسساتها التعليمية والإعلامية، وتوظيفها للتاريخ والدين الطقوسي وعلاقات ما قبل الدولة (كالعشيرة) في إعادة إنتاج الهيمنة الطبقية. وجاء تركيزه على ما أسماه "الفكر اليومي" من شعوره العميق بخطورة الدور الأيديولوجي للطائفية، ذلك الذي يجعلها تتسرب بهدوء للعقول، وتمنعها عن إبصار الواقع وتحجب عنها البصيرة، فألزم نفسه بالنضال اليومي من أجل تفكيك هذه الأيديولوجيا، الأمر الذي أزعج الطغاة الظلاميين، فأمروا بقتله.