في اليوم الثاني من اعتقالي، في كركوك، جرى تجميعنا، في سجن الانضباط العسكري، وكنا بضعة عشرات من المعتقلين. حشرونا في شاحناتٍ مربوطين الى بعضنا، وحين تحرك الرتل همسَ لنا مهندس من شركة النفط قائلا: رفاق اصمدوا. يبدو انهم سيأخذوننا الى خارج المدينة لتصفيتنا.. بكى اثنان من المعتقلين.. وعندما شاهدا اننا لا نزال ثابتي الجنان، وربما لم يكن لنا من مفر غير ذلك، ونبتسم لمصيرنا، مسحا دموعهما، وانخرطا معنا في تجربة الصمود العجيبة.
عبرت الشاحنات نهر الزاب من فوق نقالة مُعلقة بحبال، تلوّح بها ريح شباط العاتية، وفي الجانب الثاني توقفتْ طويلا وسط صمت موحش، هو الصمت الذي يسبق المجازر المعروفة بالتاريخ.. كان مهندس النفط يعطينا جرعات متتالية من المعنويات لنواجه مصيرا مجهولا.. تحركت الشاحنات لجهة الجنوب.. عانق كل واحد منا شريكه في القيد. نمنا على اكتاف بعضنا كآلهات كنائس، ثم افقنا ساعات الصبح الاولى، بهلعٍ، على ضجيج وسماعات وهتافات في بلدةٍ بالطريق، كان ثمة صبية مسلحين يحتفلون بالانقلاب، لم نكن لنعرف من هي البلدة. القيت علينا الحجارة وقشور الفواكه وفضلات الاكل مع سيل من الشتائم والاهانات، وكانت الشاحنات تتوقف عند كل تجمعٍ من المحتفلين بالطريق، واعتلى بعض الصبية شاحنتنا وحاولوا سحب اقرب المعتقلين من الباب، غير اننا رمينا بما تبقى لنا من قوى الى جانبه وتمسكنا به ونجحنا في الاحتفاظ به في اول معركة اعتبرناها مشجعة للمقاومة.. ثم الى بغداد ومعتقل معسكر ابو غريب.. فجاءتنا اخبار الشهداء واحدا بعد الاخر.
*قالوا:
"إن لم يستقم دينُ محمدٍ إلا بقتلي فيا سيوف خذيني".
الحسين