حين يفقد الناس القدرة على تخيل مستقبل مختلف، يصبح الإحساس بتأجيل الغد، وتراكم الوعود التي طال انتظار تحقيقها، هو الخطر الأكبر. ففي العراق، لم تعد الأزمة حالة استثنائية يُنتظر تجاوزها، بل تفاقمت وتحولت إلى وضع شبه دائم. البطالة، ضعف الخدمات، أزمة السكن، وهشاشة سوق العمل، تكررت حتى تعمقت وبلغت مستويات مقلقة، ومع كل تأجيل يتآكل الأمل بحل قريب، ليحل محله شعور ثقيل بأن الانتظار بات السياسة الوحيدة المتاحة.
ويرتبط هذا الإحساس مباشرة بطريقة إدارة الزمن السياسي. فخرق التوقيتات الدستورية لا يعطل استحقاقاً بعينه، بل يعلق قرارات أساسية، من تشكيل الحكومة وإقرار الموازنة، إلى إطلاق السياسات الاقتصادية ومعالجة ملفات العمل والخدمات. وهكذا يتحول التأجيل الدستوري إلى تأجيل اجتماعي، ثم إلى قناعة عامة بأن المستقبل مؤجل إلى أجل غير معلوم.
والوقت هنا ليس عنصراً محايداً. فالزمن ليس واحداً، بل ثلاثة أزمنة متداخلة: زمن فيزيائي نعد أيامه وننظم عليه حياتنا، وزمن سياسي تحكمه المهل المؤجلة، وزمن اجتماعي يتشكل وفق حاجات الناس وحدود صبرهم. وحين يتباطأ الزمن السياسي ولا يستجيب لمتطلبات الزمن الاجتماعي، يبدأ هذا الأخير بالتسارع. سنوات الصبر الطويلة قد تنقلب في لحظة إلى أيام، حين لا يجد الناس من يصون كرامتهم أو يسهر على مصالحهم.
ويتجلى هذا الاختلال بوضوح عند الشباب، الذين يدفعون كلفة التأجيل مضاعفة. فهم لا ينتظرون التصريحات الباهتة، بل نتائج وعود الطغمة التي لم تصدق يوما بوعد قطعته. وحين يتعطل الزمن السياسي، يتعطل الزمن الشخصي لجيل كامل، ويتعزز الإحساس بأن المستقبل لا يُصنع هنا. ولا يقتصر الأمر على الشباب، فالطبقة الوسطى عامةً تتآكل بصمت، عالقة بين دخول لا تكفي وكلف حياة متصاعدة، بلا أمان ولا قدرة على الاحتجاج.
سياسياً، ينعكس هذا الواقع في خطاب يفيض بالوعود، ويخلو من مشروع اجتماعي ملموس. فالأزمات تُدار بدل أن تُحل، فتتحول السلطة إلى جهاز لإدارة الانتظار. ومع كل تأجيل تتراجع الثقة ويترسخ الشعور بأن الزمن لا يعمل لصالح المجتمع. ومن منظور اجتماعي–اقتصادي، يرتبط تأجيل المستقبل بخيارات أبقت الثروة خارج التنمية، والعمل خارج الكرامة، والتعليم خارج التخطيط، وبفساد يُدار بوصفه خللاً ثانوياً لا بنية قائمة.
ومع ذلك، فالمستقبل ليس قدراً مؤجلاً، ولا زمن الناس قابلاً للتجميد. فحين يشعر المواطن أن وقته مُهدَر، وأن جهده بلا أفق، لا يفقد الأمل فحسب، بل يبدأ الزمن الاجتماعي بالتحرك وفق إيقاعه الخاص. هنا تكمن المفارقة التي لا تدركها الطغمة: الزمن الاجتماعي لا ينتظر قراراتها ولا يفهم حساباتها الضيقة. فالأوضاع لا تنهار لأنها قاسية على الناس وحسب، بل لأنها تُدار باستخفاف، دون اكتراث بحلم التغيير ولا بضمان الكرامة.
من لا يكترث للزمن الاجتماعي، سيجد نفسه عاجلاً أم آجلاً خارج الزمن كله. والتحدي اليوم لم يعد في إطلاق الوعود، بل في تحويلها إلى أفعال ملموسة، من العيش الكريم والخدمات الأساسية إلى تأمين الرواتب في مواعيدها. فحين يُهدر وقت الناس وتُختبر كرامتهم، لا ينتظر الزمن الاجتماعي قرارات الطغمة ولا يراعي حساباتها، بل يفرض حكمه الخاص، قاسياً وحاسماً، وبما لا يشبه منطق الطغمة ودون انتظار إذنها.