اخر الاخبار

هالتني حفاوة الاستقبال وأنا أتفحص وأقرأ المعلومات عن كل تحفة أثرية تعود لحضارة وادي الرافدين في المتحف البريطاني في لندن.. الترحيب جاء من سيدة عجوز متقاعدة، تركت مدينتها في اقصى شمال بريطانيا واستأجرت على حسابها الخاص شقة قريبة من المتحف، لتتفرغ متطوعةً كدليل سياحي وتتخصص حصرا في شرح المعلومات عن تُحف وادي الرافدين الأثرية.

كنت كمن نزل عليها من السماء، أمسكت يدي بقوة حين ذكرت لها بأني بابلية. وأمطرتني بالأسئلة بشغف عاطفي وكأنها تسأل عن عزيز مقرب من أفراد أسرتها .. هذه الحادثة كثيرا ما تحيلني لواقع متاحفنا العراقية وكيفية تعامل الجمهور معها، وقبل ذلك لابد من التذكير بأن المتاحف، بحسب رأي حسام زاحم محمد المتخصص بعلم المتاحف، وصاحب كتاب "متاحف الآثار في العراق، مائة عام وماذا بعد؟"، أخذت تبتعد كثيرا في عالمنا المعاصر، عن عملها التقليدي بجمع الآثار وحفظها وإعداد البحوث عنها وإيصالها للمجتمع، أو عن كونها أماكن للترفيه وللتعليم، بل أخذت تتدخل في حل الكثير من المشاكل المجتمعية، في محاربة العنصرية مثلا ، وترسيخ الهوية الوطنية ، واندماج الشعوب مع بعضها.

ولتحقيق هذه الأهداف لابد من البحث في كيفية تعزيز رغبة الناس في زيارة متاحفنا بكافة المحافظات، وتعزيز العمل على إيصال صورة تاريخية حضارية وثقافية للعالم، بما يسهم في إنعاش القطاع السياحي عبر الحملات التثقيفية، والتأكيد على الجانب التسويقي لمقتنياتنا الأثرية، حتى إننا نحلم برؤية صور ومعلومات حضارة سومر وأكد وبابل وآشور منتشرة في شوارعنا وأماكننا العامة.

والحديث هنا يذكرنا باعتزاز المواطنين المصريين بإرث حضارتهم، وبغزارة معلومات حتى البسيط وغير المتعلم منهم عنها، عبر ما يلاحظه السائح بوضوح عند زيارته لمصر. لكن علتنا هنا تبدأ من المناهج الدراسية أولا. ففي حديث تلفزيوني لأحد آثارييننا المتخصصين، ذكر أن هناك في كتاب الصف السادس الابتدائي لدرس تاريخ العراق القديم، أكثر من 62 خطأ تاريخيا! فنتعجب: من الذي وضع ذلك المنهج، وما سبب الوقوع بتلك الأخطاء، وأين مسؤولية وزارة التربية مثلا في التصحيح والإيضاح؟! أسئلة توجع القلب حقا.

والأمر بتعلق بمجموعة إخفاقات في أغلب القطاعات لأسباب عدة. فأنا مثلا وفي زيارة صحفية لموقع أور التاريخي في سنوات الحصار، وجدت أكواما من "المسامير" الطينية من المادة الرئيسة في بناء الزقورة ملقاة على الأرض، وبإمكان أي شخص التقاطها والاحتفاظ بها. صحيح، الآن تغير وضع المنطقة بمساعدة المنظمات العالمية المعنية بالحفاظ على التراث الإنساني، وأنشأت مدينة أور الحديثة لتصبح معلما سياحيا متميزا.

ومع ذلك لابد من مراجعة ودراسة وضعنا المتردي في الحفاظ على كنوزنا التاريخية، خصوصا وأن عمر متاحفنا تجاوز المائة عام، ذلك ان افتتاح أول متحف في بغداد تم عام 1923 من قبل البريطانية جيرترود بيل. وسنعود الى هذه المراجعة في إعدادنا المقبلة.