اخر الاخبار

أظهر ترشيح السيد نوري المالكي، وما تبعه من رفض أميركي، هشاشة قرار القوى المتنفذة، والفجوة بين خطابها السياسي وممارستها. وقد بدا الأمر جلياً حين أعلنت هذه القوى دعمها للترشيح، ثم راجعت حساباتها سريعاً بعد موقف إدارة ترامب الرافض، متناسيةً ما كانت ترفعه من شعارات تتعلق بالسيادة وحق العراق في اختيار قيادته، وكاشفة هشاشة داخلية سمحت للفيتو الأميركي بأن يكون الحاسم.

والمفارقة أن عدداً غير قليل من هذه القوى قدّم نفسه لسنوات بوصفه "قوى مقاومة"، وهاجم التدخل الأميركي في الشأن العراقي. غير أن هذا الخطاب تراجع في لحظة القرار، أمام حسابات أخرى تتصل بالبقاء في السلطة وبتوازنات النفوذ، ليتحوّل من موقف معلن إلى حذرٍ صامت، ثم إلى قبولٍ بالأمر الواقع.

هذا التحوّل لا يمكن فهمه بمعزل عن طبيعة بنية الحكم نفسها. فنحن أمام سلطة تشكلت في ظل نظام محاصصة، واعتمدت على الريع، وتعايشت مع الفساد بوصفه آلية إدارة لا ظاهرة طارئة. ومع مثل هذه البنية تصبح السيادة شعاراً سهل الاستخدام، لكنه صعب التحقق. فالسيادة، في معناها العملي، تتطلّب رجال دولة قادرين على اتخاذ الموقف انطلاقاً من مصالح الشعب، لا من حسابات ضيقة تتصل بحماية المواقع والنفوذ داخل السلطة.

ومن منظور طبقي، لا يمكن فصل هذا السلوك عن الفجوة بين السلطة والمجتمع. فالطبقات الشعبية، التي دفعت أثمان الحروب والعقوبات والأزمات، لم تكن طرفاً في اتخاذ القرار ولا في التراجع عنه. ذلك انه اتخذ في غرف مغلقة، وبمنطق إدارة الأزمة لا حلّها.

وهذا لا يعني التقليل من تعقيدات الواقع، ولا إنكار حجم الضغوط الخارجية، ولا تجاهل التوازنات الإقليمية والدولية. فالعراق ليس جزيرة معزولة، والسياسة ليست تمريناً أخلاقياً خالصاً. لكن الفارق كبير بين إدارة التعقيد، والاستسلام له. بين الواقعية السياسية، والتفريط الصامت.

وفي هذا السياق، يلعب الفساد دوراً حاسماً. فالدولة المثقلة بالفساد تكون أضعف في مواجهة الضغوط، وأكثر استعداداً للإذعان. لا لأن الخارج قوي فحسب، بل ولأن الداخل مفكك. لذلك فإن السيادة لا تُحمى بالشعارات، بل بإصلاح بنية الحكم، وبناء مؤسسات، واستعادة الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.

ان ما جرى في ملف ترشيح المالكي، وموقف ترامب منه، وتعاطي القوى السياسية معه، ليس حدثاً معزولاً، بل هو جزء من مسار طويل يحتاج إلى مراجعة هادئة ومسؤولة. مراجعة لا تكتفي بتوصيف المشكلة، بل وتفتح نقاشاً حول جذورها وخلفياتها.

السيادة ليست ورقة في صراع المحاور. هي حق مجتمع كامل. وحين تُختبر السيادة، لا يكون المعيار قوة الخطاب، بل صلابة الموقف. وهذا ما ينبغي أن يبقى في صلب أيّ نقاش وطني جاد، بعيداً عن الانفعال، وقريباً من مصلحة العراق والناس.