أقدمت الحكومة العراقية، في الفترة الأخيرة، على فر ض رسوم وضرائب كمركية على السلع والبضائع المستوردة ضمن سلاسل التوريد لسد حاجة السوق العراقية ما لم يستطع السوق توفيرها من خلال الإنتاج الداخلي، وقد اتخذت هذه الإجراءات تنفيذا لقرار الحكومة العراقية رقم 957 في 28 تشرين الأول 2025 في خطوة لتفعيل قانون التعرفة الكمركية المعطل منذ عام 2010 اقتضاها انخفاض أسعار النفط بفارق قابل للزيادة في الانخفاض عن السعر المحدد في الموازنة الثلاثية 2023-2025 .
ولطالما حذر الاقتصاديون العراقيون من أن أسعار النفط الآخذة بالانخفاض ، قد تعرض الاقتصاد العراقي إلى أزمة مالية تنعكس تداعياتها على إجمالي القدرات المالية المخمنة في الموازنات السنوية عن السعر المحدد في الموازنة العامة، وبالفعل وصل سعر برميل النفط إلى 62 دولارا، وقد يزداد انخفاضا بفعل العوامل الجيوسياسية، وحيث أن السعر المخمن لبرميل النفط في الموازنة الثلاثية 70 دولارا مع افتراض أن الأرقام الأخرى المثبتة في الموازنة والتي تشمل النفقات التشغيلية والنفقات الرأسمالية ثابتة فمعنى ذلك أن العجز سيزيد بنفس نسبة انخفاض برميل النفط، الأمر الذي سيفرض على الحكومة اللجوء إلى الاقتراض الداخلي او الخارجي لتغطية العجز المالي وسيزداد إجمالي القروض الداخلية والخارجية وقد تضطر الحكومة إلى تحميل المواطنين العراقيين أعباء إضافية تثقل كاهلهم وهذا ما حصل باتخاذ الإجراءات الضريبية والرسوم الكمركية التي أشرنا لها، ما يعني أن الاقتصاد العراقي ذاهب إلى أزمة حقيقية وليست افتراضية او وهمية التي يحاول البعض صناعتها وإلا ماذا يعني عجز الحكومة عن تقديم الجداول المالية لعام 2025، وبالتالي فإن تطمينات وزارة المالية باستقرار الوضع المالي يحتاج إلى عشرات علامات الاستفهام وذلك ما سيتسبب في تعطيل المشاريع الحكومية تحت التنفيذ دعك عن المشاريع المخطط لها.
إن إقدام الحكومة على رفع واردات الكمارك بنحو أربعة أضعاف بما فيها الأدوية والسلع الضرورية الأخرى وستشمل الرسوم المرتفعة البالغة 30 في المائة الأجهزة الالكترونية والأجهزة الكهربائية والهواتف الجوالة أكثر من نسبة الرسوم المفروضة عليها وربما عدم الوضوح في البيانات قد يتحول إلى مبرر لرفع اسعار سلع أخرى، من خلال تفعيل هذا القرار سوف ترتفع التكاليف الاجتماعية والتي تعاني بالأصل من الارتفاع ما تؤدي بالضرورة إلى رفع معدلات الفقر، وبالتبعية سوف تؤدي إلى رفض شعبي واسع سيأخذ طابعا اقتصاديا في أول الأمر لكنه سيتحول بالضرورة إلى رفض سياسي كما حصل في ايران مع الاختلاف في طابع الازمة ومسبباتها. إن وقفات التجار الاحتجاجية لم تحدث بمعزل عن هذه الإجراءات وأن تداعياتها رفع المستوى العام للأسعار لتزيد أسعار أغلب البضائع إلى 20 في المائة وسينتقل السخط الشعبي الذي يعاني أساسا من تراكمات في تكاليف المعيشة إلى رفض مشروع لهذه التدابير.
ومن العلوم أن البيانات المتوافرة تشير إلى أن العراق سيعتمد بشكل واسع على الاستيراد لتلبية احتياجاته من السلع المختلفة حيث بلغت قيمة الاستيرادات حوالي 96 مليار دولار في عام 2023 وارتفعت النسبة في عام 2024 مع التركيز الكبير على السلع الجاهزة كالإلكترونيات والسيارات والمواد الغذائية ما يوضح ضعف الإنتاج المحلي ويعكس الاعتماد على الأسواق الخارجية، وهذه السياسة تأتي على النقيض مما طالب به الاقتصاديون في السنين الماضية وألحوا على أهمية التركيز على قطاعات الإنتاج وفي المقدمة منها الصناعة التحويلية والزراعة بقطاعيها الزراعي والحيواني إذ من شان ذلك سد الحاجة المحلية والتقليل من عمليات الاستيراد ومن ثم الاحتفاظ بالعملة الصعبة توخيا لرفع قيمة العملة الوطنية ورفع مستوى المعيشة في التحليل النهائي وصولا إلى الارتقاء بمستوى الحياة الاقتصادية والاجتماعية .
ان مراجعة السياسة المالية وتحديد أولويات الانفاق المالي وضبط إيقاعه بهدف تحقيق الاستدامة المالية من خلال ضبط الانفاق العام وتنقيته من الهدر والفساد وأساليب الاحتيال وتعظيم الإيرادات غير النفطية وتقليص العجز المالي وفقا لقانون الإدارة المالية كفيل بدرء الإحراج في السياسات عند الوقوع في الازمات .