اخر الاخبار

نردد دوما عبارة "بدل أن تلعن الظلام أوقد شمعة". وعلى رغم قِدم هذه المقولة وتكرارها، فانها تتجسد بالفعل في مبادرات فردية، صغيرة أو كبيرة،  تدخل في حيز الحفاظ على المواطنة الحقّة، وإشاعة الخير والجمال في المجتمع  والبلاد.

حديثنا هنا عن مبادرة الشاب حيدر الأكرع في سعيه للحفاظ على تماثيل بغداد وصيانتها، بمبادرة شخصية تبرع فيها بوقته وجهده وماله الخاص، موفرا كل مستلزمات التنظيف والإدامة.

توجه اولا لتنظيف ما علق من خربشات وكتابات غير مسؤولة  على نصب "إنقاذ الحضارة" للفنان محمد غني حكمت، الذي أصبح مزارا سياحيا ومعلما ثقافيا، تُصوَّرعنده حتى حفلات تخرج طلبة الجامعات، فضلا عن كونه هدفا يقصده مرتادو حديقة الزوراء، سيما بسبب وقوعه على مفترق طرق مهمة. وقد تم نصبه عام 2013بمناسبة اختيار بغداد عاصمة الثقافة العربية، محتلا موقع تمثال ضخم لصدام حسين.

يحمل النصب، بحسب رأي المهندسة المعمارية الأستاذة ميسون الدملوجي، دعوة واضحة إلى الوحدة الوطنية، والحفاظ على الذاكرة والموروث الحضاري. وتشرح الدملوجي في كتابها القيم (منحوتات بغداد بين الفن والسياسة) سمات النصب كونه يرتفع إلى عشرة أمتار، ويمثل إرادة المجتمع العراقي بشكل إنسان ذي عضلات قوية وخمسة أذرع. وتمثال الإنسان فيه مصنوع من البرونز، وهو يحمي ختما اسطوانيا سومريا جبارا، مصنوعا من الخرسانة، ويمنعه من السقوط. أما المكتوب بالخط المسماري على الختم فجملة تقول: "هنا بدأت الكتابة".

لكن بمفارقة ساخرة وحزينة للأسف، عبث شباب جهلة بالنصب العظيم، وشرعوا بكتابة عبارات سخيفة على الختم نفسه، غير مقدرين أهميته! والأدهى من ذلك انهم كتبوا بعض خطوطهم بألوان تصعب إزالتها.

بدأ هذا الشاب العمل بمفرده، ثم التحق به شاب آخر بعد أن نشر مقطع فديو على وسائل التواصل الاجتماعي، يناشد فيه الشباب عدم العبث بالنصب، داعيا إياهم إلى العمل مثله على حماية النصب في بغداد والمحافظات. وواصل عمله في تنظيف نصب شهريار وشهرزاد بحدائق أبي نواس، ونصب الصرخة، وغيرها من تماثيل بغداد.

وفي لقاء معه في إحدى القنوات التلفزيونية، أكد حيدر إن ما يقوم به هو تكريس لحب الوطن والشعور بالمسؤولية تجاهه.

وتلعب الثقافة، برأي الدملوجي أيضا، بضمنها الموروث الثقافي والفنون والعمارة وتخطيط المدن ، دورا مهما في إعادة إحياء الهوية الوطنية، والنصب هي رموز تبتعد عن أسباب الاختلاف وتعزز الانتماء للوطن وفق مشاعر ومصالح مشتركة، وتزيد الحرص على حفظ الموروث وبناء المستقبل.

وقد وجدت خطوة الشاب حيدر ترحيبا من نقابة الفنانين ومن الفنانين أنفسهم، سيما الدكتور علاء بشير الذي شكره لعنايته بتمثال "الصرخة"، والفنان أحمد البحراني الذي ابعد عنه تهمة استخدام مواد كيمياوية ضارة بالنصب، داعيا في الوقت نفسه أمانة بغداد والجهات المسؤولة، للقيام بواجبها تجاه هذه النصب.