تساؤل غريب يطرح نفسه عندي: أهكذا حقاً يغيب الضمير تماما، وتكبر رغبة السرقة في نفوس مَنْ تسيّدوا على رقاب العباد والبلاد، حتى وإن كان على حساب الحياة الإنسانية، بلا أدنى وازع من خوف؟!
يمكن أن يقول لي احدهم: ماذا تقول .. ألم تر الموت والخراب والدمار في كل مكان؟
سأجيبه بنعم كبيرة جداً واستدرك معها: لكن الفساد اكبر من ذلك يا صاحبي، واقصد فساد النفوس وموت الضمير وتردّي الأخلاق، لاجل المصالح الشخصية والفئوية، وإلاّ ماذا يعني إصدار قرارات تعسفية لإيذاء المواطن ومحاربته بمعيشته، دون أدنى بارقة أمل في انفراج الغمّة، التي جثمت على نفوس الناس بشتّى فئاتهم؟!
سقت هذا الكلام وأنا أتذكّر ما دار من حديث بيني وبين سائق التكسي الذي أوصلني إلى العشّار يوم أمس، حول الأزمة الاقتصادية المفتعلة وقرارات الاستقطاع من رواتب الموظفين والفقراء وأصحاب الشهادات الجامعية، حيث قال: أنا موظف وعندي عائلة كبيرة وساكن بالإيجار ومعي والدتي المريضة، وراتبي لا يوصلني لمنتصف الشهر، وهذا ما يجبرني على العمل سائق تكسي وكذلك في توصيل الطلبات. وإذا انقطع دينار واحد من راتبي فسيؤثّر عليَّ بشكل كبير.
هؤلاء المسؤولون الذين يصدرون قرارات كهذه، انما يحاربون الشعب ولا يفكرون بالناس أبداً. فهم بلا ذمّة ولا ضمير، وإلاّ كيف نفسّر ما يجري؟!
انتهى حديث السائق وبقي تساؤلي الذي لم يتركني أنام القيلولة يوم أمس: هل حقاً جاء هؤلاء لخدمة البلاد والعباد؟ أم جاءوا ليكونوا نقمة عليهم وثقلاً يُحني ظهورهم؟!
كل يوم قرار مجحف يضيف الى أعباء الناس أعباءً أخرى وهكذا!
لم يحاسبوا الفاسدين واللصوص الذين نهبوا الخزينة وسرقوا ترليونات الدولارات، ليجعلوا الناس في مهبّ الريح تتلاقفهم الأهواء والمحن. بل أصدروا عفواً عاماً عنهم، ولم يفكّروا يوماً بضميرٍ حي في كيف يخدمون الناس حقاً، ويرفعون اقتصاد البلد الى مستوى عالٍ عند تحديد رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث والنوّاب والوزراء، ومن دار في فلكهم، وعند التقاعد إلى الحد الأدنى والمعقول بدلاً من مئات الملايين التي يستلمونها سحتاً وبغير حق!
يا سادة يا مسؤولين، عليكم أن تعرفوا جيداً أن الظلم لا يدوم، وحتما سينفجر البركان ذات يوم من كثرة الضغط على نفوس الناس، وبسبب تبديد ثروات البلاد ورفع نسبة مدخراتكم في البنوك والمصارف العالمية، من خلال نهب الفقير والموظف والجامعي، الذين لولاهم لما كنتم جالسين الآن على الكراسي.
عودوا إلى رشدكم وحاسبوا أنفسكم قبل فوات الأوان، فالمواطن هو رأس مال الوطن، وهو الذي يقرر في النهاية بقاءكم من عدمه، وأعدلوا عن هذه القرارات وفكّروا في كيف تفيدون الناس والوطن!
لا تنسوا الناس الفقراء، فهم الغالبية العظمى وهم العماد الراسخ للوطن وللحياة في الوطن!