منذ فترة طويلة وأزمة الاقتصاد والسيولة النقدية تتكشف باستمرار وبشكل كبير ومؤثر، بسبب الازمات المتوالية الناتجة عن نظام الحكم الذي اعتمد المحاصصة نهجا لادارة شؤون البلد، وتراجع الاقتصاد العراقي بسبب اعتماد النفط مصدرا ريعيا وحيدا، هذا ما انعكس سلبا على حياة المواطن ومعيشته وأدى إلى ارتفاع اسعار السلع والخدمات.
ان غلاء المعيشة هذا لم يعد أزمة اقتصادية عابرة، بل سياسة غير معلنة تدار على حساب الفئات الأضعف. فبينما تتصاعد أسعار الغذاء والإيجارات والنقل وخدمات الصحة والتربية، تتآكل رواتب الموظفين بصمت، وكأنها الحلقة الأسهل في سلسلة المعالجات الحكومية. والأشد فداحة أن الحكومات المتعاقبة حين تبحث عن ترشيد الإنفاق، تبدأ دائماً بقضم الرواتب وقطع المخصصات من الموظفين والعمال الكسبة، دون أي اقتراب من مخصصات وامتيازات الرئاسات الثلاث وموظفيها، تلك الامتيازات التي تشكل ميزانية ضخمة مستنزِفة لا تخضع للمراجعة أو المساءلة.
نقول:
كيف يُطلب من موظف محدود الدخل تحمل الغلاء، فيما تصان رواتب وامتيازات المسؤولين وكأنها خطوط حمراء، وأي عدالة هذه التي تفرض التقشف على من لا يملك سوى راتبه واجره اليومي، وتحمي من يملك أكثر مما يحتاج. ان تآكل الرواتب ليس نتيجة السوق وحده، بل نتيجة خيارات سياسية واضحة: غياب الرقابة على الأسعار، انعدام سياسات حماية الدخل، والتهرب من فتح ملف الامتيازات العليا التي تلتهم جزءا كبيرا من المال العام دون مردود حقيقي على حياة الناس.
المواطن لا يطالب بالمستحيل، بل بعدالة بسيطة، بأن تتحمل السلطة نصيبها من الأزمة، لا أن تلقي كلفتها كاملة على كتف الموظف والمتقاعد. فالدولة التي تحمي امتيازات قادتها أكثر مما تحمي قوت مواطنيها، تفقد معناها قبل أن تفقد ثقة الناس.