اخر الاخبار

سُئل خزّافٌ شهيرٌ يوماً عن سرّ جودة أوانيه، فأجاب "لأنّي أحذف من الطين أكثر مما أضيف إليه". لم يُرد الرجل بذلك مدح القليل لقلّته، بل لبلوغه حدّاً يُفسد بالزيادة، فلا الإتقان يولد دوماً من التراكم، ولا يتحقق الكمال بالكثرة.

على ضفاف هذه الحكمة، اعتدتُ أن أقرأ مقولة لينين (الأقل، شرط أن يكون أحسن)، موقفاً فكرياً يعيد ترتيب العلائق بين الوفرة والجدوى، وعقلاً متقداً يُحيل «الأقل» إلى قوة في المعرفة والسياسة والأدوات. ورغم أن المقولة ارتبطت بالكثير من مفردات بناء الحزب والدولة، فقد بقيت متلازمة مع مهمة إعداد الكادر، باعتباره حلقة الوصل بين الفكرة والتطبيق، والمحرك الأبرز للمنظمة الثورية التي لا يمكن أن يُنجز بدونها أي تغيير، ولا سيما بعد أن علمتنا التجارب بأن الكثرة التي تفتقد الوعي والانضباط والثقة بالنفس، ولا تُبصر منتهى الغايات أو تتردد في بلوغها، تنخر الحركة في زمن التراجع وتضعفها عند التقدم.

ذاتُ التجارب المتعلقة بهذه المقولة كشفت لنا أن تجديد القواعد اللينينية في اصطفاء القادة، كضرورة يفرضها التطور، لا يعني تخلياً عبثياً عنها، وأن الخصال التي اشترطتها في الكادر، كالمعرفة النظرية، والقدرة على التحليل، والارتباط بالناس، وتحسين مستوى الأداء، والنزاهة، والتواضع، والإيثار، تبقى مرتكزة على الانتماء بوصفه موقفاً واختياراً وطموحاً: موقفاً جلياً من قضايا الحرية والعدالة ومن الاستغلال والعنصرية واستعباد النساء؛ واختياراً للتضامن والتضحية رغم ما في الطريق من مشاق؛ وطموحاً لحياة أكثر عذوبة وإثارة رغم افتقادها لأي نوع من الرفاهية.

وإذا كان الانتماء أداةً لبلوغ الأهداف، فإن اكتفاء البعض به كغاية في حدّ ذاته لا يعدو كونه وهماً تغذّيه تصورات قاصرة عن التجديد، يسببها أحياناً شعورٌ مُضنٍ بالاختناق من الالتزام، لأسباب مختلفة، ليس أقلها التطبيقات الخاطئة للنهج اللينيني. ومن البداهة أن يُضعف ذلك، الانضباط التنظيمي ويُفقد المناضل معناه، ويحوّله إلى عاطلٍ يثقل الركب، ولا يستعيد عافيته إلا بعد زجّه في نضالات يومية، متزامنة بالضرورة مع تسليحه بزادٍ نظري، خاصة وأن التركيز على النشاط الميداني دون التثقيف بالفكرة قد يقود مجددًا للإحباط.

ورغم أن حماس الكادر وثقته بنفسه أمران محمودان، فإن التغييرات الدراماتيكية في الخط السياسي والحياة الداخلية لا تقل خطورة عن الدوغمائية. إن عدم تجنب المبالغة عند محاولة اختراق جبهة العدو الطبقي قد يسفر عن تبنّي سياسات عاجلة، يستلزم تنفيذها تغييرات تنظيمية تُقصِر القرار على الناشطين، ولا تُفعّل دور الأغلبية، وتلقي ببعض ذوي الخبرة في أتون السلبية، مما ينتج عنه مزيد من الإحباط والتشاؤم، خاصة عندما تفشل تلك السياسات في تحقيق غاياتها.

وإذ تعّد من أولويات تربية الكادر معالجةُ إنكاره لأخطائه ومحاولات البحث عمن يلقي اللوم عليهم ويحملهم المسؤولية، فإنها يجب أن تقترن بتنقية روحه من الجزعٍ عند الفشل، وتخليصه من الإحباط كالذي خلّفه انهيار التجربة الاشتراكية، ومن تسرب وهم الإعجاب بالرأسمالية، التي تعتبر مناهضتها البوصلة التي ترشد الكادر، وتحدّد هويته، وتمثل القاعدة الراسخة لتطوره الفكري.

وأخيراً، يستدعي التجديد، في ظني، قيام الكادر بتعلّم الكلاسيك الماركسي والاطلاع على التجارب الغنية لليسار، فلا أحد قادر على كتابة قصيدة حديثة ما لم يكن مُلِمّاً ببحور الشعر وإيقاعاته. كما أن تدنّي القدرات الفكرية لا يُضعف الكادر في تعامله مع المتغيرات فحسب، بل يحدّ أيضاً من قدرته على تقييم القوى الأخرى، وتحديد الحلفاء ومآلات ومديات التعاون معهم، وعلى التمييز بين الثوريين والإصلاحيين، وعلى حماية يساريته، منقّاةً من الأدران.