اخر الاخبار

يشيع البعض، وبشكل يبدو بريئًا، أن الرأسمالية القائمة على الملكية إنما هي نتاج لما جُبل عليه البشر، فهل هي، أم الاشتراكية، رديفٌ للفطرة الإنسانية؟

في أغنيته الشهيرة التي سادت قبل أكثر من نصف قرن، حلم عازف البيتلز جون لينون بعالم بلا ملكية خاصة، بلا جشع أو جوع؛ عالمٍ نتشارك فيه جميعًا كنوز الأرض ونعيش كلنا كإخوة، ووجد فيه سبيلًا للخروج من جحيم المعاناة وقسوة الاغتراب والخراب البيئي، وإنهاءً لكل ما نقتل أو نموت بسببه. لم يكن لينون أول الحالمين، بل واحدًا من أجيالٍ عبّرت أغانيها وأناشيدها، على مرّ العصور، تعبيرًا حقيقيًا عن رغبة الإنسانية في الخلاص من البؤس والقمع والحروب؛ تلك الرغبة التي تتجسد في الجمع بين المساواة السياسية والاقتصادية، أو ما اصطلح عليه بالرؤية الاشتراكية.

حسنًا، ولكن المغرمين بالرأسمالية ما زالوا يرون في هذه الأحلام نقيضًا للفطرة الإنسانية، حتى لم يعد هناك من دليل صحيح يكشف "سلامة" ادعاءاتهم غير عرضها على العقل.

إن مراجعة علمية لتاريخ أي مجتمع ترينا أعدادًا لا تُحصى من قيم التضامن والإيثار والتعاون، إلى جانب حالات من القسوة والأنانية. فطبيعة البشر، ككائنات معقدة، يمكن أن تأتي بالنقيضين: المنافسة والجشع، ومقاومة الاستغلال والدفاع عن الكرامة. غير أنه، وفي خضم الصراع بين النقيضين، يوفر الشعور بحق المحرومين في العيش بمجتمع يتمتعون فيه بالحرية وبالقدرة على الإبداع القناعةَ بأن الثروة نتاج عملية خلق اجتماعي، وأن إعادة توزيعها بعدالة شرط لا غنى عنه لتأمين الأنسنة، مما ينّمي الوعي، فيكتشف الناس كيف تعيش الرأسمالية تناقضًا تناحريًا مع الحرية والعدالة، حين تسلب إرادة الإنسان وترغمه إما على الصمت أو على قول ما لا يريد قوله، وتجبره على العمل مقابل أجر، وتُفقره إلى مستوى يعيق تطوير قدراته، وتحرمُه من التحكم بطبيعة العمل وأوقاته ومواعيد الراحة وتوزيع فائض القيمة والتسويق والأسعار، وتحصر حق تقرير مصيره بأقلية من مالكي وسائل الإنتاج أو بحكومات تقتصر مهماتها على تأمين مصالح هؤلاء، ما دامت ثرواتهم هي التي تلعب الدور الأبرز في تحديد من يحظى بفرص الوصول إلى السلطة السياسية. ولا تكتفي الرأسمالية بقمع العمال ونهبهم، بل يتسع خداعها فتخلق ثقافة متكاملة تغذي الجشع، وتُحرّض الناس بعضهم على بعض، وتحيل هدف المنافسة من إنتاج الخيرات المادية في مجتمع بشري إلى صراع من أجل البقاء في غابة، مما يمسخ إنسانيتهم، وينمّي روح التعصب، ويشجع على الحروب، ويحوّل الاختلافات الطبيعية إلى صراعات دموية، فهل من علاقة بين كل هذا والإنسانية؟!

في خططها لتخليص البشرية من الملكية المستغِلّة التي تسبب كل هذا الخراب، ومن أجل استعادة البشر لآدميتهم، لا تنمي الاشتراكية الوعي وتعبّئ للنضال على الصعيد الوطني فحسب، بل على الصعيد الأممي أيضًا، لأنها ترى في شرور رأس المال، وفي العمل على مقاومتها وإجهاضها، شأنًا عالميًا، الأمر الذي يجعل الناس إخوة، ويحفزهم على التضامن والتعاون، وبالتالي يعمق الجوهر الإنساني لحركاتهم.

وأخيرًا، إن الادعاء بأن صمت قطاعات من البشر أحيانًا على التفاوت والاستغلال إنما يعني القبول بهما هو خديعة أخرى، إذ كان هذا السكون غالبًا نكوصًا مؤقتًا جراء عدم توفر الآليات والفرص والقيادات اللازمة لإذكاء جمرة الكفاح. كما إن توهم البعض بوجود صلة بين الرأسمالية والأنسنة، لا يختلف عن لهاث آخرين وراء سرابٍ يصور اليساريين فقط هدفاً لشرور الرأسمالية، لأن ما جرى لغير اليساريين، كمصدّق ومانلي وأربينز وبوش وعبد الناصر وغيرهم، أمثلة تدحض ذلك!