اخر الاخبار

الصفحة الأولى

فعاليات واسعة في عموم العراق بمناسبة الأول من أيار.. مسيرات ووقفات وزيارات ميدانية تشدد على وحدة الحراك العمالي

بغداد – طريق الشعب

شهدت محافظات البلاد، يوم الجمعة (1 أيار 2026)، سلسلة واسعة من الفعاليات الجماهيرية والنقابية والثقافية التي نظمتها قوى مدنية ونقابية، في مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي والقوى اليسارية واتحاد نقابات العمال، إحياءً لعيد العمال العالمي، حيث تنوعت الأنشطة بين مسيرات جماهيرية ووقفات احتجاجية وفعاليات فنية وزيارات ميدانية، عكست مجتمعة حجم الحراك العمالي واتساع دائرة المطالب المرتبطة بحقوق العمال والعدالة الاجتماعية.

بغداد: تحديات جسام أمام الحركة النقابية

وانطلقت مسيرة الأول من أيار من ساحة الفردوس وسط بغداد، متجهة الى ساحة النصر عبر شارع السعدون، حيث شارك المئات من العمال والنقابيين ومن الناشطين الذين لبوا دعوة اللجنة المنظمة للمسيرة، تتقدمهم قيادة الحزب الشيوعي العراقي وكوادره وانصاره وكذلك قيادة وأعضاء القوى الوطنية والديمقراطية وقيادات نقابية ومنظمات واتحادات شبابية ونسوية وطلابية ونساء من تحالف 188، كما شارك النائب عن محافظة بابل عبد الحمزة عباس وعضو مجلسها محمد المعموري.

وامتلأ الشارع المؤدي الى الساحة بالمشاركين حيث كانت بداية المسيرة قد وصلت الى المكان المخصص للفعاليات، فيما كان اخرها لايزال في بداية نقطة الانطلاق.

وهتف المشاركون في المسيرة منددين بقوى المحاصصة والفساد ونهجها المقيت، مطالبين بحقوق العمال وتطبيق قانون العمل وتشريع قانون الضمان الاجتماعي وحماية الصناعة الوطنية، كما طالبوا بحكومة وطنية انتقالية تهيئ لانتخابات مبكرة نزيهة وعادلة، باعتبارها مدخلاً لحل الازمة الراهنة.

وفور الوصول الى منصة الفعاليات، قرأت الناشطة النقابية منال جبار كلمة اللجنة المنظمة للمسيرة، وقالت فيها: أن "أوضاع العمال والشغيلة في بلادنا تزداد سوءا عاماً بعد عام، بسبب نتائج السياسات الفاشلة لمنظومة المحاصصة المتماهية مع الفساد، والتي أوصلت بلادنا لمنزلق خطر، منظومة بلا رؤية وطنية، لم تنهض بالاقتصاد ولم تخلصه من طابعه الريعي نحو اقتصاد منتج وفاعل. بل وظفت أموال النفط لترسيخ نفوذها عبر علاقات زبائنية، وسياسات نيوليبرالية مدمرة همّشت وجوّعت الملايين".

وأكدت الكلمة، أن "هذا الواقع المرير الذي يعيشه العمال والعاملون وسائر الشغيلة والكادحين في بلادنا، يجعلنا الحركة النقابية العمالية أمام تحديات جسام، تتطلب المزيد من العمل والنضال لأجل تحقيق المكاسب للطبقة العاملة".

بعدها طلب أيوب عبد الحسين عريف المنصة من هادي علي رئيس النقابة العامة لعمال المنصات الالكترونية في اتحاد نقابات عمل العراق، القاء كلمة النقابة التي اكدت على معاناة عمال المنصات الإلكترونية في العراق، يعملون في ظروف تفتقر إلى الاستقرار والحماية القانونية، ويواجهون تدني الأجور وغياب الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، فضلاً عن المخاطر اليومية دون تغطية كافية.

وطالب بالاعتراف القانوني بهذه الفئة كعمال مشمولين بقانون العمل، وضمان شمولهم بالضمان الاجتماعي والتأمين، وتنظيم العلاقة التعاقدية مع الشركات، وتحديد حد أدنى عادل للأجور، وتوفير معايير السلامة المهنية، بما يصون كرامتهم ويؤمن لهم حياة لائقة.

ثم ارتجل عضو مجلس محافظة بابل محمد المعموري، كلمة انتقد فيها استمرار السياسات الفاشلة لقوى المحاصصة والفساد، ودعا الى توحيد الجهود الخيرة من اجل زيادة الضغط الشعبي السلمي من اجل الخلاص من منظومة المحاصصة.

نشاطات ميدانية وثقافية متنوعة

وتنوعت الفعاليات بين الميداني والثقافي، حيث نظمت المحلية العمالية للحزب الشيوعي في بغداد، جولات في المناطق الصناعية مثل شارع الشيخ عمر والطوبجي، لتوزيع الدعوات لمسيرة الأول من أيار، والتواصل المباشر مع العمال.

كما شهدت العاصمة إقامة معرض فني للنحت في مدينة الصدر، عرض فيه الفنان هادي كاظم عشرين عملاً فنياً، بحضور شخصيات سياسية وثقافية بارزة، في فعالية جمعت بين البعدين الثقافي والنضالي.

وفي السياق ذاته، نظمت رابطة المرأة العراقية نشاطاً ميدانياً تمثل بتوزيع الورود على العمال في شارع الصناعة وكراج الأمانة، تعبيراً عن التقدير لدورهم.

مسيرة البصرة: مطالب بحماية العمال ووقف التسريح

في محافظة البصرة، نظّمت محلية الحزب الشيوعي العراقي مسيرة جماهيرية صباح الجمعة، انطلقت من كورنيش البصرة باتجاه نصب الأم في منطقة العشار، بمشاركة أعضاء اللجنة المحلية وتنسيقية التيار الديمقراطي وعدد من فروع النقابات وشخصيات سياسية واجتماعية.

وشهدت المسيرة إلقاء كلمة اتحاد نقابات البصرة من قبل سالم محسن، الذي حيّا الطبقة العاملة واستذكر نضالاتها وتضحياتها في بناء الوطن، داعياً الجهات الحكومية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية العمال، ولا سيما في مناطق الرميلة وخور الزبير، ووقف سياسات التسريح وتقليص العمالة، وضمان حقوقهم بما يتوافق مع الالتزامات الوطنية والدولية.

ميسان: مسيرة تؤكد رفض الخصخصة

وفي ميسان، خرجت مسيرة جماهيرية في شارع دجلة بتنظيم مشترك بين محلية الحزب الشيوعي وتنسيقية التيار الديمقراطي واتحاد نقابات العمال، حيث رفع المشاركون شعارات تؤكد على العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين في الأجور والحقوق.

كما شددت الهتافات على ضرورة ضمان حرية التنظيم النقابي المستقل، والمطالبة بإلغاء قانون 150، إلى جانب رفض سياسات خصخصة القطاع العام، التي اعتبرها المشاركون تهديداً مباشراً للأمن الاقتصادي والاجتماعي وزيادة معدلات البطالة والفقر.

المثنى: زيارات ميدانية وطاولات إعلامية

وفي محافظة المثنى، أجرى وفد من الحزب الشيوعي زيارة إلى معمل سكك السماوة، حيث قدم التهاني للعمال واطلع على طبيعة عملهم وإنجازاتهم، في حين أقيمت طاولة إعلامية في قضاء الخضر لتوزيع بيانات الحزب وأدبياته، وإجراء حوارات مباشرة مع المواطنين.

واسط: وقفة تضامنية في ساحة العامل

وفي مدينة الكوت، أقيمت وقفة احتفالية في ساحة العامل تحت النصب الذي يخلد نضالات العمال، بمشاركة واسعة من العمال والمناصرين، حيث أُلقيت كلمات أكدت ضرورة تحسين الأوضاع المعيشية والدفاع عن الحقوق العمالية، إلى جانب دعوات لتوحيد الجهود لتحقيق العدالة الاجتماعية. واختُتمت الفعالية بقصائد وهتافات تمجد نضال الطبقة العاملة.

الديوانية: وقفة وفعاليات خطابية وشعرية

وفي الديوانية، نظمت اللجنة المحلية للحزب الشيوعي وقفة في ساحة الراية وسط المدينة، بمشاركة نقابات عمالية وجمهور من الرفاق والأصدقاء، تضمنت كلمات سياسية ونقابية ألقاها ميعاد القصير وعباس العرباوي، إلى جانب إلقاء قصائد وأناشيد عمالية جسدت روح المناسبة.

النجف: متابعة قضايا العمال

وفي النجف، نظم اتحاد نقابات العمال زيارات إلى مواقع تجمع العمال (المساطر)، لتقديم التهاني والورود، إلى جانب متابعة قضايا العمال في الدوائر الحكومية عبر مكتب شؤون المرأة العاملة.

وشهدت بعض المناطق مبادرات شبابية، من بينها نشاط هيئة أبو داود الشبابية في منطقة عويريج الصناعية، حيث تم توزيع دعوات وورود على العمال، في خطوة لاقت ترحيباً واسعاً من قبل العاملين.

كربلاء: وقفة تطالب بتنظيم العمالة الأجنبية

وفي كربلاء، نظم عمال وناشطون، بمشاركة الحزب الشيوعي العراقي ورابطة المرأة واتحاد الشبيبة ونقابات العمال، وقفة في فلكة التربية وسط المدينة، رفعوا خلالها مطالب تتعلق بتنظيم العمالة الأجنبية، وتشديد الرقابة على شركات النقل الخاص، وتخصيص أراضٍ سكنية للعمال، فضلاً عن شمولهم بالضمان الاجتماعي والتقاعد، في ظل ما وصفوه بارتفاع معدلات البطالة وتدني الأجور.

بابل: وقفة وجولات ميدانية

وفي بابل، نظمت محلية الحزب الشيوعي العراقي بالتعاون مع اتحاد نقابات العمال وقفة أمام مقر الاتحاد، رفع خلالها المشاركون شعارات تطالب بتشريع قوانين منصفة للعمال.

واختُتمت بكلمة ألقاها بهجت الجنابي أكد فيها أهمية التضامن العمالي.

كما شهدت المحافظة فعاليات أخرى، تمثلت بقيام اتحاد نقابات العمال بجولات في الأحياء الصناعية لتقديم التهاني والهدايا للعمال، إضافة إلى مبادرة رابطة المرأة العراقية بتوزيع الهدايا على عمال مول الربيعي وسوق الحدادين.

ديالى: مسيرة راجلة

وفي ديالى، نظمت محلية الحزب الشيوعي مسيرة جماهيرية انطلقت من مقر الحزب في بعقوبة مروراً بعدة شوارع رئيسية وصولاً إلى ساحة مسطر العمال، بمشاركة اتحاد الشبيبة والتيار الديمقراطي ونقابات العمال.

وشهدت المسيرة حضوراً أمنياً لتنظيمها وتأمينها من قبل شرطة ونجدة ومكافحة الشغب، حيث عبّر المشاركون عن تمسكهم بوحدة الصف العمالي واستمرار النضال من أجل تحسين ظروف العمل والحياة الكريمة.

سامراء: فعاليات وكلمات تشيد بالشغيلة

وشهدت مدينة سامراء، فعالية جماهيرية واسعة على قاعة العلوي، نظمتها مؤسسة البحتري للتنمية والثقافة بالتعاون مع البيت الثقافي، شارك فيها عدد كبير من المواطنين والقوى والشخصيات المدنية والديمقراطية.

وشهدت الفعالية قراءة كلمات في المناسبة وقصائد شعرية، تغنت بالطبقة، وحضر الحفل شخصيات ثقافية واجتماعية بارزة في سامراء وفي ختام الحفل تم تقديم الهدايا والشهادات التقديرية على عدد من العمال والمشاركين في هذا الحفل.

كركوك: فعالية حاشدة للعمال

كما نظمت القوى اليسارية في كركوك حفلا جماهيريا لمناسبة يوم العمال العالمي، وشاركت محلية كركوك للحزب الشيوعي العراقي فيها، وسط حضور جماهيري وعمالي.

ورفع المشاركون في الفعالية المطالب والشعارات اكدت أهمية تكاتف جهود الطبقة العاملة لنيل حقوقها واستحقاقها.

مقر الحزب في الموصل يستقبل المهنئين

ولمناسبة عيد العمال العالمي، شهد مقر الحزب في مدينة الموصل حضوراً لافتاً لأكثر من 40 شاباً، قدموا لتقديم التهاني وعبروا عن تضامنهم مع نضال الطبقة العاملة، في أجواء عكست تنامي الوعي والدعم الجماهيري لقضايا العمال.

عقب ذلك، انطلقت حملة ميدانية شارك فيها شباب الحزب وأعضاء هيئة الشهيد سلام عادل، إلى جانب عدد من أعضاء مؤسسة شركاء، حيث جابت الفرق عدداً من المناطق، منها: المجموعة الثقافية، نركال، والمهندسين. وقد تضمنت الحملة توزيع الحلوى على المواطنين، إلى جانب نشر بيانات الحزب الخاصة بالمناسبة، وتوزيع جرائد الحزب، فضلاً عن فولدرات تعريفية تسلط الضوء على مبادئه وبرامجه.

******************************

الصفحة الثانية

حرية الصحافة عربياً.. العراق يواصل التراجع في قائمة متأخرة اصلاً

بغداد – طريق الشعب

تراجع العراق الى المرتبة الـ13 عربياً ضمن مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود"، بعد ان احتل المرتبين 12 خلال العامين 2024 و2025. ويعكس هذا التراجع، استمرار التحديات التي تواجه قطاع الإعلام في البلاد، ولا سيما ما يتعلق بالضغوط السياسية والانتهاكات التي تطال الصحفيين وضعف الضمانات القانونية الكفيلة بحماية حرية العمل الصحفي واستقلالية المؤسسات الإعلامية.

وتراجع العراق في التنصيف العربي، بعد ان كان يحتل المرتبة 12 عربياً في السنتين السابقة، وهو مؤشر على استمرار تراجع الحريات الصحفية، وزيادة عدد الدعاوى المرفوعة بحقهم فضلاً عن غياب أي تقدم فعلي في ملف حماية الصحافة خلال السنوات الأخيرة.

وتصدرت قطر قائمة الدول العربية في حرية الصحافة لعام 2026، تلتها المغرب ثم لبنان، فيما جاءت سلطنة عمان والكويت وتونس وليبيا وسوريا والأردن والجزائر والإمارات والسودان في المراتب التي سبقت العراق، بينما حلّت بعده اليمن ومصر والبحرين، وجاءت السعودية في المرتبة الأخيرة عربياً بحسب المؤشر السنوي. ويأتي هذا التراجع في وقت تؤكد فيه منظمة "مراسلون بلا حدود" أن حرية الصحافة على المستوى العالمي تشهد واحدة من أسوأ مراحلها منذ ربع قرن، نتيجة تصاعد القيود القانونية والضغوط السياسية والمخاطر الأمنية التي تحد من قدرة الصحفيين على أداء مهامهم بحرية واستقلال.

***************************************

محاولة اغتيال ضرغام تشعل الشارع البابلي احتقان شعبي يتعاظم بسبب ملفات السكن والتوظيف والخدمات

بغداد – طريق الشعب

تشهد عدة محافظات موجة احتجاجات متزامنة تعكس تصاعد حالة التوتر الشعبي، في ظل تداخل ملفات أمنية وخدمية واقتصادية باتت تضغط على حياة المواطنين اليومية. فمن تداعيات محاولة اغتيال الناشط المدني في بابل وما رافقها من مطالبات بالكشف عن الجناة، إلى احتجاجات السكن العشوائي في البصرة، وأزمات النقل والعمل في ميسان وواسط والديوانية، تتسع رقعة الغضب الشعبي وسط اتهامات بالتقصير الحكومي وبطء الاستجابة. وفي وقت تتزايد فيه الدعوات لتحقيق العدالة وتوفير الحلول، تجد السلطات نفسها أمام اختبار حقيقي لاحتواء الأزمات المتراكمة واستعادة ثقة الشارع.

محاولة اغتيال ضرغام تتفاعل

شهدت محافظة بابل، تظاهرة نظمها عدد كبير من المواطنين أمام مبنى المحافظة في مركز مدينة الحلة، وذلك تنديداً بمحاولة اغتيال الناشط المدني ضرغام ماجد، وللمطالبة بالكشف عن الجهات المتورطة في الحادث وإعلان نتائج التحقيقات بشكل رسمي وشفاف.

ورفع المتظاهرون شعارات تؤكد استمرار تحركاتهم الاحتجاجية، مشددين على أنهم “لن يتراجعوا تحت أي ظرف” ما لم يتم الإعلان عن نتائج اللجنة التحقيقية المشكلة بشأن الحادث، والكشف عن جميع المتورطين ومحاسبتهم وفق القانون.

وتعود تفاصيل الحادثة إلى يوم الثلاثاء الموافق 21 نيسان 2026، عندما تعرض الناشط ضرغام ماجد إلى إطلاق نار في ناحية المدحتية، جنوب محافظة بابل، أثناء وجوده في أحد المحال الخاصة ببيع المواد الغذائية.

وبحسب إفادات شهود عيان، فإن مسلحين ملثمين كانا يستقلان دراجة نارية أطلقا رصاصتين باتجاهه، ما أدى إلى إصابته بإطلاقة في ساقه، قبل أن يلوذا بالفرار إلى جهة مجهولة.

وفي تطور لاحق، اتهم الناشط ضرغام ماجد جهة مسلحة بالوقوف وراء محاولة اغتياله.

اتهامات بالتغاضي عن التحقيق

من جانبه، قال الناشط المدني ياسين العبادي، في تصريحات صحفية، إن هذه التظاهرات جاءت نتيجة ما وصفه بـ”تغاضي قيادة شرطة بابل عن إجراء تحقيق دقيق في حادثة محاولة الاغتيال”، مشيراً إلى أن أكثر من عشرة أيام مضت على الحادثة دون صدور أي توضيح رسمي، رغم وقوعها في وضح النهار، ورغم تشكيل لجنة أمنية عليا للتحقيق فيها.

وأضاف العبادي أن مطالب المحتجين تتركز في “الكشف السريع والعلني للجهات المتورطة”، مؤكداً رفضهم لأي تسويف أو مماطلة في هذا الملف، ومقارنةً ذلك بسرعة كشف ملابسات جرائم أخرى في المحافظة، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن أسباب التأخير في هذه القضية تحديداً.

وكان ناشطون من بابل ومحافظات أخرى قد تجمعوا، في وقت سابق، في ساحة الساعة بناحية الحمزة الغربي، معبرين عن غضبهم من محاولة الاغتيال، ومعلنين نيتهم التصعيد في حال عدم الكشف عن الجناة خلال مهلة محددة.

كما حمّل بيان صادر عن المحتجين محافظ بابل علي تركي وقائد شرطة بابل اللواء عباس الزركاني المسؤولية القانونية والتنفيذية عما وصفوه بـ”الخرق الأمني”، مطالبين بإجراءات حازمة لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

احتجاجات موازية في محافظات أخرى

وفي محافظة البصرة، نظم أصحاب السكن العشوائي وقفة احتجاجية أمام مبنى الحكومة المحلية، احتجاجاً على استمرار عمليات هدم منازلهم دون توفير بدائل سكنية مناسبة.

وأكد المحتجون أن إجراءات الهدم تجري دون مراعاة للظروف الاجتماعية والاقتصادية، مطالبين بتدخل عاجل من الحكومة المركزية لإيقاف تلك الإجراءات وتوفير حلول عادلة تضمن لهم السكن.

وفي محافظة ميسان، نظم عدد من أصحاب باصات نقل الحجاج وقفة احتجاجية اعتراضاً على قرار هيئة الحج والعمرة نقل الحجاج جواً بدلاً من النقل البري، مؤكدين أنهم أتموا جميع الاستعدادات والتعاقدات اللازمة لنقل الحجاج براً، ما تسبب لهم بخسائر مالية كبيرة بعد تغيير القرار بشكل مفاجئ.

وأشار المحتجون إلى أن الهيئة كانت قد أبلغتهم سابقاً بضرورة الاستعداد للنقل البري، بل وفرضت غرامات على من يتخلف عن تنفيذ التزاماته، إلا أنها تراجعت عن الاتفاق دون تعويض، مطالبين بإعادة جزء من خطة النقل البري أو تعويضهم عن الخسائر.

مشروع استثماري يبتلع ارزاق الناس

وفي مدينة العمارة، نظم أصحاب المحال داخل علوة الطحين وقفة احتجاجية داخل الموقع، رفضاً لقرار إلغاء تعاقداتهم وإزالة العلوة لصالح مشروع استثماري.

وأكد المحتجون أن عقودهم سارية المفعول حتى عام 2028، وأنهم تفاجأوا بقرار الإزالة دون تقديم بدائل، مشددين على أن هذه المحال تمثل مصدر رزقهم الوحيد.

موظفون يشكون الاستقطاعات

أما في محافظة الديوانية، فقد جدد العشرات من موظفي دائرة الماء إضرابهم عن العمل احتجاجاً على استقطاعات من رواتبهم، مؤكدين استمرار الإضراب ومهددين بالتصعيد، الذي قد يصل إلى إيقاف عمل المحطات والمجمعات المائية في عموم المحافظة.

وفي محافظة واسط، نظم العشرات من خريجي المهن الصحية والطبية، تظاهرة واسعة، احتجاجاً على عدم تعيينهم مركزياً، رغم حاجة المؤسسات الصحية إلى كوادر متخصصة.

ورفع المحتجون لافتات تطالب بتطبيق قانون التدرج الطبي رقم (6) لسنة 2000، الذي يكفل تعيينهم. كما أعرب المتظاهرون عن رفضهم لما وصفوه بـ”الحلول الترقيعية”، وعلى رأسها برنامج التدريب الوطني، معتبرين أنه لا يوفر فرص عمل حقيقية، ولا ينسجم مع واقع القطاع الخاص الذي يعاني من ضعف الاستيعاب. من جهتها، دعمت نقابة المهن الصحية مطالب المحتجين، مشيرة إلى وجود مماطلة من قبل الجهات الحكومية في تنفيذ الالتزامات القانونية، في حين شارك أولياء أمور الخريجين في التظاهرة، مطالبين بتوفير فرص عمل لأبنائهم وضمان مستقبلهم. واختتم المحتجون تحركاتهم بالتلويح بتصعيد أكبر في حال استمرار تجاهل مطالبهم، مؤكدين أن التعيين حق دستوري لا يمكن التنازل عنه. وتعكس هذه التطورات المتزامنة في عدة محافظات عراقية حالة من التوتر والاحتقان الشعبي، في ظل تداخل ملفات أمنية وخدمية واقتصادية، وسط مطالب متزايدة بالكشف عن الحقائق، وتحقيق العدالة، وتوفير فرص العمل، وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين، في وقت تواجه فيه السلطات تحديات متزايدة في احتواء هذه الأزمات والاستجابة لمطالب الشارع.

**********************************

فعاليات واسعة في عموم العراق بمناسبة الأول من أيار

كما تخلل النشاط تعليق لافتة على مبنى الشرطة المجتمعية، بعد الحصول على موافقة رسمية مسبقة، حيث قوبل الوفد بحفاوة وترحيب من قبل القائمين على المركز، ما ساهم في إنجاح الفعالية وإضفاء طابع تنظيمي إيجابي عليها.

كما جرى تعليق لافتات تخص المناسبة في مناطق سنجار وألقوش، حيّت العمال في عيدهم وطالبت بحقوق الطبقة العاملة والشغيلة والكادحين، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

مسيرة أربيل تنتقد التقصير الحكومي

ويوم الخميس الماضي 30/4/2026، نظّمت لجنة العمل المشترك لليسار في كردستان، والتي تضم الحزب الشيوعي الكردستاني وحزب كادحي كردستان والحركة الديمقراطية لشعب كردستان، مسيرة وتجمعا جماهيريا واسعا، قرب قلعة أربيل التاريخية.

وشهدت الفعالية مشاركة عدد كبير من العمال والمواطنين، إلى جانب قيادات وقواعد وممثلي الأحزاب الثلاثة، حيث جرى خلالها قراءة بيان مشترك.

وأكدت الكلمة، ان "حكومة إقليم كردستان مقصّرة في تحسين مستوى معيشة العمال".

وشددت على ضرورة أن تضطلع بمسؤولياتها في توفير حياة كريمة وضمان سلامة العمال في أماكن عملهم، لمنع تكرار وقوعهم ضحايا لإهمال أصحاب العمل وضعف الرقابة. وأكدت لجنة العمل المشترك لليسار استمرار نضالها من أجل نيل الحقوق المشروعة للعمال وتحقيق مطالبهم، وعدم السماح بتهميش هذه الشريحة الكادحة.

السلمانية: اغانٍ واناشيد

واحتشد عدد كبير من المواطنين والشيوعيين يتقدمهم سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكردستاني الرفيق فارس عبد الرحمن (أبو كاروان)، في مدينة السليمانية، حيث نظّمت لجنة الأول من أيار تجمعًا جماهيريًا واسعًا.

وشهد التجمع حضورا لافتا من المواطنين ومختلف الشرائح الاجتماعية، وأُلقيت الكلمة الرسمية للجنة الأول من أيار، والتي سلطت الضوء على تاريخ هذه المناسبة، وكذلك على الأوضاع الراهنة للعمال وحقوقهم الأساسية.

كما خُصّص جزء آخر من الفعالية للجانب الفني، حيث قُدمت عدة أناشيد وأغانٍ خاصة بنضال العمال وذكرى الأول من أيار، ما أضفى أجواءً حماسية ومليئة بالحيوية على التجمع.

***************************************

الشاعر المبدع صادق الصائغ .. وداعاً

ينعى الحزب الشيوعي العراقي رفيقه الوفيّ، الشخصية الثقافية الوطنية البارزة والشاعر المبدع صادق الصائغ، الذي رحل عن عالمنا مساء هذا اليوم، الأول من أيار2026 في مهجره بلندن، عن عمر فاق التسعين.

نشأ الفقيد وترعرع وسط عائلة وطنية في حي شعبي ببغداد، وفي أجواء انفتاح ونهوض وطنيين وثقافيين واسعين شهدتهما البلاد في ثلاثينيات واربعينيات القرن الماضي. وفي سنوات شبابه المبكر بدأ يخوض في النشاط السياسي الوطني من جانب، ويجرب الكتابة الأدبية من جانب آخر. ومثلما تتوّج تحركه السياسي في السنوات القليلة التالية بالاقتراب من الحزب الشيوعي فالالتحاق بصفوفه، تكللت محاولاته الأدبية بكتابة أولى الأشعار، التي سجل بها دخوله عالم الأدب من بابه الواسع.

وفي مجرى السنين والعقود اللاحقة برز الراحل شاعرا حداثيا متميزا، رفعته قصائده إلى مصافّ خيرة شعرائنا العراقيين المعاصرين.  كما تكشّف عن فنان متنوّع المواهب، خصوصا في الخط والتشكيل، وعن كاتب مقاليّ وناقد مسرحي وسينمائي لافت.

وعلى امتداد تلك السنين والعقود وحتى رحيله المؤسي، بقي أبو جعفر مخلصا لحزبه ورفاقه ومُثُله الوطنية والتقدمية، أمينا على قضية الناس والوطن.

كبيرة هي خسارة الثقافة العراقية ومثقفينا العراقيين، بفقدان الشاعر والفنان المجدد صادق الصائغ.

وكبيرة أيضا خسارتنا نحن في حزبه وبين رفاقه، وعلى صعيد أصدقائه وعارفيه ومحبيه الكثار.

للجميع خالص المواساة، ولأبي جعفر جميل الذكر ودائمه.

 

المكتب السياسي

للحزب الشيوعي العراقي

أول ايار 2026

**************************************

توحيد الرؤى المدنية ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل*

في ظل استمرار نهج المحاصصة وهيمنته على القرار الحكومي، وما نتج عنه من إضعاف لمؤسسات الدولة وتعطيل لإرادتها، تبرز الحاجة الملحة لتحرك أكثر جدية من قبل القوى الوطنية والمدنية، لتدارك حالة الفراغ المتزايد في المشهد السياسي.

غير أن الحديث عن “توحيد الخط المدني” يتطلب قدرًا من الدقة والمراجعة. فالتجارب السابقة أثبتت أن القوى والأحزاب المدنية ليست متجانسة، وأن محاولات التوحيد الشكلي غالبًا ما أعادت إنتاج الإخفاقات ذاتها. لذلك، فإن الأدق ليس السعي لتوحيد كيان سياسي واحد بقدر ما هو العمل على توحيد الرؤى والبرامج بين القوى المدنية الوطنية التي تشترك في مجموعة من الأهداف الأساسية.

وفي هذا السياق، يأتي تحرك اللجنة التنسيقية للحوار المدني الوطني كمبادرة تستهدف القوى التي تلتقي على ثوابت واضحة، أبرزها:

رفض المحاصصة، نبذ الطائفية والتعصب الهوياتي لصالح المواطنة الجامعة، حصر السلاح بيد الدولة، التأكيد على السيادة الوطنية واستقلالية القرار العراقي، بناء علاقات خارجية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، والسعي لتحقيق دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية.

إن الهدف من هذا المسار لا يقتصر على الحوار، بل يتجاوزه إلى بناء أرضية مشتركة للعمل السياسي والاحتجاجي، تنقل هذا الطيف من حالة التشتت إلى حالة الفعل المؤثر، ضمن رؤية واقعية ومستدامة.

وفي هذا الإطار، يبرز تساؤل مشروع: هل تم حسم شكل الإطار الذي يمكن أن يجمع هذا التنوع الواسع؟

إن الحديث عن “إطار موحد” قد يعني عمليًا تكريس انقسام جديد، خاصة وأن بعض هذه القوى يمتلك تحالفات وكيانات مسجلة لن يتخلى عنها. لذا، فإن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في بناء مظلة مشتركة مرنة، تستند إلى الأهداف المتفق عليها، دون أن تلغي خصوصية كل طرف أو تفرض اندماجًا قسريًا.

إن المرحلة الحالية تفرض علينا تجاوز الخلافات الثانوية، والعمل بروح جماعية مسؤولة، من أجل بناء مشروع وطني قادر على إعادة التوازن إلى المشهد السياسي، ووضع حد لاحتكار القرار من قبل قوى المحاصصة.

وختامًا، تبقى الدعوة مفتوحة لكل الوطنيين — من ناشطين وأكاديميين ومنظمات وقوى سياسية — للانخراط في هذا المسار، والمساهمة في بلورة رؤية مشتركة تليق بالعراقيين وتستجيب لتطلعاتهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*اللجنة التنسيقية للحوار المدني الوطني

**************************************

الصفحة الثالثة

بين الفيضان والتجاوزات.. نهر الفرات يكشف ما خفي من استغلال الضفاف في ذي قار!

بغداد – طريق الشعب

في ظل ارتفاع مناسيب نهري دجلة والفرات، تعود إلى الواجهة ملفات قديمة طالها النسيان، تتعلق بالتجاوزات على ضفاف الأنهار، خصوصاً في محافظة ذي قار، حيث تكشف المياه المتقدمة تدريجياً ما كان مخفياً لسنوات تحت ركام النفوذ والتغاضي.

التجاوز على الحوض النهري والمناطق المحرمة

يقول شهيد الغالبي، مسؤول سابق ومراقب للشأن المحلي من محافظة ذي قار، إن ذاكرة أبناء المحافظة ما زالت تحتفظ بما جرى بين عامي 2014 و2018، حين أُثيرت شبهات واسعة حول استحواذ مسؤولين وشخصيات سياسية على مساحات من شاطئ نهر الفرات، بما في ذلك مناطق مصنفة ضمن الحرم النهري التابع لوزارة الموارد المائية، في الامتداد الواقع باتجاه جامعة ذي قار وما بعدها.

ويضيف الغالبي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن "تلك الفترة شهدت إجراء تحقيقات وكشوفات ميدانية متعددة، كشفت عن وجود تجاوزات واضحة، تمثلت بإنشاء مشيدات داخل مناطق يحظر البناء فيها قانونا، نظراً لكونها جزءاً من الحوض النهري أو المناطق المحرمة المحاذية له".

ويشير إلى أن عدداً من هذه المنشآت تم هدمها لاحقاً، في مشهد كان واضحاً للعيان، ما أكد طبيعة المخالفات المرتكبة آنذاك".

ويؤكد الغالبي أن موجة الفيضان الحالية التي يشهدها نهرا دجلة والفرات كفيلة بإعادة كشف تلك التجاوزات، إذ تعمل المياه على إغمار حوض النهر، ما يعيد إظهار حدود المناطق المحرمة، ويكشف حجم التعديات التي طالتها خلال السنوات الماضية.

وفي سياق الحديث عن تفاصيل الملف، يلفت إلى أن العديد من الأطراف تمتنع عن الإدلاء بمعلومات دقيقة بشأن هذه القضية، نتيجة ما يحيط بها من تجاذبات سياسية وعشائرية، ما يجعلها من الملفات الحساسة داخل المحافظة، رغم أن معالمها لا تزال واضحة لدى السكان المحليين.

استخدامات مفرطة للمياه

 من جانبه، يوضح عضو مجلس محافظة ذي قار أحمد سليم أن طبيعة هذه التجاوزات تختلف بين مراكز المدن وبين المناطق الريفية، مشيراً إلى أن أغلب ما يسجل داخل المدن يرتبط بمشيدات مؤقتة وغير ثابتة، مثل الأكشاك وبعض الاستخدامات الخفيفة وهي تعتبر غير متجاوز، وليس ببناء ثابت أو كونكريتي".

ويبين سليم لـ"طريق الشعب"، أن الجهات البلدية والحكومية داخل المدن اتخذت إجراءات قانونية لمنع البناء الثابت ضمن محرمات الأنهر"، لافتاً إلى أن عدداً من التجاوزات تم رفعها فعلياً، ومن بينها إزالة التجاوزات التي كانت موجودة على كورنيش الناصرية بشكل كامل، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن بعض الحالات البسيطة من البناء غير الثابت ما زالت تظهر هنا وهناك، ويتم التعامل معها وفق الحاجة، خصوصاً عند تنفيذ أعمال كري الأنهر أو مشاريع خدمية تتطلب الإزالة المؤقتة.

وفي ما يتعلق بالجانب المائي، يؤكد سليم أن ذي قار، بوصفها محافظة زراعية، تواجه تحديات تتعلق بالالتزام بالحصص المائية، مشيراً إلى وجود تجاوزات على الحصص المخصصة للمحافظة، سواء من قبل بعض الأقضية والنواحي الواقعة على مقدمة الأنهر أو حتى من محافظات مجاورة مثل واسط.

ويضيف أن هذه التجاوزات تبدأ منذ دخول نهري دجلة والفرات إلى المحافظة، حيث تسجل استخدامات مفرطة من قبل بعض الفلاحين والجهات الزراعية، ما يؤدي إلى عدم عدالة في توزيع المياه بين المناطق، وهو ما يتطلب، بحسب تعبيره، تعزيز إجراءات التنظيم والرقابة لضمان وصول الحصص المائية بشكل متوازن إلى جميع الأقضية والنواحي.

ضوابط على الورق فقط

من جانبه، يقول سجاد ستار، ناشط سياسي من المحافظة، ان الوصول إلى معلومات رسمية يتطلب متابعة من الجهات المختصة، لاسيما دوائر الموارد المائية في المحافظة، التي تمتلك البيانات والتفاصيل المتعلقة بهذه التجاوزات، داعياً إلى طرح الملف بشكل مهني ورسمي عبر القنوات الحكومية، للكشف عن الحقائق المرتبطة به.

ويضيف ستار لـ"طريق الشعب"، أن "ما يشهده نهر الفرات من تجاوزات لم يعد يقتصر على الاستخدامات غير المنظمة للمياه، بل يشمل أيضاً حالات تعد على حرم النهر نفسه، رغم التعليمات الصادرة من وزارة الموارد المائية التي تنص على ضرورة الابتعاد مسافة لا تقل عن 30 متراً عن مجاري المياه".

ويشير إلى أن هذه الضوابط، رغم وضوحها، لا يتم الالتزام بها بشكل كامل على أرض الواقع، حيث ما زالت بعض الأنشطة والممارسات تمتد إلى داخل نطاق الحرم النهري، ما يفاقم الضغط على مجرى الفرات ويؤثر على بيئته الطبيعية وانسيابية المياه.

ويضيف أن استمرار هذه التجاوزات، سواء المتعلقة باستخدام المياه بشكل غير قانوني أو التعدي على مسافة الحماية المحددة، يعكس ضعف الرقابة الميدانية، ويزيد من تعقيد الأزمة المائية في المحافظة، خاصة في ظل شح الإطلاقات المائية أصلاً.

ويشدد سجاد على أن معالجة هذا الملف تتطلب تطبيق صارماً لتعليمات وزارة الموارد المائية، وعدم التساهل مع أي تجاوز، إلى جانب تنظيم النشاطات القريبة من النهر بما يضمن حماية مجراه ومنع استغلاله خارج الأطر القانونية، حفاظاً على هذا المورد الحيوي للأجيال القادمة.

تعزيز الرقابة وتنظيم الاستخدامات

وفي جانب آخر من ملف التجاوزات في مناطق الريف، يقول الفلاح شمخي جبوري، إن طبيعة الاستخدامات على الأنهر الرئيسة تختلف عما يُطرح من حديث عن تجاوزات تجارية، مبيناً أنه لا توجد أنشطة تجارية واضحة داخل هذه المناطق بقدر ما توجد معرقلات مرتبطة بظروف انخفاض مناسيب المياه والحاجة إلى إيصالها لبعض الحقول الزراعية.

ويضيف جبوري أن بعض الأهالي القريبين من مجاري الأنهر يستفيدون من الحافات الطبيعية للنهر، وفي حالات ارتفاع المناسيب لا يتمكنون من حمايتها بالشكل الكامل، ما يؤدي إلى تغيّرات مؤقتة في شكل الضفاف واستخداماتها.

وأشار إلى وجود استحداثات لمشاريع إروائية تقام بحسب الحاجة، بعضها يرتبط بعوامل النفوذ أو الجاه، الأمر الذي قد يؤثر على كميات المياه المتاحة وتوزيعها بين المناطق الزراعية المختلفة.

وشدد على أهمية تعزيز الرقابة وتنظيم الاستخدامات بما يضمن عدالة توزيع المياه ومنع أي تأثيرات غير متوازنة على الحصص المائية للحقول.

العراق في الصحافة الدولية

ترجمة وإعداد: طريق الشعب

هل انتهى الانسداد السياسي حقاً؟!

اهتمت وسائل الإعلام الدولية بقرار رئيس الجمهورية تكليف رجل الأعمال علي الزيدي بمهمة تشكيل حكومة جديدة بعد أكثر من خمسة أشهر من الانتخابات التشريعية، وفي ظل خروقات للمهل الدستورية.

حل اللحظة الأخيرة

ففي جريدة The New York Times، كتبت أفران ليفني مقالاً أشارت فيه إلى أنه بعد أشهر من التوترات والضغوط من الولايات المتحدة وإيران، الدولتين اللتين تتمتع بغداد بعلاقات وثيقة معهما وتجد نفسها غالباً عالقة بينهما، تم اختيار رجل أعمال رئيساً للوزراء، وتعهدت القوى السياسية التي رشحته بدعمه لتنفيذ مهمته وتشكيل حكومة خلال 30 يوماً.

وذكرت الكاتبة أن هذا الاختيار أسقط فرص رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي في الفوز بالموقع، لاسيما بعد تهديد الرئيس ترامب بسحب الدعم الأمريكي عن العراق إذا ما تم اختيار المرشح. ويأتي ذلك في خضم توتر كبير في العلاقات بين بغداد وواشنطن، تمثل في تعليق الدعم المقدم للأجهزة الأمنية العراقية وإيقاف التعاون الأمني وتمويل وزارة الدفاع وحجب الأموال الناجمة عن مبيعات النفط، وذلك رداً على الهجمات التي استهدفت القوات الأمريكية من قبل قوى مسلحة عراقية حليفة لإيران، وسعياً من البيت الأبيض لإجبار حكومة بغداد على النأي بنفسها عن طهران.

قراءات غربية

وفي تقرير حول هذا الأمر، ذكرت صحيفة لوموند الفرنسية أن ترشيح الزيدي جاء بعد أشهر من المناقشات والخلافات بين أطراف السلطة، وفي ظل ضغوط كبيرة من واشنطن وطهران، وسعي هذه الأطراف لتجنب الإجراءات العقابية وتحاشي الانزلاق في الصراع الإقليمي.

وترى الصحيفة أن مهمة المكلف لا تبدو سهلة، بل شاقة جداً، في بلد نادراً ما تُحترم فيه المواعيد الدستورية، ويمر بظروف معقدة بدأت مع الغزو الأمريكي عام 2003، والذي أدى إلى صراع أهلي ومهّد أيضاً لتوسع النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة، ما جعل تحقيق التوازن بين واشنطن وطهران مهمة بالغة التعقيد.

كما أن عرف المحاصصة غير الدستوري شكّل عقبة أمام انسيابية العمل السياسي، وتسبب في أزمات متكررة بعد كل انتخابات تشريعية، ما أدى إلى عدم احترام المواعيد الدستورية خلال عقود من الصراعات. ورغم الثروة النفطية وتمتع البلاد ببعض الاستقرار خلال العقد الماضي، بقيت السياسة متقلبة وتتأثر بالنزاعات الداخلية والديناميات الإقليمية.

وما يزيد من صعوبة المهمة تزامنها مع الحرب التي اندلعت إثر هجوم أمريكي ـ إسرائيلي مشترك على إيران، وانخراط العراق في هذا الصراع بمستويات مختلفة، إضافة إلى حاجة بغداد إلى تحسين علاقاتها مع دول الخليج، ومعالجة الأزمات الاقتصادية، خاصة بعد انخفاض الدخل بسبب اضطراب مضيق هرمز، إذ تمثل صادرات النفط نحو 90 في المائة من إيرادات الموازنة.

مليونير رئيساً للحكومة

وفي تقريرها عن العراق، ذكرت صحيفة Copenhagen Post الدنماركية أن البلاد ستشهد تشكيل أول حكومة يقودها مليونير من الشريحة المالية والعقارية التي نمت بعد 2003، خصوصاً مع تحسن الوضع الأمني. وتساءلت الصحيفة عما إذا كان ممثل هذه الشريحة قادراً على معالجة تلال المشاكل التي تواجه البلاد، وفي مقدمتها إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة وإيران، والتحديات الاقتصادية في ظل اقتصاد ريعي هش.

نخبة جديدة

وكتب سنان محمود في صحيفة The National  تقريراً أشار فيه إلى أن القوى المتنفذة، التي أرادت الخروج من صراعاتها الداخلية، لم تلجأ إلى سياسي مخضرم، بل إلى ملياردير شاب كمرشح توافقي لمنصب رئيس الوزراء، ما يعكس صعود نخبة عراقية جديدة ثرية وذات نفوذ واسع.

وذكر التقرير أن الإمبراطورية المالية للمرشح جاءت من تزويد برنامج البطاقة التموينية في العراق، إضافة إلى استثمارات في قطاعات البنوك والبناء والعقارات والسياحة والزراعة والغذاء والزجاج والتعليم والخدمات الطبية والطاقة. وأشار إلى أن المرشح لم يكشف حتى الآن عن المؤسسات التعليمية التي تخرج منها، ولا يمتلك تاريخاً سياسياً.

نشاط مالي واسع

وأضاف الكاتب أن تعاملات المرشح التجارية مع الدولة تستدعي قدراً كبيراً من التدقيق، إذ يدير استثمارات تُقدّر بنحو 500 مليون دولار، ويمتلك عقوداً طويلة الأجل لتوريد المواد الغذائية لبرنامج البطاقة التموينية وتقديم خدمات غذائية للجيش. ويرتبط اسمه، وفق الصحيفة، أيضاً بالقطاع المصرفي العراقي، الذي وُجهت إليه اتهامات واسعة بالفساد واستُخدم من قبل أحزاب سياسية لجمع الأموال وتهريب الدولار إلى دول خاضعة للعقوبات. واختتمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى جملة الصعوبات السياسية والاقتصادية التي ستواجه مهمة المرشح.

**************************

عين على الأحداث

عين الحسود..

أظهر تقريرٌ صادر عن منصة التحليل الرقمي حول مؤشر حرية الإنترنت لعام 2026 أن العراق سجّل 16 نقطة من أصل 100، ليُصنَّف ضمن الدول ذات الحرية الرقمية المحدودة مقارنةً بالمتوسط العالمي، جراء التضييق على حرية التعبير والخصوصية الرقمية، وتدنّي القدرة على استخدام الشبكة بحرية، والوصول إلى المواقع والتطبيقات، وتغوّل الرقابة والقيود الحكومية على المحتوى والخدمات الإلكترونية. وفيما يمثّل الإنترنت اليوم البوابة الأساسية لتطوير معارف الناس وتحديث المجتمع وتعزيز التنمية، فإن تنظيم الانتفاع به وتشذيب خدماته يتطلب خبرةً تقنية وسياسية وفكرية، يفتقر إليها – كما يبدو – من أُوكلت إليهم هذه المهمة في دولة المحاصصة والفساد.

دعم مضبوط!!

انطلقت في البلاد عمليات حصاد القمح في ظل آمال كبيرة بمحصول وفير بعد شتاء وربيع ممطرين، مما يمكن أن يقلل من مخاطر الاضطرابات في المنطقة على الأمن الغذائي. غير أن هذه الآمال سرعان ما تبددت، إذ لم تقم وزارة النفط بتجهيز أصحاب الحاصدات بالكميات المطلوبة من الوقود، في ظل عجز الفلاحين عن شرائه من السوق السوداء لارتفاع أسعاره، ولأن الكثير منهم لم يستلموا حتى الآن مستحقاتهم المالية عن تسويق محصول الحنطة للموسم الماضي. هذا، ويعرب الفلاحون عن قناعتهم بتعمّد "أولي الأمر" التضييق عليهم، عسى أن يهجروا مهنتهم، فيغدو السوق ساحةً مفتوحة للاستيراد المنفلت.

بس راسهم سالم!!

بعد توقفٍ مؤقت لاحتجاجات موظفي شركة الخطوط الجوية العراقية، كشف خبراء عن تراجع حاد في عدد الطائرات العاملة لتصل إلى 7 طائرات فقط، في ظل أزمة إدارية ومالية خانقة، وشبهات فساد، وعدم توفر المواد الاحتياطية، وغياب مراكز صيانة محلية، وبقاء الحظر الأوروبي عليها، وعدم وصول التحقيقات التي تجريها الحكومة والبرلمان في ملفات الشركة إلى ما ينقذها من الانهيار. ورغم أن هذه المشكلة مستمرة منذ سنوات، فإن بعض مراكز القوى في منظومة المحاصصة تتعمد التهاون بالإصلاح كي تبقى هذه المؤسسة تدرّ عطايا لهم، دون أن يهمّ هذا البعض التأثير السلبي للتخلف والفوضى على سمعة البلاد.

وين أكو سلاح منفلت؟!

كشفت وزارة الداخلية عن استلام وتدقيق 310,000 استمارة تسجيل حيازة سلاح حتى الآن، فيما وصل عدد الأسلحة المؤرشفة في البنك الوطني للأسلحة إلى (5,800,000) قطعة سلاح مرمزة ومعروفة. وأكدت الوزارة أن عملية التسجيل تلقى إقبالًا كبيرًا، حيث سيتم اتخاذ إجراءات قانونية بحق من لم يقم بتسجيل سلاحه قبل بداية العام المقبل. الناس الذين أفرحتهم هذه الجهود الخيّرة يتساءلون عن المبررات التي تشرعن كل هذا الكم من الأسلحة، سواء من قبل السلطات حين تمنح رخصة حيازتها، أو من قبل المواطنين الذين يمتلكونها؛ فالدول المستقرة والمتقدمة تحصر السلاح بيد جهة واحدة هي القوات المسلحة.

إلى متى؟!

سجلت وزارة الداخلية سبعة آلاف حالة عنف أسري خلال الربع الأول من عام 2026، حيث جاءت بغداد في مقدمة المحافظات. وبيّنت الوزارة أن أغلب هذه الحالات كانت ضد النساء والأطفال، وشملت العنف الجسدي بشكل رئيسي، إلى جانب العنف اللفظي والنفسي والجنسي. وفي الوقت الذي تؤكد فيه هذه المعطيات استمرار هذه الجرائم الخطيرة من دون رادع قانوني وعملي، وبقائها عند المستوى العالي نفسه لعام 2025، الذي شهد أساسًا زيادة في عدد هذه الجرائم بنسبة 150في المائة مقارنةً بعام 2024، ما تزال الأقلية المستبدة الحاكمة مصرّة على عدم تشريع قانون ينقذ الأسر من هذه المصيبة.

*********************************

الصفحة الرابعة

القبول الاجتماعي للظاهرة يرسّخ الأزمة بدل حلّها عمالة الأطفال.. فقرٌ مستدام وتعطيل للتشريعات يدفع الصغار إلى سوق العمل ومخاطره

بغداد – تبارك عبد المجيد

في مشهد يتكرر يومياً عند مواقع الطمر في أطراف المدن، ينشغل أطفال صغار بفرز النفايات بحثاً عن مورد رزق، في بيئة تفتقر لأبسط شروط السلامة، وسط غياب فعلي للحماية القانونية والاجتماعية، ما يعكس تعقيداً عميقاً في ملف عمالة الأطفال في العراق.

حرمان متعدد الأوجه

تقول براء محمود، ناشطة ومدافعة عن حقوق الإنسان، تهتم بملف حماية الطفل، إن الأطفال العاملين في مواقع الطمر يواجهون حرمانا متعدد الأوجه، يبدأ بانتهاك حقهم في التعليم، ولا ينتهي عند تعرضهم لمخاطر صحية جسيمة نتيجة العمل في بيئات ملوثة وخطرة. وتوضح أن استغلال أوضاعهم الاقتصادية يدفع بهم إلى أعمال منخفضة الأجر وغير منظمة، تتعارض بشكل مباشر مع مبادئ اتفاقية حقوق الطفل، خصوصاً ما يتعلق بالحماية من العمل الخطر، والحق في التعليم والعيش بكرامة.

وتؤكد محمود لـ"طريق الشعب"، أن هذا الواقع لا يمكن اعتباره مجرد مساهمة من الطفل في إعالة أسرته، بل هو شكل صريح من أشكال عمالة الأطفال الخطرة، يصل إلى حد كونه "جريمة بحق الطفولة"، لما يتركه من آثار نفسية وجسدية طويلة الأمد.

وترى محمود أن الفقر يمثل أحد أبرز العوامل التي تدفع الأطفال إلى سوق العمل، في ظل تدني المستوى الاقتصادي للأسر، وعدم قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية. ويزداد الأمر تعقيداً في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، التي تعاني من نسب بطالة مرتفعة، وضعف في الخدمات التعليمية، حيث تعاني المدارس من الاكتظاظ وتراجع جودة التعليم، ما يجعل ترك الدراسة خياراً "طبيعياً" لدى كثير من العائلات، مقابل التوجه إلى العمل في الشوارع أو مواقع الطمر.

وتلفت إلى أن النزاعات التي شهدها العراق، خاصة بعد عام 2003، وما رافقها من فقدان للمعيل وتراجع في دور الدولة، أسهمت في دفع العديد من الأطفال إلى العمل في سن مبكرة، في ظل غياب التعويضات والدعم الكافي للأسر المتضررة، ما رسخ هذا الواقع كجزء من الحياة اليومية.

المجتمع صار يتقبل عمالة الأطفال

وتضيف أن أحد أخطر التحولات يتمثل في تنامي تقبل المجتمع لعمل الأطفال، حيث أصبح مشهداً مألوفاً لا يثير الاستغراب، نتيجة ضعف أنظمة الحماية الاجتماعية وغياب المحاسبة، الأمر الذي يكرّس الظاهرة بدلاً من الحد منها.

وفي تقييمها للإجراءات الحالية، تؤكد محمود أن هناك قصوراً واضحاً لا يرتبط فقط بغياب القوانين، بل بضعف تطبيقها، إذ إن التشريعات موجودة لكنها تفتقر إلى الرقابة الفاعلة، فضلاً عن غياب التنسيق بين الجهات الحكومية، وقلة البرامج الواقعية التي تستهدف دعم الأسر الفقيرة، ما أدى إلى تفكك منظومة الحماية بشكل عام.

وتحذر من أن التعامل غير الجدي مع هذه القضية أدى إلى اتساع فجوة خطيرة، مشيرة إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في نقص التشريع، بل في "فجوة التنفيذ" التي تعرقل أي تقدم حقيقي في هذا الملف.

وتطرح محمود جملة من الحلول التي يمكن أن تسهم في الحد من الظاهرة، من بينها فرض إلزامية التعليم دون استثناء، وتقديم دعم مالي مباشر للأسر الفقيرة، إلى جانب توفير وجبات مدرسية أو حوافز تشجع الأطفال على العودة إلى مقاعد الدراسة. كما تدعو إلى اعتماد برامج تعليم مرنة، مثل الدوام المسائي، لاستيعاب الأطفال العاملين، فضلاً عن ضرورة توفير فرص عمل لائقة للبالغين لتقليل اعتماد الأسرة على دخل الطفل.

وتشدد كذلك على أهمية إتاحة المجال أمام منظمات المجتمع المدني للتدخل عبر برامج حماية وإعادة دمج الأطفال، بالتوازي مع حملات توعية مجتمعية تؤكد أن تعليم الطفل هو استثمار في المستقبل، وليس عبئاً اقتصادياً على الأسرة.

أطفال بين الدراسة والعمل

يقول حسين العكيلي، يعمل معلما في احدى المدارس الحكومية، إن "الظروف الاقتصادية باتت اليوم المحرك الرئيس لتسرب الطلبة من المدارس، إذ نلاحظ تزايد حالات الغياب المرتبطة بالعمل، حيث يضطر عدد من الأطفال إلى التوجه لأعمال شاقة بعد الدوام أو خلاله، فيما يصل بعضهم إلى الصفوف وهم في حالة إرهاق شديد أو دون تركيز، بسبب ما يتحملونه من أعباء تفوق أعمارهم".

ويضيف لـ"طريق الشعب"، أن "كثيراً من الطلبة يبدأون بمحاولات جادة للجمع بين الدراسة والعمل، لكنهم سرعان ما يواجهون صعوبة في الاستمرار، إذ يتراجع مستواهم الدراسي تدريجياً، ويشعرون بالعجز أمام متطلبات الدراسة، ما يدفعهم إلى الانسحاب بصمت، رغم امتلاكهم رغبة حقيقية في التعلم".

ويشير إلى أن "الجانب النفسي لا يقل أهمية، فبعض الطلبة يعانون من شعور دائم بالحرج نتيجة أوضاعهم المعيشية، سواء بسبب ملابسهم أو عدم قدرتهم على توفير المستلزمات الدراسية، ما يجعلهم عرضة أحياناً لتعليقات أو سلوكيات مؤذية من قبل أقرانهم، الأمر الذي يعزز لديهم الرغبة في الابتعاد عن البيئة المدرسية".

ويتابع، أن "بعض الطلبة الذين ينقطعون عن الدراسة يتحولون بشكل كامل إلى سوق العمل، ونفقد التواصل معهم تدريجياً، في حين تبقى فرص إعادتهم إلى التعليم قائمة لكنها تحتاج إلى تدخل مبكر ودعم حقيقي، خاصة أن عدداً منهم لا يزال يحتفظ برغبة داخلية في العودة إلى مقاعد الدراسة".

ويؤكد، أن "دور المدرسة يتركز على الاحتواء وتقديم الدعم المعنوي، وأحياناً المساعدة بوسائل بسيطة مثل توفير القرطاسية أو متابعة حالات الغياب، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة أمام حجم المشكلة"، مشدداً على أن "معالجة الظاهرة تتطلب سياسات واضحة وبرامج دعم موجهة للعائلات الفقيرة، إلى جانب تفعيل التعليم المسرع ومراكز محو الأمية، لفتح باب العودة أمام الطلبة الذين أجبرتهم الظروف على ترك التعليم".

وفي وقت تتزايد فيه التحديات التي تحيط بالأطفال، تبرز إشكاليات قانونية واجتماعية تعكس فجوة واضحة بين النصوص التشريعية والتطبيق الفعلي على أرض الواقع، ما يضع الاف الأطفال أمام مصير غير مستقر تتداخل فيه مخاطر الفقر والاستغلال وغياب الحماية.

حقوق معرضة لانتهاك مستمر

من جهتها، تقول منى جعفر، مختصة بالشأن القانوني إن الطفل العراقي يواجه اليوم واقعاً قانونياً هشاً، فرغم وجود نصوص تكفل حقوقاً أساسية كالتعليم والرعاية الصحية، إلا أنها تبقى ناقصة من حيث التنفيذ، وتفتقر إلى أدوات رقابية فعالة تضمن الالتزام بها، ما يجعل هذه الحقوق عرضة للانتهاك المستمر.

وتشير جعفر في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن الإشكالية لا تقف عند حدود ضعف التطبيق، بل تتعداها إلى تضارب واضح في بعض القوانين، ففي الوقت الذي تُرفع فيه شعارات حماية الطفولة، لا تزال هناك ثغرات قانونية تسمح بتزويج القاصرات، وهو ما يفتح الباب أمام استغلال الفتيات الصغيرات وحرمانهن من حقهن في التعليم والنمو الطبيعي، ويدفع بهن في كثير من الأحيان إلى مواجهة أعباء معيشية قاسية قد تنتهي بهن في سوق العمل غير القانوني.

وتسلط منى الضوء على تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال، مؤكدة أن غياب الرقابة القانونية الصارمة أسهم في انتشارها بشكل مقلق، حيث يعمل الأطفال في بيئات خطرة وغير آمنة، ويتعرضون لأضرار جسدية ونفسية، في وقت كان من المفترض أن يكونوا فيه داخل المدارس، ما ينذر بتكوين جيل يعاني من هشاشة معرفية ونفسية عميقة.

وتضيف أن ملف الأطفال المشردين يكشف جانباً آخر من الأزمة، إذ تعاني دور الإيواء الحكومية من محدودية السعة الاستيعابية، ما يصعّب عملية إيداع الأطفال فيها لحمايتهم، فضلاً عن ضعف الإمكانات وقلة الكوادر المختصة.

وتوضح أن عدد مراقبي العمل في بغداد محدود جداً، ولا يتناسب مع حجم الظاهرة، الأمر الذي يضعف قدرة الجهات المعنية على متابعة الانتهاكات وضبطها.

وتلفت الى ان "قانون حماية حقوق الطفل، الذي بقى معلقاً منذ ثلاث دورات برلمانية دون إقرار، رغم ما يمثله من إطار قانوني شامل، يمكن أن ينظم حقوق الطفل ويحد من عمالة الأطفال، ويغلق الثغرات التي تسمح باستغلال القاصرات، فضلاً عن فرض عقوبات رادعة بحق المخالفين".

وترى منى أن استمرار تعطيل هذا القانون لا يعني سوى تأجيل الحلول وتعميق الأزمة، مشددة على أن حماية الطفل يجب أن تتحول من شعارات إلى التزام فعلي يبدأ من المؤسسة التشريعية، ويمتد إلى مؤسسات الدولة كافة، لضمان بيئة آمنة تتيح للأطفال حياة كريمة ومستقبلاً أكثر استقراراً.

************************************

لماذا نعترض على ترشيح الزيدي؟ محمد عبد الجبار الشبوط

معارضة ترشيح السيد علي الزيدي لرئاسة مجلس الوزراء لا تنطلق – في جوهرها – من موقف شخصي بقدر ما تنطلق من اعتراض على معايير الاختيار نفسها، وعلى ما تكشفه هذه العملية من خلل بنيوي في النظام السياسي.

أولاً، لأن ترشيح أي شخصية لا تمتلك برنامجًا حكوميًا واضحًا ومعلنًا يعني أن المنصب يُتعامل معه بوصفه غاية بحد ذاته، لا أداة لتنفيذ رؤية إصلاحية. الدولة لا تُدار بالنوايا ولا بالشخصيات المجردة، بل بخطط محددة تتناول الاقتصاد، والخدمات، والعلاقات الخارجية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة. وعندما يغيب البرنامج، يصبح رئيس الوزراء مجرد واجهة لتوازنات القوى.

ثانيًا، لأن غياب الوزن السياسي أو الانتخابي الحقيقي يطرح إشكالية الشرعية. في الأنظمة الديمقراطية، حتى البرلمانية منها، يفترض أن يكون رئيس الحكومة معبّرًا – بشكل مباشر أو غير مباشر – عن إرادة أغلبية واضحة. أما تقديم شخصية لا تمتلك هذا الامتداد الشعبي، فيعني عمليًا أن القرار انتقل من المجال العام إلى غرف التفاهمات المغلقة.

ثالثًا، لأن طريقة الترشيح تكشف استمرار الخلل في تفسير المادة 76 من الدستور، ولا سيما مفهوم “الكتلة النيابية الأكثر عددًا”. هذا الغموض سمح مرارًا بإنتاج حكومات لا تستند إلى أغلبية حقيقية (50%+1)، بل إلى تحالفات هشة، وهو ما يؤدي إلى حكومات ضعيفة منذ لحظة ولادتها، وعاجزة عن اتخاذ قرارات حاسمة.

رابعًا، لأن تكرار هذا النمط من الترشيحات يعمّق أزمة الثقة بين المواطن والنظام السياسي. حين يرى المواطن أن من يتقدم لإدارة الدولة لا يقدّم نفسه عبر مشروع واضح ولا يستند إلى تفويض شعبي معتبر، فإن النتيجة الطبيعية هي مزيد من العزوف، ومزيد من الشعور بأن العملية السياسية مغلقة على نفسها.

خامسًا، لأن المشكلة لم تعد في الشخص بقدر ما هي في النموذج. أي مرشح يأتي ضمن هذه الآلية سيواجه المصير ذاته: حكومة ضعيفة، محكومة بالتوازنات، غير قادرة على الإصلاح الحقيقي. لذلك فإن الاعتراض هنا هو اعتراض على “طريقة إنتاج السلطة” وليس فقط على اسم المرشح.

سادسا، هناك كلام عن تعارض مصالح في حالة الزيدي شخصيا. وقد أشار النائب السابق رائد المالكي الى ذلك بقوله ان المرشح على الزيدي

"يمتلك عشرات الشركات ومئات العقود التجارية مع الحكومة وهو سيرأسها الان". ويتعين التحقيق والتحقق من هذا الامر قبل توليه مقاليد المنصب.

الخلاصة أن معارضة هذا الترشيح تعني الدفاع عن مبدأ أساسي: لا شرعية بلا أغلبية واضحة، ولا حكم بلا برنامج، ولا دولة مستقرة بلا قواعد دستورية حاسمة في اختيار السلطة التنفيذية. ومن دون ذلك، سيبقى العراق يدور في حلقة إعادة إنتاج الأزمة نفسها، مهما تغيّرت الأسماء.

**********************************

شركات احتكارية ستحكم العراق قريباّ!

فلاح المشعل

فشلت أحزاب السلطة في العراق في أن تتحول إلى قوى حاكمة فاعلة اجتماعيًا وسياسيًا، لكنها خلال عقدين من الزمن نجحت في التحول إلى مؤسسات ريعية تحصد الأموال وتكنزها عبر لجانها الاقتصادية، التي تجبي نسبًا من العقود وإيرادات الوزارات والدوائر التابعة لها وفق منهج المحاصصة، وهذه القاعدة تنطبق على جميع الأحزاب التي نالت حصتها من تقاسم إيرادات الدولة ضمن نظام اقتصادي ريعي.

بعد عشرين عامًا من الحكم، أصبحت هذه الأحزاب أشبه بمجموعة شركات قابضة، حيث بات كل شيء فيها مرهونًا بالأرقام ومنطق التجارة، كم الربح؟ وقد امتد هذا المنطق من شراء أصوات الناخبين إلى تأجير الوزارات أو الهيئات لمستثمرين وتجار ومتعهدين، في حال تعذر على شركاتها الاستثمار المباشر في هذا القطاع! وهكذا تحولت الوزارات إلى ملكيات شبه خاصة للأحزاب، بمواردها ودرجاتها الوظيفية ومفاصلها التي تحقق الربح.

هذه الوقائع، بما تحمله من غرابة، كشفت عن ظاهرة تزايد أعداد الأحزاب المتنافسة، إذ تجاوز عددها الأربعمئة حزب. وانعكس ذلك على تضخم أحزاب المكونات أيضًا، فقبل عشرين عامًا لم تكن الأحزاب الشيعية تتجاوز أربعة أو خمسة، بينما نجد اليوم ضمن الإطار التنسيقي وحده اثني عشر حزبًا، وكذلك الحال بالنسبة للأحزاب السنية، التي كانت لا تتعدى حزبين، وأصبحت اليوم خمسة أو ستة، وينطبق الأمر نفسه على الأحزاب الكردية، التي انتقلت من حزبين رئيسيين (الديمقراطي والاتحاد) إلى نحو خمسة أحزاب لها حضور ومقاعد برلمانية، ناهيك عن الأحزاب في المحافظات والتي تمارس ذات المنهجية.

لقد تحولت الأحزاب العراقية المتصدرة للسلطة إلى إمبراطوريات مالية، وأصبح تفكيرها منصبًا على معدلات الربح والفائدة، كأي شركة تجارية، ومن هنا تعطّل لديها التفكير السياسي، وأصيبت بما يمكن تسميته بـ”البلادة الواقعية”، إذ لم تعد ترى سوى مصالحها، وتسعى لاستغلال أي مجال متاح، سواء في بناء مول أو جامعة أو مستشفى أو بنوك أو مجمعات سكنية وغيرها، ويقابل ذلك عجز واضح عن إيجاد حلول حتى لقضايا الحكم نفسها، مما أدى إلى توقف العملية السياسية عن التقدم، وتعقّد الأزمات إلى حد الانسداد، ليس سياسيًا فقط، بل في مختلف المجالات.

وقد أدى هذا الواقع إلى طرح فكرة إسناد تشكيل الحكومة إلى شخصية من خارج الوسط السياسي المترهل، فجاء تكليف رجل أعمال ومصرفي السيد علي الزيدي ، رجل لا يُعرف له تاريخ سياسي يُذكر، لكنه حظي بمباركة داخلية وخارجية، بما في ذلك دعم الولايات المتحدة الأمريكية، ويُعد هذا مؤشرًا واضحًا على فشل الأحزاب في أداء دورها السياسي وتحولها إلى كيانات ربحية تستنزف المال العام.

إن نجاح تجربة "الزيدي " في تشكيل حكومة أكثر كفاءة — أو أقل فشلًا من سابقاتها — قد يفتح المجال أمام منطق رأس المال ليتقدم على العمل السياسي، مما يتيح للشركات الاحتكارية التنافس على حكم العراق وفق قواعد السوق، وعندها قد تصبح الأحزاب الحاكمة قيد للإزاحة، حين يدرك المجتمع زيف تمثيل “المكون”، وأن وجوده استُخدم بوصفه مجرد أرقام لتحقيق أرباح سياسية ومالية.

****************************************

الصفحة الخامسة

مهنة المُعدمين في بلاد الثروات! {النبّاشة} تُنهي ملامح الطفولة وسط المطامر

 متابعة – طريق الشعب

وسط دخان حرق النفايات الخانق في مواقع الطمر الصحي المتزايدة في العراق، ينحني أطفال صغار باحثين عن بقايا لعبٍ حلموا بها، عن حاجيات طفولية بسيطة.. وبينما تواصل أيديهم العارية النبش، تبرز أحياناً كتب مدرسية أو دفاتر مهملة، يلتقطها أحدهم بفضولٍ خجول، يقلب صفحاتها سريعاً، متوقفاً عند الصور التي تختصر له عالماً لم يُتح له أن يدخله يوماً!

الأحلام هنا لا تبدو كبيرة أو بعيدة، فحلم أحدهم لا يتجاوز غرفة هادئة وكتاباً يستطيع قراءته دون خوف أو خجل. لكن في هذا المكان تتحول الكتب من وسيلة للتعلم إلى شاهدٍ صامت على أطفالٍ انتشلتهم الحاجة من مقاعد الدراسة ورمت بهم في مكبّات النفايات!

وبينما ينشغل الأطفال في البحث عن ألعابٍ مكسورة أو بقايا دمى متهرئة، ينكبّ آباؤهم وأمهاتهم على فرز ما يمكن تحويله إلى مصدر دخل بائس، من علبٍ معدنية وبلاستيك وقطع حديد، يجمعونها بصمتٍ مثقلٍ بالتعب. تتداخل حركات الأيدي الصغيرة مع أيادي الكبار في مشهدٍ واحد. حيث تتحول مكبّات النفايات إلى مساحة عملٍ قاسية للعائلات بأكملها، لا تفصل بين الطفولة ولقمة العيش. بعض هؤلاء الصغار لا يعرفون طريق المدرسة، أو تركوها مبكرا، ليجدوا أنفسهم في مواجهة يومية مع بيئة ملوثة ومخاطر صحية، فيما تراقبهم أمهاتهم عن قرب، بين الخوف عليهم والحاجة إلى ما يجمعونه من أشياء بالكاد تسدّ رمق العيش!

وتكشف هذه المشاهد عن اتساع ظاهرة "النبّاشة". وهي مهنة نشأت وتوسعت على هامش الأزمات الاقتصادية وتراجع فرص العمل، حتى باتت وسيلة عيش رئيسة لآلاف العائلات. ورغم أن البلاد تُصنّف ضمن الدول الغنية بالثروات الطبيعية، إلا أن هذا الغنى لا ينعكس على شرائح واسعة من المجتمع، التي اضطرت للبحث عن لقمة عيشها في النفايات. وبين مفارقة الوفرة في الموارد وشحّ الفرص، تتكرّس هذه المهنة كأحد وجوه الفقر الخفي، حيث يُعاد تدوير ما يُرمى، ليس من باب الاقتصاد البيئي، إنما كخيار أخير للبقاء!

أحلام بسيطة

يقول الفتى باسم صباح، الذي يعمل نباشا مع عائلته: "أكثر ما يؤلمني ليس التعب ولا الغبار ولا الدخان، بل اللحظة التي أعثر فيها أثناء النبش على كتبٍ مدرسية. أفتحها بحذر، أتأمل الكتابة، ثم أسرع في تقليب الصفحات التي لا تحتوي صوراً.. لا أريد أن أُحرج نفسي لأنني لا أفهم ما كُتب فيها. أتوقف طويلاً عند الصفحات الملوّنة، حيث تخبرني الصور بما عجزت الكلمات عن قوله". 

ويضيف قائلا في حديث صحفي: "أحلامي بسيطة جداً، مجرد طفل يجلس في غرفة هادئة يقرأ كتاباً وتحيط به وسائل الراحة التي لم أعرفها يوماً"، موضحا أن "العمل في الطمر الصحي لم يكن خياراً شخصياً، بل نتيجة ظروف معيشية صعبة".

ويشير صباح إلى أن والده لم يعد قادراً على تحمّل أعباء الحياة وحده "فهو يتألم على مستقبلنا، والدليل أنه يسلك بنا طريقاً بعيداً عن طرق الطلبة إلى المدرسة حتى لا نتألم عندما نرى أقراننا وهم ذاهبون للدراسة".

أما الطفل جمال محسن، فلم تكن أحلامه معقدة أو بعيدة المنال. إذ يتمنى فقط أن يستيقظ صباحاً، يحمل حقيبته المدرسية ويسير مع أصدقائه نحو المدرسة. حلمٌ بسيط لطفلٍ أراد أن يكمل دراسته ليصبح يوماً شخصاً نافعاً يخدم بلده وأهله، بدلاً من أن تبدأ أيامه بين النفايات بحثاً عمّا يسدّ رمق العيش. يقول محسن في حديث صحفي، أن "عملنا صعب وخطير، نجمع ما يمكن الاستفادة منه من النفايات، ونبيعه بالكيلو للمستفيدين".

ظروف معيشية قاهرة

من جانبه، يقول الفتى النبّاش كاظم ناجي، انه أكمل دراسته حتى الصف الخامس الابتدائي قبل أن يتركها بسبب ظروف معيشية قاهرة اضطرته للعمل.

ويضيف قوله أن "عائلتي تحتاج إلى المال لتأمين قوتنا اليومي"، مشيرا في حديث صحفي إلى انه يجيد القراءة والكتابة، وحلمه ما زال قائماً بالعودة إلى الدراسة إذا تحسن وضعهم المادي.

فيما يقول أبو سيف، الذي يعيل عائلة مكوّنة من 11 فرداً، انه يعمل مع بعض أبنائه في الطمر الصحي منذ أكثر من عشر سنوات، مبينا أنه "نصحت أولادي بترك الدراسة والعمل لكي نعيش بشكل أفضل. فالمصاريف كبيرة والالتزامات كثيرة".

ويؤكد أبو سيف، أن الظروف المعيشية أجبرته على هذا القرار رغم قلقه على مستقبل أبنائه، منوّها إلى انه حاول تعليم أبنائه أساسيات القراءة والكتابة في المنزل بعد أن عثر على سبورة بين النفايات وأخذها إلى البيت ليبدأ بتعليمهم الحروف العربية.

ويتألم أبو يوسف كثيرا عندما يفكر في مستقبل أولاده وعدم إكمالهم الدراسة "لكن الظروف أقوى منا. لدينا 11 فرداً وكلهم يحتاجون إلى متطلبات يومية لا يمكن تأمينها دون عمل".

مخاطر صحية

يحذّر اختصاصيون من المخاطر الصحية الكبيرة التي تحيط بهذه المهنة، لا سيما على الأطفال. وفي هذا السياق، يقول الطبيب الاختصاصي في الصحة العامة د. علي ربيع، أن "العمل في مكبّات النفايات يعرّض العاملين، خصوصا الصغار، إلى بيئة ملوّثة مليئة بالبكتيريا والفيروسات، فضلا عن المواد السامة والملوّثات الكيميائية، والأدوات الجارحة".

ويضيف في حديث صحفي قوله أن "الاحتكاك المباشر مع النفايات دون وسائل حماية يزيد من احتمالات الإصابة بالأمراض الجلدية والتهابات الجهاز التنفسي، فضلاً عن مخاطر الجروح والتلوث بالمواد الحادة، والتي قد تنقل أمراضاً خطيرة"، لافتا إلى أن "معظم العاملين في هذه المهنة يجهلون تلك المخاطر، لذلك لا يتسلحون بوسائل السلامة كالأقنعة والقفازات وغيرها".

ويشير ربيع إلى أن "الأطفال هم الأكثر تضرراً، لأن جهازهم المناعي لا يزال في طور النمو، ما يجعلهم أكثر عرضة لمضاعفات صحية قد تستمر معهم لسنوات"، مؤكداً أن استمرار هذه الظاهرة دون رقابة أو إجراءات وقائية يمثل تهديداً حقيقياً للصحة العامة.

تدوير عشوائي

رغم قسوة هذه المهنة، إلا أنها تمثل شكلا غير منظّم من إعادة التدوير. إذ يساهم "النبّاشة" في تقليل حجم النفايات عبر استرجاع مواد قابلة للاستخدام، لكن هذا الدور يجري خارج أي إطار رسمي أو حماية، ما يحرمهم من حقوقهم ويحوّل الجهد إلى عمل محفوف بالمخاطر بدل أن يكون جزءا من منظومة اقتصادية منظّمة لإدارة النفايات.

يقول سلام الربيعي، أحد العاملين في إدارة النفايات، أن "ما يقوم به هؤلاء هو جزء من سلسلة إعادة التدوير، لكنه يتم بطريقة عشوائية تفتقر إلى أبسط شروط السلامة"، مشيرا إلى أن "دمج هذه الفئات ضمن برامج رسمية، وتوفير معدات وقاية وتنظيم عملهم، كل ذلك يمكن أن يحوّل المشكلة إلى مورد اقتصادي ويقلل من المخاطر الصحية والبيئية في آن واحد".

ويستدرك "لكن ذلك لا يُعطي أي شرعية لزج الأطفال في هذه المهنة أو غيرها. وهذا يقع على عاتق الدولة، التي يُفترض بها أن تحمي الصغار وتلزم أهاليهم بإرسالهم إلى المدارس".

وبين الحاجة التي تدفعهم إلى النبش في النفايات، وغياب البدائل التي تضمن لهم عملاً كريماً، تبقى هذه العائلات عالقة في دائرة مغلقة. حيث يتحول المكب إلى مصدر عيش ومصدر خطر في الوقت نفسه، فيما يكبر الأطفال على حافة هذا الواقع، بين ما يعثرون عليه من أشياء مكسورة، وما يفقدونه من فرص حياة مختلفة.

********************************

اگول.. لماذا يبيع البعض مبادئه؟

غانم الجاسور

يُحكى ان رجلا دفن كلبه النافق في مقبرة المسلمين. فاشتعل غضب اهل البلدة ولم يتقبلوا هذا الفعل غير المألوف، ورفعوا شكواهم الى القاضي مطالبين بالحكم العادل. استدعى القاضي الرجل صاحب الكلب وسأله بصرامة وغضب عن حقيقة ما نسب اليه وعن سبب فعله الغريب هذا. حيث استشاط القاضي غضبا وقال: أتهزأ بنا وتدنس مقبرتنا؟ كيف لك ان تتجرأ على دفن كلبك فيها؟ هل هذه فعلتك استهزاء بحرمة موتانا؟

أجاب الرجل بهدوء وبرود: "نعم.. نعم يا مولاي القاضي، لم افعل ذلك الا لتنفيذ وصية كلبي. فقد أوصاني قبل موته بأن ادفنه في هذه المقبرة".

قال القاضي: "لكن هذا لا يُعطيك الحق في دفنه في هذا المكان المُحرّم، والاستهزاء بنا وبموتانا".

أجاب الرجل: "يا سيدي لقد اوصاني الكلب أيضا أن اعطي القاضي ألف دينار بعد الدفن".

هنا تنهد القاضي وابتسم بلطف وقال: "رحم الله الكلب الفقيد"! فتعجب الناس من أمر القاضي. كيف غيّر رأيه في الحال؟!

قال لهم: "لا تتعجبوا. فقد تأملت في هذا الكلب الصالح، وتبيّن لي أنه من نسل  كلب اصحاب الكهف"!

تُرى كم من الناس تتغيّر أحكامهم فجأة من أجل مصالحهم.. المال يعمي البصيرة، والحق لا يُعرف بالناس، لكنه يُعرف بالحق نفسه.

ويبدو أن ذلك القاضي أراد أن يعكس صورة لزمننا هذا. حيث يبيع فيه بعض الناس الحق ويشترون الباطل من أجل مصالحهم الشخصية.. هذا حالنا اليوم.. البعض تتغير مبادئهم فينطقون بالباطل ويدافعون عنه حسب رغباتهم وما تقتضيه مصالحهم.

أقول: المواقف تكشف المعادن. فمن يبيع مبادئه لمصلحة زائلة يخسر احترامه وثقة الناس فيه. 

*******************************

أمام أنظار وزير الإعمار والإسكان والبلديات

نحن لفيف من موظفي المركز الوطني للبحوث والتحليلات الإنشائية، التابع إلى وزارة الاعمار والاسكان والبلديات.. بتاريخ 28 نيسان الفائت، أبلغت الإدارة المالية للمركز جميع الملاكات الوظيفية بوجود نقص في الرواتب لهذا الشهر، من دون أن تقدم اسبابا للنقص المزعوم، وكيفية حصوله. حيث عمدت الإدارة إلى سد النقص من خلال اللجوء إلى استقطاع 50 ألف دينار عنوة من كل موظف أو موظفة، رغم الاحتجاجات والرفض الذي أبداه الموظفون.

ومضت الإدارة بإصرار في هذا الاستقطاع، من دون وجه حق!

نأمل من وزير الاعمار التدخل وإجراء تحقيق من أجل إنصاف الموظفين ومعاقبة المقصرين.

عنهم

علي خضير العكيلي

*********************************

مشاريع خدمية متلكئة في الأعظمية

متابعة – طريق الشعب

طالب عدد من أهالي المحلتين 304 و306 في منطقة الأعظمية، أمانة بغداد بالتدخل لإنهاء معاناتهم، إثر توقف مشاريع خدمية منذ نحو ثمانية شهور.

وقالوا في حديث صحفي أن فرق العمل باشرت سابقا بأعمال حفر في المحلتين، لغرض تنفيذ مشروع خاص بالبنى التحتية، لكنها انسحبت من دون استكمال المشروع، وتركت الشوارع المتضررة دون تصليح، الأمر الذي أدى إلى تدهور الواقع الخدمي وامتلاء الطرق بحفر ومطبات تعيق حركة السكان.

وأضافوا أن هذا الوضع تسبب في معاناة يومية للأهالي، خاصة مع صعوبة التنقل وتضرر المركبات، فضلا عن المخاطر التي تهدد سلامة المارة.

وطالب الأهالي الجهات المعنية، باستئناف الأعمال المتوقفة، مؤكدين أن استمرار ترك المشروع بهذا الشكل يزيد من معاناتهم ويعكس ضعف متابعة المشاريع الخدمية.

**********************************

حي في الغزالية يُعاني انعدام الخدمات

متابعة – طريق الشعب

يُعد حي الصناعة والمعادن في منطقة الغزالية غربي بغداد، منطقة سكنية ناشئة تسكنها مئات العائلات ممن شملت بتوزيع قطع الأراضي لمنتسبي وزارة الصناعة والمعادن. هذا الحي، ورغم أن أراضيه ملك صرف (طابو)، يُعاني نقصا حادا في الخدمات الأساسية، كالتبليط والمجاري. ويفتقر للمدارس. وفيما يُكرر سكانه مناشداتهم الجهات المعنية الالتفات إلى واقعهم الخدمي البائس، لا يلقون أي تحسن ملموس.

وفي حديث صحفي، طالب عدد من أهالي الحي الجهات المعنية في أمانة بغداد، بالتدخل العاجل لمعالجة تدهور الواقع الخدمي في منطقتهم، في ظل ما وصفوه بالإهمال المستمر منذ سنوات. وقال الأهالي أن المنطقة تعاني غيابا تاما لشبكات المجاري، ما يدفع السكان إلى الاعتماد على حلول بدائية لتصريف المياه الثقيلة، الأمر الذي يتسبب في طفح مستمر وانتشار الروائح الكريهة، فضلا عن تأثيره المباشر على الصحة العامة وظهور أمراض مرتبطة بالتلوث.

وأضافوا القول أن الشوارع لا تزال ترابية وغير مبلطة، ما يجعل التنقل اليومي أمرا شاقا. إذ تتحول الطرق إلى مسالك موحلة خلال موسم الأمطار، فيما تزداد معاناة السكان صيفا بسبب الغبار الكثيف، الأمر الذي يعيق حركة المركبات ويؤثر على حياة الأهالي بشكل يومي. وأشاروا إلى انتشار التجاوزات بشكل كبير داخل المنطقة، سواء على الأرصفة أم الشوارع، الأمر الذي يؤدي إلى تضييق الطرق وتشويه المظهر العام، إضافة إلى عرقلة تنفيذ أي مشاريع خدمية مستقبلية في ظل غياب الرقابة والإجراءات الرادعة. وبيّن الأهالي أن المنطقة تعاني أيضا نقص واضح في المدارس والخدمات الأساسية، ما يضطر الطلبة إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مدارسهم في مناطق أخرى. في حين تفتقر المنطقة إلى وجود مستشفى أو مركز صحي.  ولفتوا إلى أن تردي الواقع البيئي والصحي بات ملموسا، نتيجة تراكم النفايات وضعف خدمات التنظيف، إلى جانب مشكلات المجاري والغبار، ما خلق بيئة غير صحية تهدد سلامة السكان، خصوصا الأطفال وكبار السن. وطالب الأهالي الجهات المعنية، بإرسال لجان ميدانية للكشف على المنطقة، وإدراجها ضمن خطط التطوير والخدمات، مؤكدين أن تحسين واقعها بات ضرورة ملحة لضمان حياة كريمة آمنة لسكانها.

***********************************

المحافظة بحاجة إلى مركز علاجي الاصابات السرطانية تتزايد في النجف

متابعة – طريق الشعب

كشفت دائرة صحة النجف عن تحول جديد في الإصابات بسرطان الثدي على مستوى المحافظة. حيث شُخّص المرض لدى أعمار أصغر من المعتاد، مؤكدة أن سرطان الثدي لا يزال يتصدر قائمة أكثر أنواع السرطان انتشاراً بين النساء في المحافظة. وقال مدير إعلام الدائرة ماهر العبودي، في حديث صحفي، أن "أكثر الفئات العمرية المصابة بسرطان الثدي، تبدأ من عمر 30 عاماً فما فوق، بعد أن كانت الإصابات سابقاً تظهر غالباً في عمر 40 أو 50 عاماً"، عازياً ذلك إلى "التلوث البيئي وأنماط الغذاء غير الصحية التي ساهمت في زيادة الإصابات المبكرة". وأشار إلى أن "النجف تضم مركز الفرات الأوسط للأورام، ومع تزايد أعداد الإصابات بات من الضروري إنشاء مركز ثانٍ لاستيعاب أعداد المرضى وتخفيف الضغط عن المركز الحالي".

من جانبها، أوضحت مديرة شعبة السيطرة على السرطان في دائرة صحة النجف، د. سندس عبد العادل موسى، أن "عدد الإصابات السرطانية المسجلة خلال عام 2025 في المحافظة بلغ 2112 إصابة، مقارنة بـ1379 إصابة فقط في عام 2020"، مؤكدة استمرار تصدر سرطان الثدي أعداد الإصابات سنوياً.

وبيّنت في حديث صحفي أن "الإحصائيات المذكورة تخص مرضى محافظة النجف فقط، في حين يستقبل مركز الأورام مرضى من خمس محافظات أخرى لغرض العلاج"، لافتة إلى أن "إجمالي عدد المرضى الذين راجعوا المركز خلال عام 2025 من النجف والمحافظات الأخرى بلغ 50019 مريضاً". ويُعاني مرضى السرطان في العراق تأخيرا في إجراء العمليات والحصول على حجوزات بسبب الازدحام الشديد وقلة الكوادر الطبية التي لا تنسجم مع أعداد المرضى – وفقا لتقارير صحفية.

**************************************

الصفحة السادسة

في بغداد والمحافظات.. فعاليات ميدانية واسعة احتفاء بعيد العمال

طريق الشعب – خاص

في مناسبة عيد العمال العالمي الأول من أيار، شهدت بغداد والمحافظات، نهار أول أمس الجمعة، نشاطات جماهيرية ميدانية متنوعة نظمها الحزب الشيوعي العراقي والتيار الديمقراطي العراقي واتحاد نقابات العمال ورابطة المرأة العراقية. وتضمنت النشاطات مسيرات راجلة ووقفات رفعت شعارات تُحيي المناسبة وتطالب بإنصاف الطبقة العاملة وحمايتها ومنحها حقوقها المشروعة. كما تضمنت زيارات ميدانية إلى مواقع العمل لتهنئة العمال، وتبادل الحديث معهم حول المناسبة.

************************************

الصفحة السابعة

عرض لسيرة الجمال والنضال في فضاءات الشعر الشعبي احتفال ثقافي يقيمه الحزب الشيوعي العراقي تكريماً للشاعر ناظم السماوي

بغداد ـ طريق الشعب

في مشهدٍ ثقافي يستعيد ذاكرة الإبداع العراقي ويحتفي برموزه الحيّة، يبرز اسم ناظم السماوي بوصفه أحد أهم الأصوات التي شكّلت ملامح الشعر الشعبي الحديث، ورافقت تحولات العراق السياسية والاجتماعية على مدى عقود طويلة. فالسماوي ليس مجرد شاعرا، وانما هو مشروع إنساني وثقافي، تداخلت فيه التجربة الشعرية مع النضال الوطني، وتجلّت عبره معاني الانتماء والحرية والعدالة.

من مدينته السماوة، مروراً بتجربة الاعتقال في سجن نقرة السلمان، وصولاً إلى حضوره المؤثر في الأغنية العراقية، استطاع السماوي أن يصوغ لغة خاصة به، تجمع بين بساطة التعبير وعمق الدلالة، لتصل إلى وجدان الناس وتستقر في ذاكرتهم. وعلى امتداد مسيرته، ظل وفياً لقيمه، منحازاً للإنسان وقضاياه، ومواصلاً عطاءه الإبداعي بروحٍ لا تعرف الانقطاع.

حفل حاشد احتفاءْ به

ففي احتفالٍ ثقافي واسع أقامه الحزب الشيوعي العراقي في قاعة "منتدى بيتنا الثقافي" ببغداد، وخُصص لتكريم الشاعر ناظم السماوي واستعادة جانبٍ مهم من تجربته في الشعر الشعبي العراقي، اجتمع عدد كبير من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي، في جلسة أدارها الباحث عادل العرداوي، وشهدت تقديم شهادات نقدية وإنسانية حاولت الإحاطة بمسيرة السماوي الطويلة، وما تمثّله من حضور مؤثر في المشهد الثقافي العراقي.

في مستهل الجلسة، رحّب العرداوي بالحضور، وبأعضاء الحزب الشيوعي العراقي، وبالأدباء والمثقفين ورواد المجالس الثقافية البغدادية، مشيراً إلى أن انعقاد هذه الفعالية في “بيتِنا الثقافي” يأتي في سياق الدور المتواصل الذي يضطلع به هذا الفضاء بوصفه واحداً من أبرز المنتديات الثقافية في بغداد، مؤكداً استمراريته بالعطاء دون انقطاع.

واستعاد العرداوي ذكرياته الشخصية في هذا المكان، مستذكراً جلسات سابقة أدارها قبل سنوات مع الشاعر الراحل كاظم الرويعي، وأخرى مع الشاعر الراحل عريان السيد خلف، وكذلك جلسة مع المحتفى به ناظم السماوي قبل أكثر من عقد، لافتاً إلى أن هذا اللقاء يتجدد اليوم في مناسبة مرور اثنتين وتسعين سنة على تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، الذي يُعد أقدم حزب سياسي عراقي قائم حتى الآن.

ووصف العرداوي ناظم السماوي بأنه واحد من أعلام الشعر في العراق، ومن أبرز وجوه الحركة الثقافية، فضلاً عن كونه أحد أعلام الأغنية العراقية، ومناضلاً مرموقاً، مؤكداً أن الحديث عنه يفتح أبواباً متعددة تبدأ من مدينته السماوة، مروراً بتجربته في سجن نقرة السلمان، وصولاً إلى حضوره في الغناء والشعر والأخلاق العالية التي يتميز بها. واستعاد تجربة زيارتهما المشتركة إلى نقرة السلمان قبل عام، حين رافقه السماوي مع وفد زار السجن، وأمضوا يومين في محافظة المثنى. وكان الشاعر يستعيد تفاصيل حياته هناك، مشيراً إلى أماكن نومه وأماكن رفاقه من الشعراء والمناضلين، مثل مظفر النواب والفريد السمعان، في مشهدٍ إنساني مؤثر يعكس قسوة التجربة وعمقها.

وتوقف العرداوي أيضا عند أغنية “يا حريمة”، واصفاً إياها بأنها أيقونة في الغناء العراقي، كُتبت بلغة رقيقة ومفردات مؤثرة، ولدت من رحم تجربة نقرة السلمان في سبعينيات القرن الماضي، ولحنها الموسيقار الراحل محمد جواد أموري، وظلت حاضرة في الذاكرة العراقية حتى اليوم.

ستة عقود من النضال والجمال

بعد ذلك، ألقى الرفيق مفيد الجزائري كلمة عن الشاعر السماوي وعن احتفال الشيوعيين به ومغزى تكريمهم له ( نص الكلمة في مكان آخر من هذه الصفحة). 

تجديد اللغة الشعرية

عقب ذلك، قُدمت ثلاث شهادات رئيسية، بدأت بشهادة الدكتور علي حداد، الذي أشار إلى أن الحديث عن تجربة ناظم السماوي الممتدة لسبعين عاماً يكاد يكون مهمة صعبة، لما تنطوي عليه من ثراء وتنوع على المستويات الإنسانية والسياسية والثقافية والإبداعية.

وقال حداد أن الشعر الشعبي العراقي تشكّل ضمن منظومة ثقافية يسارية، لعبت دوراً محورياً في إنتاج هذا النوع من الإبداع، وأن نسبة كبيرة من هذا المنجز تعود إلى شعراء يساريين، لا سيما أولئك الذين قدموا من جنوب العراق وأسهموا في تجديد اللغة الشعرية.

وأضاف حداد أن هؤلاء الشعراء أحدثوا تحولاً في الذائقة الشعرية، من خلال إدخال مفردات جديدة ووعي مختلف، وهو ما انعكس أيضاً على الأغنية العراقية، التي شهدت بدورها تطوراً ملحوظاً على مستوى البناء والأداء.

وأكد أن السماوي يمثل جزءاً أساسياً من هذا التحول، مشيراً إلى أن إنتاجه الغنائي الكبير، الذي يُقدّر بنحو 800 أغنية، يعكس مكانته المتميزة في هذا المجال.

وتحدث حداد عن البعد الحداثي في تجربة السماوي، معتبراً أنه امتداد لتيار شعري أسهم فيه شعراء كبار مثل مظفر النواب، حيث انتقلت الشعرية الشعبية إلى آفاق الحداثة، مع الحفاظ على خصوصية كل شاعر. ولفت إلى أن السماوي يتميز بأسلوب “السهل الممتنع”، حيث تبدو قصائده بسيطة في ظاهرها لكنها تحمل عمقاً دلالياً كبيراً، كما أنها تمتلك إيقاعاً داخلياً يجعلها جاهزة للتلحين.

وأشار إلى البعد الإنساني في شخصية السماوي، واصفاً إياه بأنه شاعر متصالح مع ذاته، قريب من الناس، يمتلك طاقة كبيرة من العطاء، وهو ما انعكس في حضوره الثقافي ومشاركاته المتعددة، فضلاً عن تجربته الإذاعية التي أسهمت في دعم الشعراء الشباب والتعريف بالتراث الشعبي.

السماوي نقطة تحول في الشعر

في الشهادة الثانية، تناول الروائي صادق الجمل تجربة السماوي بوصفها نقطة تحول في الشعر العراقي، مشيراً إلى دوره في إصدار ديوان “يا حريمة”، الذي استغرق العمل عليه أشهراً طويلة، وهو يضم نحو 130 قصيدة تعكس تحولات العراق السياسية والاجتماعية.

وأكد أن هذا الديوان يمثل وثيقة ثقافية وسياسية، تكشف عن قدرة السماوي على توظيف الرموز والتضمين في بناء نصوصه.

وأوضح الجمل أن السماوي اعتمد على الترميز واستحضار عناصر من التاريخ والتراث، مثل الفرات ونخيل السماوة والأندلس، إلى جانب شخصيات دينية مثل الإمام علي، بوصفها رموزاً للعدالة، ما منح نصوصه أبعاداً دلالية متعددة.

وأكد أن شعره لم يكن تعبيراً عن الذات فقط، بل كان تعبيراً عن المجتمع والإنسان البسيط، وعن القضايا الوطنية الكبرى.

واستعاد الجمل أيضا لحظة مؤثرة جمعتهما بالشاعر مظفر النواب في أيامه الأخيرة، حين التقى به السماوي في الإمارات، في مشهد يعكس عمق العلاقة بين رموز الشعر العراقي.

كيف تشكلت هويته الإبداعية؟

أما الشهادة الثالثة، فقدمها الأديب والإعلامي محمد محسن، وقد ركزت على الجانب الإنساني والإبداعي في شخصية السماوي، مشيراً إلى تواضعه وابتعاده عن النزعة الاستعراضية، وقدرته على كتابة نصوص تتسم بانسيابية عالية.

واستعاد أول لقاء جمعه به في مكتب الشاعر الراحل عريان السيد خلف، خلال الإعداد لبرنامج تلفزيوني، حيث لاحظ حضوره الهادئ وطريقته التي تشبه “حالة ولادة القصيدة” أثناء الحديث.

وأشار محسن إلى أن السماوي خاض تجارب متعددة، من الشعر إلى الغناء وحتى التمثيل، لافتاً إلى تأثره بالبيئة البغدادية واحتكاكه برموزها الفنية، ما أسهم في تشكيل هويته الإبداعية. كما توقف عند مشهد مؤثر من تشييع عريان السيد خلف، حيث كان السماوي يحمل صورة رفيقه بملامح حزينة، في صورة جسدت عمق العلاقة الإنسانية بينهما.

واختُتمت الجلسة بالتأكيد على أن تجربة ناظم السماوي تمثل جزءاً أساسياً من الذاكرة الثقافية العراقية، وأن استعادتها اليوم تأتي في سياق توثيق مسار طويل من التحولات التي شهدها الشعر الشعبي، بوصفه أحد أهم أشكال التعبير عن المجتمع العراقي، بما يحمله من تداخل بين الإبداع والواقع، وبين اللغة والهوية، وبين التجربة الفردية والوجدان الجمعي.

وفي نهاية الحفل، قدم الرفيق رائد فهمي باقة ورد وشهادة تقدير للشاعر الرفيق ناظم السماوي.

**********************************

ناظم السماوي

مسيرة الجمال والنضال

مفيد الجزائري 

عندما نُحيي نحن الشيوعيين عيد حزبنا، نحتفل عادةً بالشعر والأدب والفن والفكر والابداع .. بالثقافة.

تحفزنا على ذلك دوافع متنوعة، ليس آخرَها واقعُ ان الفكر الشيوعي، ومن ثم الحزبَ الشيوعي كتنظيم ثوري، هما ذاتَهما من ثمار الثقافة، نتاجٌ طبيعي لتطور الثقافة الانسانية والفكر العلمي. وهما لا يعيشان ولا يتطوران بمعزل عن الثقافة وفي غيابها.

وعندما نحتفل بالثقافة، نحتفي بمنتجيها مثلما نحتفي بنتاجاتها، بمبدعيها كما بثمار ابداعهم.

وما جلستنا اليوم هنا، وفي مناسبة الذكرى السنوية الثانية بعد التسعين لتأسيس حزبنا، احتفاءً برفيقنا العزيز الشاعر ناظم السماوي .. ما هي الا تجسيد لما نقول.

وليست هذه - كما تعلمون - اول مرة نحتفل فيها، نحن في الحزب الشيوعي، برفيقنا ناظم السماوي، سواء هنا في بغداد، او في مدن وحواضر محافظاتنا العراقية الاخرى.

ولا هي اول مناسبة او مهرجان للشعر الشعبي  نحتضنه فيه، سويّة مع غيرنا من العراقيين محبي شعره وحافظيه،  شيوعيين وغير شيوعيين، في شتى ارجاء الوطن.

وقد يكون أبو اوراس وحدَه من يعرف عدد المرات، التي احتفلنا فيها به شاعرا مناضلا، لا ينفصل عنده قول الشعر عن قضية الشعب والوطن، ولا يتوهج الابداع الشعري، في محطات ومنعطفات كثيرة، بعيدا عن فضاءات الكفاح والتضحية من اجل العراق وناسه الطيبين. وفي هذا السياق لا ننسى هوساته، الحاضرة دوما حين يحضر الغضب الساطع على الظلم والقمع والقهر. ولكن قبل الهوسة والشعر ومعهما، لا ننسى بحال ناظم السماوي الناشط في العمل السري، والسجين السياسي نزيل نكرة السلمان، رفيق النضال الدائب في سبيل الشعب والوطن.

على صعيد آخر يعرف العديد منكم ومن متابعي أبو اوراس عامةً، ومن المعنيين بالموسيقى والغناء، ما يعرفه هو قبلكم وقبلهم، عن شعره الغنائي، وكم من قصائده تسابق عليها الملحنون، وغناها المطربون، وبعضها كان من أجمل وأعذب ما تمتع العراقيون بسماعه، في العقود الماضية .. وحتى اليوم.

قبل ستة عقود ونيّف، انطلق ناظم في مسيرته المنيرة، مسيرة الجمال والنضال والحياة، مسيرة الأمل المتجدد، والكلمة المتوهجة المكافحة من أجل الوطن والناس، في سبيل الحرية والعدالة والخير والسلام. انطلق، ولم يكفّ، وما زال يحمل قضيته السامية .. محلقا في عوالم الجمال والنضال، فتيّا لا يشيخ.

جميلَ السلام أبا اوراس من رفيقاتك ورفاقك، ومن محبيك المنتشرين في ربوع العراق العزيز.

وخالصَ التمنيات لك بطول العمر وسخيّ العطاء.

*********************************

الصفحة الثامنة

مسيرات يوم العمال 2026 تضامن عالمي مع فلسطين ورفض للهيمنة الإمبريالية وحروبها

متابعة ـ طريق الشعب

في الأول من أيار 2026، خرج ملايين العمال في مختلف دول العالم في مسيرات حاشدة، لم تكن مجرد احتفال تقليدي بعيدهم الأممي، بل تحولت إلى تظاهرات احتجاجية واسعة ضد سياسات اقتصادية عمّقت الفوارق الطبقية، وأثقلت كاهل الفئات الكادحة. هذا الحراك العالمي عكس حالة احتقان متصاعدة في صفوف الطبقة العاملة، التي تواجه تدهورًا مستمرًا في مستويات المعيشة، مقابل تضخم غير مسبوق في ثروات النخب الاقتصادية.

ورفعت النقابات العمالية شعارات تعبّر بوضوح عن طبيعة الصراع القائم، من بينها “وظائفنا أولاً، أرباحكم ثانياً”، في إدانة مباشرة لسياسات تفضّل مصالح الشركات الكبرى على حساب حقوق العمال. وتركزت المطالب على ربط الأجور بارتفاع تكاليف المعيشة، والحفاظ على القدرة الشرائية، وضمان أنظمة حماية اجتماعية عادلة ومستدامة.

اختلال توزيع الثروة

تقرير منظمة “أوكسفام” الصادر بهذه المناسبة قدّم صورة صادمة عن حجم التفاوت الطبقي عالميًا. إذ أظهرت البيانات أن رواتب كبار المدراء ارتفعت بنسبة 54 في المئة منذ عام 2019، في حين انخفضت الأجور الحقيقية للعمال بنسبة 12 في المئة. هذه الأرقام لا تعكس مجرد خلل اقتصادي عابر، بل تكشف عن بنية نظام اقتصادي قائم على إعادة إنتاج عدم المساواة وتكريس الامتيازات لصالح أقلية ضيقة.

كما أشار التقرير إلى أن متوسط دخل العمال عالميًا لم يشهد تحسنًا يُذكر، رغم ارتفاع الإنتاجية، ما يعني أن ثمار النمو الاقتصادي لا تصل إلى من ينتجونها فعليًا. في المقابل، تتسارع وتيرة تراكم الثروات لدى كبار المستثمرين، مدعومة بسياسات ضريبية غير عادلة، وبتقليص مستمر للإنفاق الاجتماعي.

من المطالب المعيشية إلى الموقف السياسي

لم تقتصر مسيرات عيد العمال هذا العام على القضايا الاقتصادية، بل اتخذت طابعًا سياسيًا واضحًا، حيث عبّر المحتجون عن رفضهم للحروب والسياسات الإمبريالية التي تزيد من معاناة الشعوب. وبرزت القضية الفلسطينية كعنوان جامع في العديد من هذه التحركات، حيث رفعت الأعلام الفلسطينية في شوارع باريس وبرلين وستوكهولم وواشنطن، وترددت هتافات تطالب بإنهاء العدوان الإسرائيلي ووقف الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في غزة.

هذا التداخل بين النضال الاجتماعي والموقف السياسي يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الحركات العمالية بأن الاستغلال الاقتصادي لا ينفصل عن منظومة الهيمنة العالمية، التي تُدار عبر القوة العسكرية والتحالفات غير المتكافئة. وفي هذا السياق، وجّه المحتجون انتقادات حادة للدعم الأمريكي لإسرائيل، معتبرين أنه يشكل غطاءً لاستمرار العدوان على الشعب الفلسطيني.

معاناة مضاعفة للفلسطينيين

في الأراضي الفلسطينية، جاء عيد العمال محمّلاً بمشاهد القهر اليومي. فالعمال هناك يواجهون ظروفًا استثنائية، تتداخل فيها معاناة الفقر والبطالة مع واقع الاحتلال. في الضفة الغربية وقطاع غزة، عبّر العمال عن عجزهم عن تلبية احتياجات أسرهم، في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع الأسعار بشكل حاد.

كما يعاني العمال الذين يعملون داخل الخط الأخضر من قيود وإجراءات تعسفية، تجعل من رحلة العمل اليومية معاناة بحد ذاتها. وتفاقمت هذه الأوضاع منذ تصاعد العدوان الإسرائيلي، ما أدى إلى تفاقم البطالة وتعميق الأزمة الإنسانية، وسط غياب أي حماية دولية حقيقية.

وحدة النضال العمالي

في عدد من الدول العربية، أكدت المسيرات العمالية على أهمية توحيد الصفوف لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية. ففي تونس، شدد الاتحاد العام للشغل على ضرورة تجاوز الانقسامات، والدفاع عن استقلالية العمل النقابي، في ظل محاولات مستمرة لإضعافه. كما تم التأكيد على أن تدهور القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة يمثلان تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي.

وفي السياق ذاته، برزت دعوات لفرض ضرائب تصاعدية على الثروات الكبرى، ووضع قيود على نفوذ الشركات متعددة الجنسيات، وربط الدعم الحكومي بضمان حقوق العمال، بدلًا من توجيهه لتعظيم أرباح رأس المال.

رسالة تضامن أممي ضد الحروب والاستغلال

أعاد عيد العمال 2026 التأكيد على أن نضال الطبقة العاملة يتجاوز الحدود الوطنية، وأن التضامن الأممي ليس شعارًا، بل ضرورة في مواجهة نظام عالمي قائم على الاستغلال والحروب. وبينما تتصاعد النزاعات في الشرق الأوسط، يواصل العمال في مختلف أنحاء العالم رفع صوتهم رفضًا للعدوان الأمريكي والإسرائيلي، ومطالبة بعالم أكثر عدالة، تُصان فيه كرامة الإنسان، وتُوزع فيه الثروة بشكل منصف.

واتفق المشاركون على أن المعركة من أجل الحقوق الاجتماعية لا تنفصل عن معركة التحرر من الهيمنة، وأن صوت العمال، رغم كل التحديات، لا يزال قادرًا على رسم ملامح مستقبل أكثر إنصافًا.

**********************************

حزب الشعب الفلسطيني: تجميد دعم التعليم ابتزاز سياسي وانتهاك للسيادة

القدس ـ وكالات

أعرب حزب الشعب الفلسطيني عن استهجانه لقرار البرلمان الأوروبي القاضي بتجميد المساعدات المخصصة لقطاع التعليم الفلسطيني، بذريعة مراجعة المناهج الدراسية، معتبراً أن الخطوة تمثل مساساً خطيراً بقطاع حيوي في ظل ما يعيشه الشعب الفلسطيني من ظروف قاسية نتيجة الاحتلال والاستيطان.

وأوضح الحزب في بيان أن ربط الدعم المالي بشروط تتعلق بمضمون العملية التعليمية يعد تدخلاً مرفوضاً في الشأن التربوي والثقافي، وانتهاكاً لحق الفلسطينيين في صياغة مناهجهم بما ينسجم مع هويتهم الوطنية وروايتهم التاريخية، وبما يتوافق مع المعايير الدولية.

وأشار البيان إلى أن القرار يأتي في وقت يعاني فيه القطاع التعليمي من تداعيات واسعة خلفتها الاعتداءات المستمرة، والتي طالت مختلف مقومات الحياة، ما يجعل من تقليص الدعم أو تسييسه خطوة تزيد من تعقيد الأوضاع الإنسانية والتعليمية.

وأكد حزب الشعب تمسكه بحماية التعليم باعتباره ركيزة أساسية للصمود الوطني، داعياً إلى تأمين مصادر تمويل مستقرة ومستقلة، سواء عبر الموارد المحلية أو من خلال دعم الجاليات، إلى جانب أي دعم دولي غير مشروط يحافظ على استقلالية العملية التعليمية.

************************************

تهديدات أمريكية لكوبا وعقوبات تُفاقم الحصار

هافانا ـ وكالات

أثارت تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بإرسال حاملة طائرات إلى السواحل الكوبية، بالتزامن مع فرض حزمة عقوبات جديدة، موجة إدانات واسعة باعتبارها تصعيدًا خطيرًا يعكس نهجًا إمبرياليًا قائمًا على التهديد والقوة.

وجاءت تصريحات ترمب التي توعّد فيها بالاقتراب عسكريًا من كوبا، بالتوازي مع إجراءات اقتصادية تستهدف قطاعات حيوية، منها الطاقة والتعدين والخدمات المالية، في خطوة تهدف إلى تشديد الخناق على الاقتصاد الكوبي وزيادة معاناة شعبه.

من جهتها، وصفت القيادة الكوبية هذه الإجراءات بأنها “حصار وحشي” و ”انتهاك صارخ للقانون الدولي”، مؤكدة أن العقوبات الأمريكية تمثل شكلاً من أشكال “الإبادة الاقتصادية” بحق الشعب الكوبي. كما شددت على أن هذه السياسات لن تنجح في كسر إرادة البلاد.

وشهدت هافانا تظاهرات حاشدة أمام السفارة الأمريكية، عبّر خلالها مئات الآلاف عن رفضهم للتهديدات والعقوبات، مؤكدين تمسكهم بسيادة بلادهم وحقهم في تقرير مصيرهم بعيدًا عن

**********************************

اتهامات بتواطؤ عسكري مع جماعات مسلحة في مالي

بامكو ـ وكالات

كشفت السلطات في مالي عن اتهامات خطيرة تطال ضباطاً في الجيش بالتورط في التعاون مع جماعات جهادية وانفصالية، وذلك عقب موجة هجمات وُصفت بأنها الأكبر منذ أكثر من عشر سنوات.

وذكر بيان للمدعي العام في المحكمة العسكرية، بثه التلفزيون الرسمي، أن التحقيقات أظهرت “أدلة قوية” على تورط عسكريين، بينهم ضباط في الخدمة وآخرون مفصولون، في التخطيط والتنسيق وتنفيذ الهجمات الأخيرة، ما يعكس تعقيد الوضع الأمني في البلاد.

ميدانياً، أعلنت جبهة تحرير أزواد سيطرتها على معسكر تيساليت الاستراتيجي شمالي البلاد بعد انسحاب الجيش وقوات حليفة، بينها عناصر روسية، فيما لم يتسنَّ التحقق من ذلك بشكل مستقل.

وتأتي هذه التطورات بعد خسارة الجيش مدينة كيدال، وسط تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وتزايد التنسيق بينها، بما في ذلك جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة.

كما أشار الادعاء إلى احتمال تورط شخصيات سياسية، من بينها المعارض عمر ماريكو، في دعم أو تسهيل هذه الهجمات، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني في مالي.

******************************

بين التفاوض والتصعيد.. واشنطن وطهران على حافة مواجهة جديدة

بغداد ـ وكالات

تتصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران في مشهد يعكس مفارقة واضحة بين تسارع الجهود الدبلوماسية من جهة، وتكثيف الاستعدادات العسكرية من جهة أخرى، ما يثير تساؤلات جدية بشأن احتمال انزلاق الطرفين نحو مواجهة جديدة.

وتشير معطيات نقلها مسؤولون أمريكيون إلى وجود خطط عسكرية قيد الإعداد، تتضمن خيارات لضرب أهداف داخل إيران باستخدام أسلحة متطورة، بينها قنابل فرط صوتية، فضلاً عن سيناريوهات لعمليات خاصة قد تستهدف منشآت حساسة أو مواقع استراتيجية. كما جرى بحث احتمالات تنفيذ عمليات محدودة أو السيطرة على نقاط حيوية في مضيق هرمز، في إطار مساعٍ لكسر الجمود في المفاوضات.

في المقابل، تواصل طهران التشدد في مواقفها، رافضة تقديم أي تنازلات تحت الضغط. وأكدت القيادة الإيرانية تمسكها ببرامجها التقنية والعسكرية، معتبرة إياها جزءاً من السيادة الوطنية، مع توجيه تحذيرات صريحة من ردود “قاسية ومؤلمة” في حال تعرضها لهجوم. كما اعتبرت أن الإجراءات الأمريكية، بما فيها الضغوط البحرية، تمثل تصعيداً غير مقبول. ورغم هذا التصعيد، لم تتوقف قنوات التواصل غير المباشر، إذ جرى تبادل مقترحات عبر وسطاء، كان آخرها عبر باكستان، التي دعت إلى تأجيل أي قرار عسكري لإفساح المجال أمام الحلول السياسية. غير أن واشنطن أبدت تحفظها على الطرح الإيراني، معتبرة أنه لا يلبي شروطها، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي. وتتزامن هذه التطورات مع ضغوط قانونية داخل الولايات المتحدة بشأن ضرورة الحصول على تفويض من الكونغرس لأي عمل عسكري، وسط خلافات حول تفسير المهلة القانونية. كما ألقت الأزمة بظلالها على الأسواق العالمية، مع ارتفاع أسعار النفط نتيجة اضطراب الملاحة في الخليج.

في المحصلة، يبدو أن المسار الدبلوماسي يواجه صعوبة في مواكبة التصعيد الميداني، ما يجعل احتمالات المواجهة العسكرية قائمة، في ظل توازن هش بين التفاوض والاستعداد للحرب.

*********************************

الديون العالمية 2026: أزمة تُثقل كاهل دول جنوب عالم

إعداد: رشيد غويلب

يُحلل تقرير الديون، الذي يصدر سنوياً عن "التحالف الألماني لتخفيف عبء الديون" ومنظمة "ميسيرور"، لمكافحة الفقر والجوع التابعة للكنسية الكاثوليكية في المانيا، وضع الديون الخارجية العالمية الراهنة ودور ألمانيا في سياسة تخفيف عبء الديون الدولية، ويُقدم توصيات لمعالجة أزمة الديون العالمية. ويولي التحليل اهتماماً خاصاً لعبء ديون دول جنوب العالم.

أشار تقرير الديون للعام الحالي، الذي نشر في 28 نيسان 2026 إلى أن44 دولة في جنوب العالم ، تُعاني من مستويات الديون الخارجية المرتفعة جدا. وتُعاني 25 دولة أخرى من أعباء ثقيلة، بينما تواجه 15 دولة خطرًا بسبب خدمة الديون. وتوضح مالينا ستوتز، مستشارة السياسات في التحالف الألماني لتخفيف عبء الديون، قائلةً: " بلغ الدين العام العالمي مستوى قياسياً غير مسبوق يتجاوز 100 تريليون دولار أمريكي"، و "تضطر الدول التي تُعاني من أعباء ديون خارجية مرتفعة جدا إلى تخصيص أكثر من 15 في المائة من إيراداتها الحكومية لسداد فوائد وأصل الديون للدائنين الأجانب. في أنغولا، تصل هذه النسبة إلى 60 في المائة، وفي السنغال إلى 39 في المائة". وتضيف: "هذا يعني أن نسبة عالية بشكل غير مستدام من الإيرادات العامة في هذه الدول لا توظف للخدمات العامة الأساسية كالتعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية، بل تدفع إلى الدائنين الأجانب". وبالمقارنة، لا تتجاوز نسبة خدمة الديون الخارجية في ألمانيا 2 في المائة.

الحرب تُفاقم ازمة الديون

يحذر بنيامين روزنتال، خبير تمويل التنمية في منظمة "ميسيرور"، قائلاً: "إلى جانب الديون الخارجية المرتفعة أصلاً للعديد من الدول، تبرز الآن التداعيات المدمرة للحرب في الخليج. فارتفاع أسعار الطاقة والغذاء يُلقي بعبء إضافي على المالية العامة، وسيؤدي إلى سحب رؤوس الأموال وارتفاع تكاليف الاقتراض في العديد من الدول المدينة. وهذا يجعل أموراً مثل صيانة المدارس والمستشفيات وتوفير الضمان الاجتماعي الأساسي أكثر تكلفة". فعلى سبيل المثال، يُعد لبنان صاحب أعلى نسبة خدمة دين في العالم مقارنة بإيرادات حكومته، وهو متخلف عن السداد. ويوضح روزنتال قائلاً: "يعاني الشعب اللبناني منذ سنوات من آثار أزمة مالية حادة قضت على مدخراتهم. لقد تركتهم الحرب في المنطقة بلا شيء على الإطلاق".

ولا يتوقع التحليل أي انفراج في الوضع الراهن. وتوضح مالينا ستوتز قائلةً: "انخفضت أخيرا المخصصات الحكومية من المنح والقروض لدول جنوب العالم انخفاضًا ملحوظًا، ويعود ذلك جزئيًا إلى خفض تمويل التعاون الإنمائي". من جهة أخرى، كان الدائنون من القطاع الخاص يمنحون قروضًا بأسعار فائدة مرتفعة جدا حتى قبل أزمة الخليج، لا سيما للدول المثقلة بالديون. وتضيف ستوتز: "ينطوي هذا على خطر استمرار أزمات الديون بدلًا من حلها، وزيادة اعتماد هذه الدول على غيرها". وفي الوقت نفسه، لا يُقدم هيكل الديون الدولية الذي يُهيمن عليه الدائنون حلولًا فعّالة للتغلب على أزمات الديون الخارجية بشكل مستدام. وما تزال دول مثل غانا وزامبيا وسريلانكا وسورينام، التي خضعت لإعادة هيكلة ديونها ضمن هذه الهياكل التي يهيمن عليها الدائنون في السنوات الأخيرة، تُعاني من أعباء ديون هي الأعلى في العالم.

ووفقًا لتقرير الديون، فإن أهم مجموعة دائنة هي من القطاع الخاص. إذ تمتلك جهات فاعلة مثل صناديق الاستثمار والبنوك وشركات السلع الأساسية وشركات التأمين قرابة ٦٠ في المائة من ديون دول جنوب العالم. وفي الوقت نفسه، يطالب الدائنون من القطاع الخاص بأعلى أسعار الفائدة. وتمتلك المؤسسات متعددة الأطراف، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ٢٨ في المائة، بينما تمتلك الجهات الدائنة الثنائية، النسبة المتبقية البالغة ١٢ في المائة.

ضرورة إنهاء عرقلة الاصلاح

ينتقد بنيامين روزنتال قائلاً: "إن الإصلاحات التي تفكك هذه الهياكل الإشكالية تُعرقلها حاليًا دول الشمال العالمي، بما فيها ألمانيا والاتحاد الأوروبي". ويؤكد الحاجة المُلحة لإعادة هيكلة جذرية للديون والتمويل الدوليين. ويتطلب ذلك آليات ملزمة لتخفيف عبء الديون، وتوسيعًا كبيرًا في استثمارات التنمية العامة الملزمة. كما يستلزم إعادة توجيه جوهرية لنموذج التنمية، الذي يعتمد أساسًا على التمويل الخاص. ويوضح روزنتال: "يجب على الحكومة الألمانية أن تدعو إلى تنفيذ إصلاحات شاملة وعاجلة لهيكل التمويل والديون الدوليين، بما يُمكّن الدول المتضررة من المشاركة بشكل أكبر". ويضيف: "إن تخفيف عبء الديون بشكل عادل وموثوق ليس عملاً خيريًا، بل يجب أن يصبح جزءًا لا يتجزأ من التعاون الاقتصادي والمالي الدولي، وهو تعاون يُحقق الكرامة والمشاركة والتنمية لجميع الناس".

**********************************

ص9

نقاش مع الأستاذ محمد الشبوط حول {الدين أفيون الشعب}:

من النص المبتور إلى المنهج.. ومن نقد السماء إلى نقد الأرض!

ياسر السالم

كتب الأستاذ محمد عبد الجبار الشبوط، مقالا بعنوان "الدين أفيون الشعب" نشر في جريدة "طريق الشعب" بتاريخ 18 شباط 2026، قدم فيه اشتغالا فكريا يستحق الوقوف عنده ومحاورته، سعى من خلاله إلى معالجة إحدى المقولات الأكثر تعرضا للتشويه في تاريخ الفكر الإنساني؛ مقولة كارل ماركس الشهيرة: "الدين أفيون الشعب".

ولا يكاد يوجد موضوع في تاريخ الفكر الحديث أثار من الجدل والنقاش ما أثاره الموقف الماركسي من الدين. فمنذ أن كتب ماركس تلك العبارة التي اقتطعت لاحقا من سياقها، تحولت إلى شعار يختزل في نظر كثيرين الفلسفة الماركسية بأكملها، وان كان هذا الاختزال يخفي أكثر مما يظهر!

 فالقراءة الماركسية للدين أعمق وأكثر تعقيدا من أن ترد إلى نص مجتزأ، وهي قراءة يتشابك فيها النقد المادي والبعد الاجتماعي والبعد السياسي في منظومة فكرية متكاملة.

في العديد من المحاور مقاله، كان السيد الشبوط مصيبا، ومن ذلك حين يشير إلى أن اقتطاع تلك العبارة من سياقها أفضى إلى تشويه مزدوج: تشويه لفكر ماركس، وتشويه للنقاش الفكري حول الدين!

غير أن ثمة بعدا جوهريا يغيب عن تحليله، وهو أن هذا التشويه لم يكن محض خطأ معرفي بريء، بقدر ما كان توظيفا سياسيا مقصودا استخدمته أطراف تبدو مختلفة سياسيا، ولكنها تلتقي طبقيا، استخدمته في سياق عداء عداء أيديولوجي يتخذ لبوسا دينيا، ضد الأحزاب الشيوعية والحركات اليسارية، حتى تحولت تلك المقولة، إلى شعار مفتاحي للتكفير وتبرير قتل الشيوعيين. لقد كانت تلك تجربة تاريخية مريرة تعرف عليها الشيوعيون بالدم والسجن والنفي والاغتيال!

لذلك فإن النقاش الذي نخوضه هنا ليس نقاشاً حول ما إذا كان الاسلام خارج سياق مقولة "الدين أفيون الشعوب" أم لا، وهو السؤال الذي شغل قسما مهما من مقال الأستاذ الشبوط. ذلك أن الدخول في هذا النقاش، يجعلنا خارج أرضية المنهج الماركسي، ويحوله إلى موقف عقائدي من النصوص الدينية.

لقد قال ماركس بوضوح في هذا الشأن: "ان نقد السماء يتحول إلى نقد الأرض، ونقد الدين الى نقد القانون، ونقد اللاهوت إلى نقد السياسة".

إذاً، فالسؤال الماركسي الحقيقي مختلف جذريا: كيف يوظف الدين -أي دين- داخل بنية السلطة والاقتصاد؟ وما الوظائف الاجتماعية والسياسية التي يؤديها في لحظة تاريخية معينة؟

الموقف الماركسي من الدين

ولفهم هذا التداخل المعقد، يجب العودة إلى النص الأساس الذي تعرض للبتر والتشويه. كتب ماركس في مقدمة "مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل" عام (1844) ما نصه: "إن التعاسة الدينية هي في شطر منها، تعبير عن التعاسة الواقعية، وهي من جهة أخرى احتجاج على التعاسة الواقعية. الدين تنهيدة الإنسان المسحوق، روح عالم لا قلب له، كما أنه روح الظروف الاجتماعية التي بلا روح. إنه أفيون الشعب". هذه المقولة، توضح الموقف الماركسي: الدين بوصفه "احتجاج" و"مسكن" في الوقت ذاته!

وهذا ليس تناقضا في تحليل ماركس، انما هو تناقض الواقع نفسه. فالدين يمكن أن يكون في لحظات تاريخية معينة صرخة المظلومين، وتنهيدة الانسان المسحوق، ويمكن كذلك ان يكون دين السلطة - إسلام السلاطين - وهو الذي يشكل أداة للهيمنة وتبرير نهب الثروات، وينطبق عليه توصيف الأفيون تماماً لأنه يعمل على تكريس خضوع الناس للنظام القائم.

وفي التاريخ الاسلامي، ثمة أمثلة عديدة تؤكد صحة الموقف الماركسي. الأمويون والعباسيون ولاحقا العثمانيون، وظفوا الدين ونصوصه لصالح غاياتهم ومصالحهم. يقابل ذلك ما يمكن وصفه بـ "إسلام المعارضة"، الذي يمثله أبو ذر الغفاري، وعمر المختار والقرامطة وغيرهم، كما يرى المفكر العراقي الماركسي هادي العلوي.

غير أن هذا ليس تمييزا بين "إسلام صحيح" و"إسلام محرف"، فتلك ليست مهمة المنهج الماركسي ولا أدواته. إنه تمييز بين كيفيات متناقضة لتوظيف الدين في الصراع الاجتماعي: حين يصبح أداة في يد الحاكم لتبرير سلطته، وحين يتحول لسانا للمسحوقين يصرخون به في وجه السلطة ذاتها!

وعليه، فان الإشكال في طرح السيد الشبوط، يكمن - لا في دفاعه عن خصوصية الإسلام - بل في المنطق والإطار الذي جرى فيه هذا الدفاع، فهو ينطلق من مقارنة بين الأديان وخصوصيتها، بينما المنهج الماركسي يتجاوز هذا الإطار، وينتقل الى تحليل وظيفة الدين داخل المجتمع.

بمعنى أخرى، ان المشكلة ليست مع "السماء" بل في الأرض، أي في بنية المجتمع، وفي شروط العيش. فبدلا من نقد الدين، يجب توجيه النقد صوب السلطة والقوانين والمؤسسات التي تنظم حياة المجتمع. وبدلا من أن ننشغل بنقاشات عقائدية "لاهوتية"، يجب أن ننتقل إلى تحليل السلطة السياسية نفسها: من يحكم؟ وكيف يحكم؟ ولمصلحة من؟ لأن السياسة في نظر ماركس، هي المجال الذي تتجسد فيه التناقضات الحقيقية.

وهذا بالضبط ما يميز الماركسية عن الإلحاد المجرد، وهو تمييز يستحق الوقوف عنده.

بين المادية والإلحاد!

هاجم تيري إيغلتن المفكر الماركسي الانكليزي، ما أسماه "الإلحاد الضحل"، وميز بينه وبين النقد الماركسي العميق، وهو تمييز سليم تماما. يرى إيغلتن أن تيار الملحدين يهاجمون الدين بوصفه خطأ معرفي، بينما ماركس يخوض معركة سياسية واجتماعية ضد استغلال الإنسان طبقيا، ويدافع عن حق "الإنسان المسحوق" في تنهيدته، التي هي الدين! ثم يسأل بشكل غير مباشر: متى تتحول "التنهيدة" إلى صرخة؟ ومتى يتحول الدين من "عزاء" إلى قوة ثورية؟

يرى إيغلتن أن العلمانية الليبرالية التي تسخر من تدين الفقراء هي "حليف موضوعي للمصرفي"! والمصرفي هنا توصيف مجازي لرأس المال الذي يسرق الفقراء عبر الفوائد المتراكمة من الديون المالية.

بل أن إيغلتن يذهب أكثر من ذلك بالقول إن الرأسمالية هي "القوة الأكثر الحادا". وهي مقولة لها عمق حقيقي. فتحويل الإنسان إلى "سلعة" هو بالمعنى الديني الدقيق نفي لقدسية الإنسان!

ما يجب التأكيد عليه، أن الماركسية ترفض تماما الانجرار خلف الإلحاد البرجوازي الذي يعادي الكادحين المتدينين، كما إثارة المعارك اللاهوتية لأنها تخدم الطبقة الحاكمة، ولذلك يسأل الماركسي دائماً: من يستفيد من الإيمان وكيف يوظفه؟ ومن يستفيد من الإلحاد وكيف يوظفه؟

أتذكر انني قرأت قبل سنوات عن استعارة ماركس لحالة "الأفيون" عند تحليله لظاهرة الدين أنها تنعكس بالضرورة على الموقف من الإلحاد، تقول الاستعارة ما معناه: إذا كان الدين مجرد أفيون لتسكين آلام الانسان، فإن الإلحاد - بالمعنى الفلسفي المجرد- ليس إلا حرمان المريض من المسكن دون ان تجري معالجة جرحه!

من أجل ذلك اختيرت المقولة الأكثر تعبيرا عن فكر ماركس، لتنقش على قبره في لندن: "الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم بطرق مختلفة، والمطلوب هو تغييره".

ما هو موقف الشيوعيين العراقيين؟

تعلمنا نحن الشيوعيين احترام المعتقدات والأديان، من مناضلين حقيقيين تعرضوا في أحيان كثيرة - باسم الدين - للتنكيل والتهجير والسجن والاغتيال. ومع ذلك لم يتبن الحزب الشيوعي العراقي في أدبياته أو برامجه - وهو المتمسك دوما بالماركسية منهجا مرشدا للعمل- أي دعوة لإلغاء الدين او العداء له، إنما أكد على احترام جميع الأديان والمذاهب، ذلك أن الشيوعيين العراقيين يدركون، بوعي تام، أن المهمة الحقيقية هي مواجهة الاستغلال أيا كان مصدره ونوعه، بما في ذلك الاستغلال الذي يوظف الدين كأداة لخدمة مصالحه!

ان الموقف الرسمي للحزب، كما تعبر عنه وثائقه المتعاقبة، ينطلق من مبادئ تدعو إلى إلغاء استغلال الانسان للإنسان بعيدا عن أي تعصب قومي أو عرقي أو ديني أو طائفي او مذهبي. وهذا الموقف ليس براغماتيا، انما يعكس فهما ماركسيا أصيلا مفاده أن الدين ليس العدو، بل الاستغلال هو العدو.

ومصداق ذلك، أن العراق بلد فيه ثروات نفطية وطبيعية وبشرية هائلة، لكن نسبة الفقر فيه بلغت 17.5 بالمئة من السكان وفق آخر مسح اقتصادي واجتماعي أجرته وزارة التخطيط للأعوام 2023-2024، فيما تؤكد مؤسسات مستقلة أن هذه الأرقام الرسمية لا تعكس العدد الحقيقي للفقراء الذي يقدر بما يقارب ربع السكان، اي نحو تسعة ملايين مواطن تحت خط الفقر!

لقد اكتسحت قوى الإسلام السياسي المشهد العراقي بعد 2003، لكنها وللأسف، لم تحمل معها مشروع أبى ذر في توزيع الثروة، ولا زهد القرامطة في رفض الملكية. لقد جاءت معبأة بخطاب ديني - طائفي يقدم الهويات المذهبية على المصالح الطبقية، بما لا يعالج جوهر معاناة العراقيين الذين عاشوا سنوات تحت جحيم الدكتاتورية والحصار الاقتصادي، وما خلفه من فقر وجوع وعوز.

فماذا هي النتيجة التي يعيشها العراقيون اليوم؟ .. طبقة اولغارشية - أقلية حاكمة، تراكمت في يدها ثروات النفط بينما يعيش ثلث العراقيين تحت خط الفقر!

بهذا المعنى تتجلى وظيفة الأفيون، وهذه المرة ليست في شكل وعظ يدعو للصبر والاحتساب والتقية، إنما تجلت في شكل هوية طائفية حولت الفقير من صاحب حق في ثروات بلاده، إلى "حارس مقدسات" يدافع بنفسه عن المنظومة التي تسرق قوته وقوت عياله!

وهنا بالضبط يكتسب "الاغتراب" الذي دلالات أغنى في الواقع العراقي. فالمواطن الذي نزعت عنه صفة المنتج، بفعل تكريس الطابع الريعي للاقتصاد، وتعطيل الصناعة والزراعة، يرى هذا المواطن ثروات بلده تهدر، وهو لا يملك اي سيطرة حقيقية على القرار السياسي او الاقتصادي، ولا على توزيع الثروة الوطنية التي تقسم بين شبكات المحاصصة الطائفية التابعة لقوى السلطة وحاشيتها الزبائنية، ما ينتج شعورا بالعجز وعدم الفهم والاغتراب عن منظومة سياسية لا تمثله!

وتتجلى ذروة ذاك الاغتراب في صورة ما تكون عليه الانتخابات العراقية. فهذه الممارسة الديمقراطية التي يفترض أن تعكس الإرادة الشعبية، جرى تفريغها من محتواها الديمقراطي لتتحول إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج هيمنة ذات الأوليغارشية الحاكمة. عبر المال السياسي، وسيطرة السلاح، والزبائنية، تصادر أصوات الناخبين، مما يحول صناديق الاقتراع إلى أداة لشرعنة الاستغلال وتوزيع الريع على شكل حصص بدلا من تغيير الواقع، وهو ما يفسر أسباب المقاطعة الجماهيرية الواسعة.

أصدق تجسيد لهذه التحليل الماركسي لتوظيف الدين في المجال السياسي، جاء من شوارع بغداد والبصرة والناصرية وغيرها من المدن العراقية، حيث اندفع نحو ساحات الاحتجاج، ملايين المواطنين الساخطين على سياسات قوى منظومة المحاصصة الطائفية، رافعين شعارات تعكس وعي طبقي عفوي، يلامس في جوهره صلب النقد الماركسي: "باسم الدين باكونا الحرامية" و"نريد وطنا".

فحين يرى المواطن الفقير في جنوب العراق أن قوته اليومي يذهب إلى تمويل حسابات مصرفية لزعامات سياسية وحاشية زبائنية، بينما تنهار مستشفياته وتتهالك مدارسه، فهذا فشل منظومة طبقية مهيمنة تستعير لغة الإسلام ومذاهبه لإدارة توزيع الغنائم. منظومة تجعل "الفقير الشيعي" يرى عدوه في "الفقير السني" بدلا من أن يرى عدوه المشترك في الطبقة الطفيلية بـ "سنتها وشيعتها"!

الحوار مطلوب وأكثر..

في ختام مقاله يقدم السيد الشبوط دعوة للحوار الحضاري بين الماركسية والاسلام، منطلقا من فكرة أن كليهما يشتركان في قيم العدالة الاجتماعية وكرامة الانسان. وهذه الدعوة في ذاتها مشروعة بل وضرورية في السياق العراقي الذي يعاني من استقطاب حاد بين الهويات.

ولكن هذا الحوار يجب أن يتجاوز ما يمكن تسميته بـ "المصالحة الفوقية" التي تتجنب المسائل الحرجة نحو قضية أهم وأعمق. أن نذهب إلى حوار حقيقي يطرح سؤالا ملموسا: ما الذي يمنعنا من أن نلتقي في مواجهة الاستغلال الراهن؟ وهذا سؤال له إجابة سياسية عملية لا إجابة "فلسفية مجردة"!

بطبيعة الحال، إن موقفنا في الحزب الشيوعي العراقي لا ينظر إلى قوى الإسلام السياسي بناء على موقف أيديولوجي مجرد وقاصر، انما يقترب منها ويبتعد عنها من زاوية موقفها من نهج المحاصصة الطائفية والاثنية، بالإضافة، بكل تأكيد، إلى موقفها من الطبقي.

فالحزب يعمل على استبدال نهج المنظومة المحاصصاتية الفاسدة، بنهج المواطنة والعدالة الاجتماعية، ومن أجل تحقيق مطالب الشعب التي جسدتها انتفاضة تشرين، عبر إقامة أوسع اصطفاف سياسي وشعبي رافض ومعارض للنهج السياسي والاقتصادي لهذه المنظومة.

المطلوب حوار يتجاوز معارك "العلمانية ضد الدين" او "الدين ضد العلمانية"، نحو عمل واسع ينتج حسا مشتركا جديدا بالمعنى الغرامشوي، اي تحويل قيم المواطنة الحقيقية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية إلى بديهيات في الوعي الشعبي اليومي.

بهذا المعنى يصبح الحوار الذي يقترحه السيد الشبوط ليس ممكنا فحسب بل وضروريا، لكن شريطة : أن يكون حوارا ينطلق أساسا من الوقوف بالضد من الاستغلال والفساد والمحاصصة، لا مجرد حوار حول التقارب بين "منظومتين فكريتين".

************************************

الصفحة العاشرة

أكره اللامبالين

محمد آيت حنّا

 

 

صدر عن منشورات «تكوين» كتاب “أكره اللامبالين” لأنطونيو غرامشي، ترجمة مينا شحاته، تقديم وتحرير ومراجعة محمد آيت حنا

تقديم: ضدّ اللامبالاة

»كلّ شيءٍ يحدث، لا يحدث فقط بسبب الذين يَفعلون، بل أيضاً بسبب الذين يُفضّلون ألّا يفعلوا شيئًا«.

بهذا الإعلان الغاضب، يبدأ أنطونيو غرامشي مقاله الشهير «أكره اللامبالين»، الذي اختير أن يكون عنوانا لهذا الكتاب. وليس ذلك من باب التمثيل أو التعريف فحسب، بل لأن هذه الجملة تختزن في ظاهرها صيحة غضب، وفي باطنها رؤية كاملة للعالم: رؤية أخلاقية، لغوية، تاريخية، تقوم على أن ما يسمّى «واقعا» ليس معطى طبيعيا أو قَدَريا، بل هو نتيجة أفعال أو لا أفعال؛ أي نتيجة ما ينتَج وما يهمَل، ما يقال وما يُسكت عنه، ما يُصاغ وما يُترك سائغا لأهواء القوة.

إن اللامبالاة، بالسبة إلى غرامشي، ليست مجرد موقف نفسي سلبي، بل هي آفة مدنيّة، وخيانة وجوديّة. إنها المجال الرمادي الذي تُصنع فيه أسوأ الخيارات السياسيّة دون مقاومة، الحيّز الذي يخلي فيه الوعي مكانَه للعادة، وتنسحب فيه الكلمات النزيهة، لتترك الساحة لشعارات جوفاء أو متواطئة.

حين نعيد اليوم قراءة مقالات غرامشي القصيرة، التي كُتبت في لحظة هائجة بين سنتي ١٩١٦ و١٩١٨، لا نعود إليها بوصفها آثارا لنضال ماضٍ، بل بوصفها محاولات شاقة للتفكير داخل الزمن، لفهم الكيفية التي يصنَع بها الواقع، ويعاد إنتاجه يوميا، ولطرح سؤال خطير: لماذا نرضى بهذا الواقع؟ ومن الذي حدد القاموس، ووزع الأدوار، وقرر من يتكلم باسم من؟

في هذا الكتاب لا نصاحب غرامشي السجن، بل غرامشي التكوين، غرامشي الذي لم يصمت بعدُ كي يكتب دفاتر تأملاته، بل ما يزال يكتب وسط الضجيج، وسط الانكسارات، وسط شعور شبه يومي بالفشل، ويفعل ذلك بلغة لا تتعالى على اللغة، بل تحاول أن تمسك بالشيء في لحظة ولادته، أو لحظة انفجاره. وإن كان قارئ الكتاب لا يعدم أن يصيد فيه بعض التنظيرات المفيدة، إلا أن غرامشي أساساً هنا ليس بالمنظِّر، بل المنقّب؛ وهو لا يبحث عن الذهب، بل عن اسم جديد لما يراه. اسم لا يكون مهادنا، ولا متواطئا، ولا مكرورا. ولهذا، فإن كرهه للامبالاة ليس نَفَسا أخلاقيا موتورا فحسب، بل هو الشرط الضروري لقيام أي سياسة جدية. ذلك أن ما يعطّل السياسة، في نهاية المطاف، ليس غياب المشروع، بل غياب الحكم، غياب القدرة على التمييز، وغياب الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها.

غرامشي قبل السجن: التكوين في الهامش

كثيرا ما يُقرأ أنطونيو غرامشي بوصفه ابن دفاتر السجن، كما لو أن فكره وُلد لحظة أُغلقَت الزنزانة عليه، واستوى في تلك العزلة التأملية المشروع المعقد الذي سيحمل لاحقا، لدى مفكرين ماركسيين، اسم «الهيمنة الثقافية». غير أن مثل هذه القراءة تقصي كل ما سبق الاعتقال، وتحوّل التجربة المبكرة إلى محض مقدمة باهتة، بدل أن تراها لحظة تكوين عنيف، وانفلات ضروري للكلمات في زمن عاجل ومضطرب.

كان غرامشي، إبّان كتابة هذه المقالات، شابا في نحو الخامسة والعشرين، مثقّفا هشا في بدنه، قويًا في جدَله، يعيش بين فقر سردينيا وجفاف تورينو، بين لسان أمي، وبين لغة نظرية لم يتملكها بعد كل التملّك. كان يجد نفسه موزعا بين «الجنوب» و«الشمال»، بين الثقافي والطبقي، بين ما هو شخصي وما هو بنيوي، بين بؤس الفلاحين وانسحاقِ العمال؛ وفي قلب هذا التمزق، بدأ يكتب.

لم يكن يملك «مشروعا» بالمعنى المتأخر للكلمة، بل كان يخوض مغامرة التفكير من موقع الحاجة، من ضغط اللحظة، ومن إدراك مرير بأن ما يقوله العالم لا يكفي لفهم ما يجري فيه. ذلك أن إيطاليا كانت، آنذاك، في خضم تحولات كبرى: حرب عالمية تهز أركان الدولة الليبرالية، طبقة عاملة تجرب خوض الإضرابات الكبرى، أحزاب تتخبط بين الحياد والتعبئة، وسرديات متضاربة حول معنى الأمة، وحقيقة الشعب، وقيمة الدولة. وفي خضم ذلك، لم يكن غرامشي ينتج خطابا مكتملًا، بل كان يعلّق، يجادل، يشكّك، يقترح. وهذا ما يجعل من مقالاته المبكرة فضاء خصبا لتتبع ولادة المفاهيم التي ستنضج لاحقا، كأننا نشهد مخاضا نظريا يجري في وضح الفعلِ، لا في برودة السجن.

إن مقالات هذا الكتاب تضعنا في تماس مباشر مع عقل يفكر تحت الضغط، ليس في مأمن من الزمن، بل في عُرضِه. عقل لم يكتب ليراجع ما جرى، بل ليوقف ما كان يمكن أن يجري، ولذلك يكتسب كلامه طابعا تحذيريا دائما، لا يهادن، ولا يؤجّل، ولا يتجمّل. إنه فكر يتكون في الهامش: في الهامش الجغرافي لسردينيا، في الهامش الطبقي لطفل يدرس دون أن يحصِّل كفايته من طعام، وفي الهامش الفكري لصحفي شاب لم تعلمه الجامعات، بل علّمه العطب والصراع والتناقض.

ومن هذه الهوامش، سيبدأ لاحقا بناء المركز.

خيوط ثلاثة تتقاطع

في نصوص غرامشي

١- الحرب كمرآة للذهنيّات؛

لم تكن الحرب، في مقالات غرامشي، حدثا برانيا يعلّق عليه كما يعلّق المراسلون أو المؤرخون. بل كانت حدثا جوانيا، عنيفا، هز البنى العميقة للذهنية الأوروبية، وعرّى التناقضات الكامنة في الخطاب الديمقراطي، وفي تمثّلات الشعب، وفي وظيفة الدولة الحديثة. لقد كان غرامشي، كما يقول في إحدى مقالاته، يشعر أنه يرى لأول مرة ما كان في السابق مجرد أفكار: لم تعد الدولة مصطلحا، بل آلة تبتلع، ولم يعد الشعب رمزيّة، بل قطيعا يُساق، ولم تعد الحرب مجرد سياسة بوسائل أخرى، بل مرآة تظهر قبح الذهنيّ التي أنتجتها.

في مقال الكذب والاستسلام (الحرب والمستقبل)، تتكشف أمام القارئ هذه الرؤية الجدلية التي تقيم صلة بين الخرافة والدعاية والدولة: لم تقع الحرب لأن الناس أرادوها، بل لأن الذهنية العامة كانت قد جُهّزت سلفا لتبريرها، بصور الجنود الخنازير، والنساء ذوات رؤوس الإوَز، وببطاقات البريد الملونة، أي بمنظومة رمزية هشة، بدائية، تمجّد الحرب باسم الخوف من الآخر أو الحقد عليه أو الشهوة العدوانية التي غذّيت طويلًا. ولذلك لم يكن غرامشي مهتما بتحليل التكتيك العسكري، بل بتحليل القبول الشعبي بالحرب، ذلك القبول الصامت، المتواطئ، اللامُفكَّر فيه. كان يرى فيه نتيجة مباشرة لفشل التربية السياسية، ولتآكل الأخلاق الجماعية، ولغياب النقد.

في نصوصه عن الحرب، لا نقرأ وصفا لجبهات القتال، بل قراءة في كيف تتحول الشعارات إلى مقابر، وكيف يصير الفرد مسلوب الإرادة، ويُلقى به وسط المجزرة باسم الوطنية. بل الأدهى من ذلك، أن غرامشي يدرك أن الخرافات التي غذّت الحرب الأولى، لن تموت مع نهايتها، بل ستتكيّف، ستُغيّر كلماتها، وهو ما يهيئ للانفجار التالي.

إنّ ما كان يقلق غرامشي ليس الحرب فحسب، بل قدرة المجتمع على أن ينتجها مرّة بعد مرّة، دون أن يدرك آلياته الداخلية، ودون أن يغيّر لغته.

٢- السياسة بوصفها تمرينا لغويا؛

لا تُبنى الهيمنة على القهر وحده، بل على اللغة. هذا ما يتسلل، جملة بعد جملة، من بين أسطر غرامشي في مقالاته المبكرة. فهو لا يكتفي بانتقاد الواقع السياسي، بل يمعن في تحليل الكلمات التي تصفه، ويتوقف طويلًا عند مصير بعض المفردات، كيف تغيرت دلالاتها، ومن غيّرها، ولماذا.

في مقال كيف تتغير اللغة، يقدّم غرامشي نموذجا دقيقا من النقد الإيديولوجي المبكر: كلمات مثل panciafichista  (آكل التين الجبان) أو guerrafondaio  (مولع بالحرب)، ليست مجرد نعوت قدحية أو مصطلحات دارجة، بل هي أدوات قتال رمزي، تشير إلى كيف يُعاد بناء الشعور العام من خلال تشويه اللغة ذاتها.

فحين تختفي كلمة معينة من التداول، لا يعني ذلك زوال الواقع الذي كانت تصفه، بل قد يعني نجاح بنية سلطوية في تغيير زاوية النظر إلى ذلك الواقع، وفي هندسة انفعالات النّاس عبر ألفاظ «ألذّ في الفم»، كما يقول غرامشي بسخرية مرَّة. ومن هنا، فإن السياسة، في نظره، لا تنفصل عن اللغة: فهي إما أن تكون ممارسة واعية بالمعجم الذي تُنتِج من خلاله الواقع، أو أن تكون مجرد تكرار لخطاب سبق أن هُندِس لغيرها.

من هنا أيضا، تنبع قيمة نقده للذهنية «الديمقراطية» الزائفة التي كانت، في رأيه، تتغنى بشعارات الثورة بينما تكرّس الخضوع، وتدّعي الدفاع عن الشعب بينما تفتّت بنيته الرمزية. كانت ديمقراطية لا تملك حتى لغتها، بل تعيش على استعارات ميتة، أو مفاهيم معارة، أو كلمات فقدت جذرها.

ولذلك، فإن مجمل ما نقرأه في هذه المقالات لا ينفصل عن مشروع لغوي عميق، سيصبح لاحقا، في دفاتر السجن، مشروعا متكاملا لنقد المثقف، للمدرسة، للأدب، وللأمة.

لكن البذور هنا واضحة: اللغة ساحة معركة، ومن لا يعرف أسماءه، سيُجبَر على تبنّي أسماء الآخرين، وسيرى العالم بعيونهم، ويتحمس لقضاياهم، ويموت في حروبهم.

٣- من الأخلاق الفردية إلى السياسة بوصفها تربية؛

ليس غرامشي منظّرا أخلاقيا بالمعنى التقليدي، لكنه، منذ مقالاته المبكرة، يصرّ على أن السياسة لا يمكن أن تقوم دون أخلاق. لا بوصفها وعظا أو قناعة شخصية، بل باعتبارها بنية جماعية للسّلوك، إيقاعا مشتركا للفعل، معيارا ضمنيا للتمييز بين الحياة الحقيقية والزائفة.

في مقاله التأسيسي (أكره اللامبالين)، لا يدين غرامشي موقفا، بل يكشف هشاشة بنية كاملة من الصمت والتأجيل والانسحاب، تلك البنية التي تجعل الممكن يبدو مستحيلا، وتجعل اللامشاركة تبدو حيادا، والحقيقة مجرد وجهة نظر.

إنّ اللامبالاة، في هذا السياق، ليست سلوكا فرديا، بل عرضا لبنية اجتماعية فقدت الحس التاريخي، وتخلت عن مسؤولية المشاركة في صنع المصير المشترك. ومن هنا، يبدأ تصوّره للسياسة كتربية، لا كخُطَب. فالتحول الاجتماعي لا يبدأ بانتفاضة، بل ببطء، بجهد، بتربية ذاتية قاسية، يقول في أحد مقالاته: «ينبغي أن نغيّر أنفسنا». فبدلاً من أن يلقي باللوم على البرامج والشعارات، يعود غرامشي إلى المسؤولية الفردية، إلى السلوك اليومي، إلى نمط التفكير الذي يجعل المرء يكرّر ما لا يؤمن به، ويعيش بعقل لا يشبهه.

وفي هذا المنظور، لا يمكن بناء حزب بدون بناء إنسان، ولا يمكن تغيير العالم بدون تغيير اللغة التي تصفه، ولا يمكن تربية الثورة دون تربية الذات. تبدو هذه المقاربة بعيدة عن التحليل البنيوي، لكنها ضرورية، لأنها تمسك بالجذر الأخلاقي الذي يجعل السياسة ممكنة. في كل سطر من هذه المقالات، ثمة نَفَس تربوي، ليس مدرسيًا، بل شاقا، عميقا، مطالبا. ولذلك، فإن غرامشي لا يقنعنا، بل يربّينا.

كتابة غرامشي: مقالة / أداة / معركة

حين نقرأ مقالات غرامشي المبكرة، سرعان ما ننتبه إلى أمر حاسم: هو لا يكتب نصوصا «عن» الواقع، بل يكتب «فيه» وضده. لا يكتب كمؤرّخ يتأمل من علٍ، ولا كمحلّل بارد، بل كمنخرط مشتبك في معركة، والمقالة عنده ليست جنسا صحفيا أو أدبيا، بل سلاحا.

إنها قصيرة، لكنها مشحونة. مباشرة، لكن غير سطحية. هجّاءة حينا، تأملية طوراً، تحريضية تارةً، لكنها دوما تنطلق من فرضية واحدة: اللغة ليست محايدة، ومن يكتب، يختار موقعه، ويُلن ولاءه، ويكشف أدواته. في هذه المقالات، تتكون ملامح ما سيصبح لاحقا «الأسلوب الغرامشي»: أسلوب يفضّل الحِجاج على التقرير، والتفكيك على الإدانة، والسخرية المبطنة على العنف المباشر؛ أسلوب يبني مستويات متعدّة من التلقي، عبر خلق نوع من المسارّة بينه وبين القارئ، يحبو القارئ بين مفاهيم ماركسية وإيديولوجية، ولكنه في الآن نفسه يداعب بيديه حكايات وقصصا وطرائف ومُلَحاً. لكن هذا الأسلوب لا ينفصل عن رهانه السياسيّ العميق: إنّه أسلوب يحترم القارئ، لا يستخف به، ولا يعلِّمه من علٍ، بل يفكّر معه، يشاكسه أحيانا، ويحرّضه على الشك حتى في اللغة التي يقرأ بها.

لقد كانت المقالة عند غرامشي معركة لغوية وسوسيولوجية، تُستخدم فيها المفردة لا كزينة، بل كطلقة. وكل استعارة فيها محملة بملفات كاملة من الصراع الطبقي، والخلفيات التاريخية، والرهانات الرمزية. حتى حين يتحدث عن المدارس، أو المجلات، أو التعليم، لا يفعل ذلك من موقع الناقد الثقافي، بل من موقع من يعرف أن كل تفصيلة في البنية الرمزية تسهم في إنتاج الهيمنة، أو في تفكيكها.

هكذا تصير المقالة عنده صورة مصغّرة عن مشروع أكبر: مشروع التفكير في السلطة من داخل الكلمات. وحين سيكتب لاحقا في دفاتر السجن عن الهيمنة، وعن الكتلة التاريخية، وعن الوظيفة العضوية للمثقف، سيكون قد بدأ هذا المسار من تلك السطور الأولى، حين كتب، لا ليوضح، بل ليقاتل.

ضد زمن بلا أسماء

من بين كل ما كتبه غرامشي في سنواته الأولى، ثمة شيء لا يشيخ: ذاك الإصرار العميق على تسمية الأشياء. على ألا نترك الكذب بلا اسم، وألا نمرّر البلاهة في زي الحكمة، وألا نخلع على الحياد لقب التعقّل.

حين نقرأه اليوم، لا نفعل ذلك من باب التقديس، ولا من باب استعادة ماضٍ ماركسي مجيد، بل لأننا نعيش مرّة أخرى في عالم بلا مسمّيات واضحة، في زمن تجري فيه الحروب دون أن تُسمّى، وتُمنح فيه الشهادات دون معرفة، ويُمارس فيه القهر باسم الإصلاح، ويُنتخب الجبناء لأن الكلمات المشرّفة فقدت معناها. كتب غرامشي عن الحرب، لا ليصفها، بل ليكشف أن الخرافة هي من خاضت الحرب أولا. أنه ما من معركة دموية تُخاض قبل أن تُخاض معركة في المعجم، في العناوين، في نشرات الأخبار، في أغلفة الكتب، في القصائد الوطنية. وها نحن نراه اليوم، بنظرته الفاحصة، ينظر معنا إلى حروبنا، إلى «الحروب النظيفة» التي تُدار عبر الشاشات، إلى المجازر المسوغة بالخرائط والمصالح، ويسألنا مجدّدا: هل سمّيتم هذه الحرب؟ هل تملكون لغتكم لتصفوها؟ أم أنكم تتكلمون بلغة العدو؟ كتب غرامشي عن المثقفين الذين انصرفوا إلى تنميق الشعارات، وعن الصحف التي تملأ العيون لكنّها تفرغ العقول، وعن المدرسة التي لا تعلّم بل تبرمج، وعن الشهادات التي لا تثبت كفاءة، بل ترسّخ كذبة قانونية، وعن استقالة الأسرة من واجبها التربوي الأخلاقي. ومَن يقرأه اليوم، في ظل فضائح مثل تزييف الشهادات، والمسارات الجامعية المبنية على الزبونية، يفهم أن ما كان يكتبه في زمنه، لم يكن دفاعا عن شكل النظام، بل عن شرط الحكم نفسه: الاستحقاق. في زمن باتت فيه الحقيقة مائعة، والنقاشات سائلة، والأحكام مبنية على الانطباع لا على المبدأ، يذكرنا غرامشي أن كل سياسة لا تبدأ من إعادة بناء اللغة الأخلاقيّة، ليست سوى تدبير ظرفي للبقاء. لذلك لا يكاد يعثر القارئ في مقالاته على أجوبة جاهزة، بل يرغم على إعادة صياغة الأسئلة: يتساءل عن المسافة بينه وبين الراهن، عن مواقفه من عالمه، عن ثمن الانخراط وأثمان اللامبالاة، عن لغته ولغتهم، عن تكوينِه وشهاداتِه ومسؤوليته، عن الحرب التي يتوهم أنها بعيدة، وأن صداها لا يمكن أن يدركه… عن، وعن، وعن… في عالم ينتَج فيه الزيف بسرعة تفوق قدرتنا على تسميته، نعود إلى غرامشي، لأنه، وسط كل هذا الركام، يطالبنا بأمر بسيط، صعب، أخلاقي، وثوري في آن: أن نسمي الأشياء، أن نتحمّل نتائج ذلك،

وأن نبدأ بأنفسنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منصة "تقدم" – 11 نيسان 2026

******************************

"تبيُّن" 56 .. التسامح في الفلسفة الأفريقية

صدر حديثا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا العدد السادس والخمسون (ربيع 2026) من دورية "تبيّن" للدراسات الفلسفية والنظريات النقدية. وتضمن أربع دراسات: "التسامح في الفلسفة الأفريقية: الأبونتو نموذجا" لمحمد زكاري، و"نقد نانسي فريزر للفضاء العمومي البرجوازي عند هابرماس والتحدي الديكولونيالي" لعماد الجميعي، و"حياد الأسلوب الفلسفي: قراءة نقدية لرأي مارثا نوسباوم" لتوفيق فائزي، و"فلسفة المشاعر بين أرسطو وكريسبوس" لنجيب طبطاب.

ونقرأ في باب "ترجمات"، ترجمة صلاح إسماعيل لدراسة بول أوجرادي "الفلسفة والسيرة الذاتية". واشتمل باب "مراجعات الكتب" على ثلاث مراجعات؛ الأولى لكتاب أزمة الحداثة المتأخرة: لماذا نحتاج إلى نظرية للمجتمع؟ لأندرياس ريكفيتز وهارتموت روزا، أعدها علي الرواحي، والثانية لكتاب ضد الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع حواري لساري حنفي، أعدها مايكل مدحت، والثالثة لكتاب تجليات المحتجب: اللاهوت السلبي وفلسفة الدين لعلي رضا، أعدها مصطفى هشام. واختُتم العدد بعروض لأربعة كتب صدرت حديثا أعدَّتها هيئة تحرير الدورية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" – 21 نيسان 2026

*************************************

الصفحة الحادية عشر

من شعر صادق الصائغ

• سعدي الحبيب

اذا كنت قد مت حقاً

فنم اذن جيداً

نم نوماً عميقاً

وسأوافيك غداً

• هذه المدينة عجيبة

ضربت بالقنابل

سحقت تحت الاقدام

لكنها

وكما لو ولدت للتو

سمعت تحت الأنقاض تتك

• في الممر الضيق

تركت ظلي يفتقدني

كان يعرف الطريق

اكثر مني

كل الابواب التي طرقتها

اعادتني الى الداخل

كأنني

لم اخرج يوماً

*******************************

صادق الصائغ.. المشبع بالعراق

ياسين النصير

لقد فقدت بوصلتي بفقدان الكبير صادق الصائغ. سلاما في رحلتك ايها الرفيق الشاعر والعاشق والفنان والانيق، لم اصدق وأنا اقرأ نتاجاتك الشعرية الأخيرة وفيها ذلك الصفاء الإلهي، كيف ترحل ونحن على وعد يا صديقي، كيف؟ قبل يومين انهيت كتابتي عن قصيدتك لنجيب المانع والحقتها في كتابي الشعري بين الاشياء والاسماء. كيف ترحل وتتركنا نهبا لهؤلاء الذين اكلوا اخضر المثقفين ويابسهم، يا صديقي يا أيها النداء المشبع بالعراق صوتا وموقفا صاحبتك السلامة الأبدية.. كيف يمكنني الحديث ونحن كنا في خلية واحدة نرسم خططا لمستقبل العراق، انت وزهير وعريان وعادل العامل و(فاضل الربيعي) وموفق الشديدي، فريق عمل ولسنا خلية مثقفين، كل اجتماع لنا نسأل انفسنا ماذا سيكون غد العراق؟ وللأسف كانت اسئلتنا تبحث عن اللا جواب، فغادرنا هذه البلاد ،وسنموت غرباء يا صادق لا احد يمكنه التعرف على مقابرنا. أنت يا ويلي اشم رائحتك في هواء المدن وثياب القصائد وعشقك الكوني للحرية.

**********************************

أتعبتَ قلبك كثيرا.. صديقي

عبدالمنعم الاعسم

عندما رأيتُ، في ساعة متأخرة من الليل، دموع وفاتك على سطور اصدقاء كثيرين مفجوعين، وضعت يدي على قلبي لكي اتأكد من انه ينبض، هكذا قلت لنا قبل شهور يوم التقيناك في مفترق حياة: علينا ان ننصت جيدا الى الرفيف السري في وجداننا، والى سعة قلوبنا.. لقد اتعبناها كثيرا.

والان، سنعرف كم كنت مصيبا، صادق العزيز، وانت تأخذ حروفك الانيقة معك في هذه الرحلة الابدية الشاقة، لتحميها من غبار الحياة، ومشقات الوحدة، وفوضى السوق الكلامي، ومزادات بيع الحياء، ولم تخذلنا نحن قراء قصائدك الاولى، وأصدقاء صبواتك النبيلة، وشركاء كهولتك الصلبة، والباسقة، والقانعة.

صادق الصائغ، ها انت، في هذا الرحيل الموجع، تذكرنا بمدى خسارتنا لهذه الرهافة، من اضمامات الشعر والرسم والكتابة والمواقف، وجميعها احتشدت في قلبك يوم خاطبته، في آخر تساؤلاتك:  

"يا قلب..

يا قلبي المطمور تحت

الارض.

لا احد يطلق النار عليكَ

فلماذا يتصاعد من ثقوبك الدخان؟

*************************************

الصادق .. القلم، المثقف، الانيق

ميسلون هادي

الشُعَراءُ/ الأحلى/ الأغلى/ الأنـــبل/ الهُمْ طَـلْعُ النَخْلْ/ وَسَمَادُ الأَرْضْ/ وَزَرازيْرُ الصَيْفْ/ وطـيورُ المَـاء.

القصيدة لصادق الصائغ في رثاء محمد سعيد الصكار.

ولكن هل يعرف العراقيون من هو (الصكار) صاحب الأبجدية المسجلة باسمه، أو من هو (صادق الصائغ) شاعر الحداثة الذي توفي يوم أمس في منفاه؟ هل يعرفون من هو محمود البريكان أو بلند الحيدري أو حسب الشيخ جعفر أو حسين مردان أو رشدي العامل أو جان دمو أو سعدي يوسف أو سركون بولص؟ بلد الشعر لا يعرف شعراءه الكبار الآن، أولئك الذي عاشوا، عندما كانت الخرابة في طريقها للوجود، ولكن التصاقهم بهموم الشعب جعل الأمل ساطعا وموجودا حتى في النفق،  وإلا كيف يمكن  لطالبة جامعية أن تعرفهم وتقرأ لهم في السبعينات، وأن تجد فيهم النخبة التي شكلت وعيها وزادتها حبا بالأدب الرفيع. هؤلاء (وغيرهم كثير) هم رموز الثقافة العراقية، الذبن اشتبكوا مع السياسة بشكل يومي وعذاب مرير، فلم تكن الصفقات والمليارات موجودة، ولم يقتربوا من السلطة إلا في السجون، ومع أن الشاعر الراحل صادق الصائغ عمل في الإعلام العراقي، لكنه كان القلم المختلف الأنيق، وليس القلم المنافق أو الصامت،  فيمنع الرئيس أحمد حسن البكر برنامجه لأسباب لا نعرفها، وقُيل ان غياب النفس البعثي هو السبب، وقيل أن طابع البرنامج المشاكس هو السبب، وقيل ان تسريحة شعر صادق الصائغ هي السبب، حتى جاءت الثمانينات، فـ(تطشر) اليساريون في المنافي، وذهبوا إلى ملوك لا يظلمون أحدا. ظل الأمل موجودا بعودتهم الى العراق بعد 2003 وأن تعود أقلامهم الفذة لتعيش كهولتها بين التكريم ورد الاعتبار،  لأن العراق تعافى من الدكتاتورية، وسوف يحتفي بهم ويضعهم في الأعالي التي يستحقونها. لم يحدث هذا،  مع ان بعضهم جازف وعاد الى العراق مباشرة بعد التغيير، فتعرض هو وعائلته للخطر، أو اغتيل فعلا مثل كامل شياع وكذلك قاسم عبد الأمير عجام وسواهما. وكانت هذه طعنة أخرى تلقتها قلوبهم، التي اتعبتها السجون والمنافي. فكم تحتمل القلوب من أوجاع؟ كم تتورم من الألم حتى تنتهي؟ اتذكر كلمة لمجايله يوسف الصائغ قالها في كتابه الاعتراف الأخير لمالك بن الريب، ويوسف الصائغ وصادق الصائغ ليسا من عائلة واحدة (الأول مسيحي والثاني مسلم): يقول الأول إنه كان ينظر من كوة سيارة التوقيف إلى الشارع، فيجد الناس منشغلين مستعجلين ومنصرفين إلى أعمالهم ويومياتهم،  فيسأل يوسف الصائغ نفسه: هل يعرف هؤلاء الآن أني ذاهب للتوقيف بسبب همي عليهم واهتمامي بهم؟ لا تزال كوة التوقيف موجودة، لكنها اتخذت شكلا آخر، للتفرج على ما حدث ويحدث من مسرحيات أصبحت تحمل  اسم الديمقراطية!

وداعا صادق الصائغ.

(1945-2026) غادرنا إلى رحمة الله يوم الجمعة في لندن.

ـــــــــــــــ

(1) الصحيح 1934 والبعض يقول 1936

*************************************

صائغ الجمال.. وداعاً

د. جمال العتّابي

في سبعينات القرن الماضي، انشدّ جمهور متابعي تلفزيون بغداد إلى (البرنامج الثاني) الذي كان يعدّه ويقدمه الفنان صادق الصائغ، استطاع عبره أن يكسب عدداً كبيراً من جمهور المشاهدين، لما يقدمه من موضوعات لم يألفها المتابع العراقي، بدأت أتعرف على صادق من خلال قراءاتي لما ينشره من قصائد في الصحافة. إلا إن اشدّ ما لفت انتباهي، وإعجابي به هو ابتكاراته المدهشة في الخط والتصميم، كانت تأخذ مني وقتاً طويلاً في التأمل، لذا حاولت لأكثر من مرّة أن أقلّده في السحر الذي يصنعه. وكانت الفرصة الرائعة أن نلتقي في فريق عمل جريدة "طريق الشعب"، في سنوات عنفوانها. اختار صادق ميدان عمل آخر في الجريدة مشرفاً ومساهما في الموضوعات الفنية، وتحرير الصفحة الأخيرة، وخلالها انشغل صادق بإنجاز (أبجديته)، إلى جانب اهتماماته السينمائية والتشكيلية.

  عرفت صادق مخلصاً لفنه، وانسانيته، وذاته المبدعة، هيمان بالمغامرة، والحداثة، منتمياً إلى التجديد ومحيطه، كل ما صاغته يداه، صور لامعة تشبه شلالاً، صور تبهر وتجذب، إنها مقطوعات متوهجة ثرية عميقة الأثر، بعمق تجربته وغناها الفكري والثقافي والسياسي، نكتشف فيها المعاني الإنسانية عبر ما أنتجته عقليته المتفتحة.

الصائغ نساج ماهر للحروف، ناقد للدراما والسينما، شاعر محلّق في فضاءات كونية بأناشيد الكركدن. أية احتفالية تلك التي يصنعها مكتشف الأسرار؟

رحيلك بهدوء لا يليق بكل هذا الضوء المحيط بك، أخيراً أغلقت بابك، لكن الريح التي خرجت منه ما تزال تحمل رائحة الحبر والألوان، وأثر الأصابع التي تروض الحروف.

  لم تمت، يا صديقي.. أنت فقط تراجعت خطوة في الانتظار، لتترك لنا وجعاً كخط متداخل مثل تكويناتك المتداخلة.

أي منفى هذا الذي يبتلع شاعراً وخطاطاً ورساماُ وكاتباً أنيقاُ؟ أي لون تسرّب من لوحاتك، حتى صار هذا العالم باهتاً؟ كنت يا أبا جعفر تعيد ترتيب العالم ليصبح أقل قسوة. أحاول أن أصدق أن اليد التي منحت الحروف روحها قد سكنت الآن.

 سلاماً لك، وأنت تعبر وحدك هذا البياض الشاسع.. سلاماً لنا نحن الذين بقينا نحمل ظلك. الآن لا منفى بعدك ولا عودة!

أدب الاعتراف البحث عن الممنوع

علي حسن الفواز

 

قد يبدو صعبا القبول بكتابة نص الاعتراف، أو كتابة المذكرات بجرأة الكشف عن المخفي، والتصريح بما هو مقموع تحت هيمنة الاجتماعي والديني والنفسي، لكن ما سيكون اصعب هو تحويل هذا الاعتراف الى "تصفية حساب مع الآخرين" والى جرّ التاريخ الى فضائح التأويل والتحريم، والى الكتابة التي تشبه الخيانة تماما..

كثيرا ما قرأنا سير ذاتية، ومذكرات، و "ادب الرسائل" تعرفنا عن طريقها على عوالم "مسكوت عنها" وعلى صراعات ومؤامرات وصفقات، لم يشأ اصحابها الا ممارسة التطهير عبر الاعتراف بها، وكأنها نزوع للخلاص، مع أن بعض تلك الكتابات "السير ذاتية" وضعتنا أمام وثائق ادبية خطيرة، وامام كشوفات ثقافية ساحرة، تحولت الى "نصوص خالدة" كما في اعترافات "بابلو نيرودا" و "اندريه جيد" و "اكتوفيو باث" و"غارسيا ماركيز" و"محمد شكري" و"كوليت خوري" و" نوال السعداوي" و رسائل غسان كنفاني الى غادة السمان، وكذلك اعترافات لويس عوض، واعترافات طه حسين في "الأيام" وغيرها، مثلما وضعتنا اعترافات أخرى أمام مفارقات غريبة، مثل اعترافات " الشيخ ابن سينا" و"جان جاك روسو" و" القديس اوغسطينوس"

يظل الحديث عن علاقة الثقافي بتدوين المذكرات مثار خلاف كبير، فالبعض يجعل من الامتناع عنها خيارا لعدم التورط بروائح تابواتها السياسية والأيديولوجية والجنسية، والبعض الاخر يخشى من البوح بها، لأنها تكشف هامشيته وضآلته وخيانته، لاسيما وأن كثيرا من أدبائنا عاشوا محنة "النفي السياسي" والسجون والهروب الى المهاجر البعيدة، وهو ما جعل مذكراتهم تحمل معهم حساسية غائرة، وعقد نفسية تركتها جروح النفي والتعذيب والاغتصاب، وأن ما تبقى خارج هذه المقموعات لا يعدو أن يكون جزءا من مدونات يمكن كتابتها هنا أو هناك، أوفي بعضِ حكايات تأتي بها الخواطر، أو تأتي بها المخيلة السردية، لصياغة عالم شخصاني تتغول فيه الذات، عبر الافراط بالنرجسية والبطولة وخرق المألوف..

غياب "ادب المذكرات" والسير والاعترافات عن وسطنا الثقافي جعل من هذا "النوع الادبي" مهملا، وخاضعا لتوصيفات وتابوات غريبة، يدخل كثير منها في المحظور من السياسي والاجتماعي، ومن العلاقة مع السلطة، والخوف من أن كتابة الاعترافات ستعني تورطا في فضائح "كشف المستور"، وتعرية مواقف مقموعة ومخفية، وهو ما دفع بعض الادباء للذهاب الى كتابة "الرواية" حيث تسويغ الانخراط في لعبة "التخفي السردي" عبر الحكايات، أو عبر الاقنعة والاستعارات والتوريات، في تمثيل عالمه الشخصي، وفي سردنة الاعتراف، دون الذهاب بعيدا في البوح به..

الوقوف على التفاصيل الحميمة في هذا الأدب قد يبدو مثيرا، وباعثا على الفضول، لكنه سيكون صعبا حين يرتبط بالكشف عن الحياة الخاصة، في بيئات ثقافية واجتماعية ودينية محافظة، تنظر لهذا لاعتراف، وكأنه اخلال قيمي، وتحويل الحرية الى لعنة وخطيئة، والى خرق نفسي يصطدم بسقف الحدود، وهو جعل بعض الكتّاب الى مراجعة بعض مدونات سيرهم الذاتية، ومذكراتهم، حتى لا تبدو اعترافا، وفضحا، وحتى لا تكون صادمة وجرئية، وتتعارض مع السائد الاجتماعي..

الرقيب الثقافي في نظامنا الثقافي جزء من تلك الحدود، ومن سلطة التابو، ومن العقل المؤسسي الذي يراقب ويفحص ويمنع القبول بنشر "ادب الاعتراف" وما قد يحمله من احالات جنسية أو دينية أو سياسية،  لذا فإن الحديث عن محدودية ادب الاعتراف تكشف عن حجم التحديات، وعن تعقيدات هيمنة السلطة الرمزية، التي تنظر للأدب بوصفه ممارسة "اخلاقية" تقطع الطريق على المغامرة بالتصريح والبوح، فتجعل من اقنعة الذات محبوسة، ومكبوتة، وغير قادرة على ممارسة طقوس حريتها، على الرغم من أن بعض ادب الرسائل تضمن اعترافات ذاتية، تمثلتها احالات جنسية، ونفسية، استبطنت هواجس مكبوتة، ومشاعر صاخبة،  وهو ما وجدناه في رسائل غسان كنفاني الى غادة السمان، حيث كشفت هذه الرسائل عن شخصية أخرى للمناضل والسياسي، تبدى فيها عاشقا قلقا، مهووسا بشبق الرغبات، وكذلك رسائل جبران خليل جبران ومي زيادة، التي كشفت عن "ارواح متمردة" تبحث عبر لغة البوح عن اعتراف بالوجود، وعن رغبات سامية، ظلت متوهجة على الرغم من انهما لم يلتقيا ابدا..رر

**********************************

الصفحة الثانية عشر

في اتحاد الأدباء عن المرأة العربية وأدب الرحلة

متابعة – طريق الشعب

عقد الاتحاد العام للأدباء والكتّاب الأربعاء الماضي، جلسة بعنوان "المرأة العربية وإنتاج الرحلة"، تحدث فيها الناقد د.فاضل التميمي، وأدارها الروائي حسن البحار، بحضور نخبة من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي.

الجلسة التي احتضنتها باحة مقر الاتحاد، افتتحها البحار بتقديم السيرتين الذاتية والإبداعية للتميمي، متناولًا أبرز محطاته الثقافية، وما أنتجه خلال تجربته من كتب ودراسات ومقالات نقدية.

من جانبه، ابتدأ التميمي حديثه بالإشارة إلى أن "أدب الرحلات في العراق لا يزال يعاني إشكالات متعددة، رغم الريادة العراقية الواضحة التي بدأت مبكراً مع الرحالة المعروف ابن فضلان، الذي شكّل أحد أبرز النماذج المؤسسة لهذا الفن في التراث العربي".

وأوضح أن "هذا النوع الأدبي لم يحظَ بالاهتمام الكافي مقارنة بأهميته الثقافية والمعرفية، لا سيما في ما يتعلق بمشاركة المرأة الرحالة. إذ تُعدّ ماري تيريز من أوائل النساء العراقيات والعربيات اللاتي تركن بصمة واضحة في هذا المجال. حيثُ جابت أقطار العالم، ودوّنت مشاهداتها عن الثقافات المختلفة، وساهمت في مدّ جسور معرفية مع الآخر من خلال كتاباتها وتجاربها".

وتطرّق التميمي إلى أنواع أدب الرحلات وأشكاله المتعددة، مبينا أن "هذا الأدب يتباين بين الرحلات الدينية والتجارية والاستكشافية والثقافية. كما يختلف باختلاف دوافع الرحّالة وخلفياتهم الفكرية والاجتماعية، الأمر الذي يمنح هذا اللون الأدبي تنوعًا وغنىً كبيرين في مضامينه وأساليبه السردية".

ولفت إلى أن "موضوع الرحلة يُعدّ من الموضوعات البارزة في الأدب العربي، وهو ذو طابع شعري بامتياز. فالرحلة كانت تمثّل أحد الأعمدة الأساسية في بناء القصيدة العربية القديمة".

وفي سياق الجلسة، قدم عدد من الحاضرين مداخلات شدد بعضها على أهمية أدب الرحلات بوصفه جنساً أدبياً يجمع بين التوثيق التاريخي والرؤية السردية. فيما أشار بعض آخر إلى جذور هذا الأدب المبكرة في التراث العربي.

*********************************

• يُضيّف "ملتقى جيكور" الثقافي في البصرة بعد غد الثلاثاء، الشاعر رياض النعماني، ليتحدث عن تجربته الشعرية وحياة المنفى.

يقدمه للجمهور الشاعر والإعلامي عبد السادة البصري، وتكون البداية في الساعة الخامسة والنصف عصرا على "قاعة الشهيد هندال" في مقر اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في البصرة.

****************************

عدد جديد من {النصير الشيوعي}

عن رابطة الأنصار الشيوعيين العراقيين، صدر أخيرا العدد (46) أيار 2026 من جريدة "النصير الشيوعي".

ضم العدد أخبارا وتقارير عن نشاطات الرابطة في العراق والخارج، وكتابات عن مسيرة الحركة الانصارية وشهدائها، غطت جميعها 12 صفحة ملوّنة. 

*********************************

في بيت الحكمة حول التغيرات المناخية في العراق

 متابعة – طريق الشعب

عقد بيت الحكمة في بغداد، اخيرا، ندوة علمية بعنوان "التغيرات المناخية والطقس في العراق"، حضرها وساهم فيها عدد من الأكاديميين والباحثين والاختصاصيين في مجالات البيئة والمناخ والموارد المائية.

وسلّطت الندوة الضوء على واقع التغيرات المناخية في البلد، وآثارها المتزايدة. فيما طرحت حلولا علمية وتقنيات حديثة يمكن أن تساهم في دعم صناع القرار بمخرجات علمية فاعلة لإدارة الموارد بشكل مستدام.

وترأس الندوة رئيس قسم الطاقة والمياه والبيئة في "مركز النهرين" للدراسات الاستراتيجية  جواد نايف هدهود الخيكاني. فيما قررتها الأستاذة سندس عبد الرسول، من كلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

وخلال الندوة قدم عدد من الأكاديميين والباحثين، أوراقا علمية حول التغير المناخي. حيث قرأت د. أماني إبراهيم محمد، من كلية التحسس النائي والجيوفيزياء في جامعة الكرخ للعلوم، ورقة بعنوان "الحد من البلاستيك مسؤولية فردية ومجتمعية"، تناولت فيها موضوع التلوث البلاستيكي وتأثيره السلبي في البيئة والمناخ.

وأوضحت أن الحد من البلاستيك يتطلب تعاوناً بين الأفراد والمؤسسات الحكومية، مشددة على أهمية رفع الوعي المجتمعي في هذا الشأن واعتماد بدائل صديقة للبيئة للحد من هذه المشكلة.

فيما قدّم د. مجيب رزوقي فريح، من "مركز المستنصرية" للدراسات العربية والدولية، بحثاً بعنوان "التغيرات المكانية والزمانية للمسطحات المائية في العراق - أثر أمطار آذار 2026 ودورها في تعزيز الخزين المائي باستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد".

واستعرض فريح في بحثه تأثير موجة الأمطار التي شهدتها البلاد هذا العام، وذلك باستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد وبيانات الأقمار الصناعية. وقد أظهرت نتائجه وجود علاقة مباشرة بين شدة التساقط المطري وزيادة المسطحات المائية.

وأوضح أن "المناطق الشمالية والأهوار سجلت أعلى نسب الاستجابة، ما ساهم في تعزيز الخزين المائي بشكل مؤقت"، مشددا على أهمية توظيف التقنيات الحديثة في مراقبة الموارد المائية.

آخر المساهمين في الندوة، كانت الباحثة مروة مزهر حسن، من الهيئة العامة للأنواء الجوية والرصد الزلزالي. حيث قدمت ورقة بعنوان "آليات تأثير التغير المناخي العالمي في ديناميكيات الطقس المتطرف"، استعرضت فيها العلاقة بين الاحترار العالمي وزيادة شدة الظواهر الجوية المتطرفة وتكرارها.

وأوضحت أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى اختلال التوازن الحراري للغلاف الجوي واضطراب التيارات النفاثة والدورات المائية، مبيّنة أن التغير المناخي يعمل كمضاعف للمخاطر، ما يؤدي إلى موجات حر أشد، وأمطار غزيرة، وفترات جفاف أطول.

من جانبه، تحدث رئيس مجلس امناء بيت الحكمة د. قحطان نعمة حسن الخفاجي، عما تشكله التغيرات المناخية في العراق من تحد استراتيجي يستوجب اعتماد إدارة علمية للموارد، مشددا على أهمية التعاون المؤسسي والتوعية المجتمعية لتعزيز القدرة على التكيف مع الظواهر الجوية المتطرفة.

***************************************

ابتهاجا بعيد الشيوعيين العراقيين مهرجان تشكيلي – فوتوغرافي في ستوكهولم

ستوكهولم - عاكف سرحان

في سياق احتفالات الذكرى 92 لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، أقامت منظمة الحزب في السويد، الأسبوع الماضي، مهرجانا للفنون التشكيلية والتصوير الفوتوغرافي يرافقه معرض للكتب.

أقيم المهرجان على قاعة الجمعية المندائية في العاصمة ستوكهولم، وحضره جمع من الشيوعيين وأصدقائهم، فيما أداره الرفيق بهجت هندي، الذي دعا الرفيق د. صالح ياسر لقص شريط الافتتاح.

واحتضنت القاعة أعمالا تشكيلية منوعة، وازدانت جدرانها بلوحات فنية وصور فوتوغرافية. فيما حملت طاولات الكتب عناوين متنوعة، خُصص ريع بيعها للتبرع إلى حملة بناء مقر الحزب في بغداد.

وتخلل أجواء المهرجان عزف على القانون للفنان فيصل غازي.

وفي ختام المهرجان، جرى تقليد الفنانات والفنانين المساهمين فيه، ميدالية الذكرى 92 لتأسيس الحزب مع شهادة تقدير، وذلك من قبل الرفيقين د. صالح ياسر وجاسم هداد.

الفنانون المشاركون هم كل من رائد حطاب، سلام غريب شيخ دخيل، شاكر بدر عطية، عباس العباس، عماد الطائي، فائزة دبش، مي سلمان، نسرين عبد الرزاق، نوري عواد، علي نعمة، باسم ناجي، د. سعدي السعدي، سلام السعدي، علي البعاج وكريم الذهبي.

**********************************

قف.. موسم المطبلين

عبد المنعم الأعسم

يحكى أن أحدهم دخل على حاكم، عشاءً، فقال له "صبحكم الله بالخير" فرد عليه الحاكم غاضباً: أتستهزئ بي؟ فأدرك الرجل غلطته، وقال مرتجلاً:

"صَبَّحتُهُ عند المساءِ فقالَ لي ..تهزأ بقدري، أم تريد مزاحا.

فأجبته إشراق وجهك غرّني... حتى توهمت المساءَ صباحا".

فطرب الحاكم لقوله، وأجزل له العطاء، ووضع الحكاية في نظام التعليم والمرويات واللوائح،  ويقال إنها كانت بداية التطبيل للحكام عند العرب، وصارت مهنة لمحترفي النفاق السياسي، انتشرت في مجتمعات متخلفة، واستخدمها الحكام لإرهاب شعوبهم.

وعندنا، تكونت على أرصفة السياسة، والإعلام، جوقة من المطبلين، احترفت النفخ في صورة السياسي الذي يتبوأ منصبا مقرراً في الدولة، حتى قبل أن يستلم مقاليد الحكم ويباشر إدارته، وقبل أن يعلن عما ينوي تحقيقه ومعالجته، والمشكلة، أن التطبيل يغوي الحكام، ويطربهم، بل ويصدقون ما يقوله الطبالون، وقال شاعر قديم:

"إذا المرء لم يمدحه حُسن فعاله...

 فمادحُه يهذي وإنْ كان مُفصِحاً".

*قالوا:

"لا يهمني كم من الناس أرضيت.. ولكن يهمني أي نوع من الناس أقنعت.

العقاد

***************************

معرض للنحت في {الثورة} ابتهاجا بعيد العمال

بغداد – طريق الشعب

أقامت اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في مدينة الثورة (الصدر)، مساء أول أمس الجمعة، معرض نحت للفنان هادي كاظم، في مناسبة عيد العمال العالمي الأول من أيار.

حضر المعرض الذي أقيم على حدائق منتدى الشباب والرياضة في المدينة، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الرفيق رائد فهمي ورئيس تحرير "طريق الشعب" الرفيق مفيد الجزائري، وجمع من الشيوعيين وأصدقائهم من المثقفين والرياضيين والمواطنين الآخرين.

كذلك حضرت المعرض مسؤولة الشؤون الثقافية في المنتدى السيدة نادية، ومسؤول العمل الرياضي.

وضم المعرض عشرين عملًا نحتيًا من الخشب، عكست رؤى فنية متنوعة.

وفي المناسبة شدد الرفيقان فهمي والجزائري، على اهتمام الحزب بالثقافة ودعمه المثقفين.

****************************

ورشة حوارية شبابية أقامها مركز بغداد للتنمية

بغداد – طريق الشعب

نظم "مركز بغداد" للتنمية القانونية والاقتصادية، أخيرا، ورشة حوارية موجهة للشباب، شارك فيها ثمانية من الطلبة والخريجين والموظفين باختصاصات متنوعة.

حاضر في الورشة كلٌّ من د. عبد العظيم والأستاذ إبراهيم المشهداني. حيث قدما عرضا موجزا للنظرية الرأسمالية من حيث نشأتها وتطورها وواقعها المعاصر. كما تناولا طبيعة الاقتصاد العراقي وعلاقته بملفي الأمن الغذائي والطاقة بوصفهما نموذجين حيويين للتحديات الراهنة.

وفي مداخلة له، ركز المشهداني على دور النقابات في تطوير علاقات الإنتاج، من خلال التفاعل بين الملكية العامة والخاصة، إضافة إلى دور الدولة والسلطة في تنظيم هذه العلاقة.

وفي ختام الورشة، فُتح باب النقاش أمام الحاضرين. حيث طُرحت مجموعة من التساؤلات والمداخلات، عكست تفاعلاً إيجابياً واهتماماً واضحاً بالموضوعات المطروحة. كما عبّر المشاركون عن استفادتهم من الورشة، مؤكدين رغبتهم في استمرار مثل هذه الأنشطة وتعزيز التواصل مع المركز.