العربي الجديد
في إجراء تعطّل منذ أشهر، بسبب خلافات بين آميدي ووزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، إذ تشترط الإجراءات والبروتوكولات حضور وزير الخارجية لدى رئيس الجمهورية خلال مراسم تسلّم أوراق اعتماد السفراء الجدد، إلا أن خلافهما يعطّل هذه المراسم، ما جعل السفراء الجدد يقيمون منذ أشهر في فندق "الرشيد" المحصّن وسط العاصمة بغداد، بانتظار انفراج الأزمة.
ويرجع الخلاف بين الشخصيتين إلى خلاف متأصل بين الحزبين اللذين ينتميان إليهما، إذ يُعد آميدي أحد القياديين في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة بافل طالباني، فيما يُعد حسين أحد أبرز قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مسعود بارزاني. ويعود الخلاف، الذي تفاقم على نحو أثّر في طبيعة العمل الدبلوماسي داخل البلاد، إلى جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في إبريل/نيسان الماضي، التي خاضها آميدي مرشحاً عن "الاتحاد الوطني" في مواجهة مرشح "الديمقراطي" فؤاد حسين، وأظهرت جولتها الأولى حصول آميدي على 208 أصوات مقابل 16 صوتاً لحسين، قبل انتقال المنافسة إلى جولة ثانية انتهت بفوز الأول بـ227 صوتاً.
ومنذ انتخاب آميدي رئيساً للجمهورية، لم يُعلن عن أي لقاء ثنائي يجمعه بوزير الخارجية فؤاد حسين، كما لم يُعلن عن تسلّمه أوراق اعتماد أي سفير أجنبي، جراء هذه الخلافات وانتقال تداعياتها إلى التنسيق بين رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية بشأن استكمال المراسم الدبلوماسية. وبحسب مصادر سياسية عراقية، فإن "حسين يمتنع عن حضور مواعيد المراسم في قصر السلام الخاص برئيس الجمهورية"، مبينة لـ"العربي الجديد" أن "سفراء دول تايلاند وكندا وسويسرا وماليزيا وألبانيا والصين وفرنسا ومصر وقبرص وإستونيا لم يسلّموا أوراق اعتمادهم بسبب عدم التوصل إلى حل ينهي خلاف آميدي وحسين".
وقالت عضوة لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي، إيفان فائق، إن "الخلاف بين الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني انتقل إلى ملف العلاقات الخارجية والبروتوكول، وأصبح يهدد بإدخال العراق في أزمة دبلوماسية مع دول ينتظر سفراؤها استكمال إجراءات اعتمادهم، وهو أمر لا يجوز ربطه بالمواقف الحزبية أو العلاقة بين وزير الخارجية ورئيس الجمهورية"، مبينة، في تصريح صحافي، أنّ "لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان وجّهت كتاباً إلى وزير الخارجية للاستفسار عن أسباب عدم حضوره مراسم تقديم أوراق اعتماد السفراء، لكنه لم يجب، كما جرت مخاطبة رئيس الوزراء علي الزيدي، وننتظر تدخله لمعالجة هذه المشكلة".
وأضافت فائق أنّ "استمرار هذه الحالة يعني تعطيل اعتماد ممثلي الدول، ما يضرّ بعلاقات العراق ويضع مؤسساته في موقف محرج، وأنّ وزير الخارجية طرح إرسال وكيل الوزارة بدلاً منه، لكن رئاسة الجمهورية رفضت ذلك وطالبت بحضور الوزير ما دام موجوداً ويمارس مهامه، وبذلك بقي السفراء عالقين بين الموقفين، وبعضهم ينتظر في فندق الرشيد، فيما يطالبون بإيجاد حل يسمح باستكمال إجراءاتهم ومباشرة مهامهم".
وتخضع عملية تقديم أوراق اعتماد السفراء الجدد لإجراءات قانونية تنفذها رئاسة الجمهورية، وتنص على مشاركة وزير الخارجية في مراسم تقديم الأوراق والمصافحة والمقابلة التي تعقبها. كما تتضمن إجراءات استقبال السفراء مرحلتين منفصلتين؛ تبدأ الأولى بتقديم نسخ من أوراق الاعتماد إلى وزارة الخارجية، ثم تتولى دائرتا المراسم في الوزارة ورئاسة الجمهورية تنسيق موعد تقديم الأصول إلى رئيس الجمهورية. وبالتالي، فإن استقبال الوزير السفير الجديد وتسلّمه نسخة من أوراق اعتماده لا يعني انتهاء مراسم تقديم أوراق الاعتماد لدى الرئاسة.
وتواصل "العربي الجديد" مع مصادر عراقية مطلعة، أكدت أن "رئيس الجمهورية رفض إجراء مراسم تسلّم أوراق اعتماد السفراء إلا بحضور وزير الخارجية، لأن في ذلك إحراجاً بالغاً للعراق أمام الدول التي ابتعثت ممثليها"، موضحة أن "هناك وساطات لإنهاء المشكلة وحضور وزير الخارجية إلى رئاسة الجمهورية وإتمام عملية اعتماد السفراء الجدد". واعتبرت أن "وزير الخارجية هو منصب اتحادي يمثل العراق والعراقيين، ومن المفترض ألا يخضع لتأثيرات حزبية وشخصية".
في المقابل، ذكرت مصادر من الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي ينتمي إليه وزير الخارجية فؤاد حسين، أن "الوزير ووزارته أتمّا العمل مع السفراء الجدد، وأن حسين دائم السفر، ويمكن إنهاء عملية اعتماد السفراء الجدد من خلال حضور وكيل الوزير أو مسؤول من وزارة الخارجية"، لكن يبدو أن رئاسة الجمهورية ترفض هذا التعامل، وترى ضرورة حضور وزير الخارجية، كما قالت المصادر.
من جهته، لفت الباحث في الشأن السياسي الكردي ميران سعيد، إلى أن "الخلاف بين الحزبين الكرديين الكبيرين بات ينسحب على المسؤولين من الحزبين في مواقعهم السيادية المهمة، وبالتالي فإن خلافات الحزبين انعكست على آميدي وحسين، وباتت تؤثر في الوضع الدبلوماسي في البلاد"، معتبراً، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "الحالة التي تمر بها الدبلوماسية العراقية بسبب الخلافات الكردية موجودة في مؤسسات عراقية أخرى بسبب تقاطعات حزبية، إذ برزت أخيراً خلافات بين وزير الداخلية ياسر المالكي ومدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية عبد الأمير الشمري، وغيرها الكثير. وما يحدث يمثل صورة من حكم الأحزاب التي تسيطر على الدولة، ولا بد من حل هذه الإشكالية أو منع تأثير الخلافات الشخصية والحزبية بمؤسسات الدولة".
وتعود الخلافات بين الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، الحاكمين في إقليم كردستان شمالي العراق، إلى عقود طويلة من التنافس على قيادة الحركة الكردية والنفوذ السياسي والجغرافي، وتحولت إلى مواجهات مسلحة خلال الحرب الأهلية بين عامي 1994 و1998. وبعد عام 2003، انتقل الصراع إلى التنافس على المناصب والثروات وإدارة إقليم كردستان.
وبرز التنافس على منصب رئيس الجمهورية، الذي اعتاد "الاتحاد الوطني" الحصول عليه منذ عام 2005، بينما بدأ "الديمقراطي" يطالب به مستنداً إلى ثقله الانتخابي. وتفاقمت الخلافات في ملفات النفط وكركوك وتشكيل حكومة الإقليم، وصولاً إلى انتخابات الرئاسة العراقية عام 2026، عندما رشّح الحزب الديمقراطي فؤاد حسين، فيما تمسّك حزب الاتحاد الوطني بمرشحه نزار آميدي، الذي فاز بالمنصب وسط اعتراض الحزب الديمقراطي ومقاطعته.