كشفت مصادر أمنية عراقية مطلعة لـ"العربي الجديد" أن الطائرتين المسيّرتين اللتين أُسقطتا، الثلاثاء، في محيط المنطقة الخضراء وسط بغداد، كانتا تستهدفان السفارة الأميركية، قبل أن تتمكن منظومة الدفاع الجوي التابعة للسفارة من اعتراضهما وإسقاطهما، من دون تدخل القوات الأمنية العراقية الماسكة للأرض.
وقالت المصادر إنّ "التحقيقات الجارية تركّز على تحديد نقطة انطلاق الطائرتين والجهة التي تولت إطلاقهما، فضلاً عن الكشف عن نوعيتهما"، مشيرة إلى أنّ "المسيّرتين تختلفان، من حيث التطور والإمكانات، عن الطائرات التي استخدمت في هجمات سابقة استهدفت المصالح والأهداف الأميركية داخل العراق". ويثير الاختلاف في الإمكانات التقنية تساؤلات عن طبيعة الوسائل المستخدمة في الهجوم ومدى ارتباطها بأنماط الاستهداف السابقة، فضلاً عن مستوى الجهة التي تقف وراء العملية. وهي مسائل ينتظر أن تسهم نتائج الفحص الفني والتحقيقات الأمنية في توضيحها، بحسب المصادر.
وأضافت المصادر أن "رئيس الوزراء علي الزيدي شكّل لجنة تحقيقية عليا برئاسة مدير مكتبه العسكري، الفريق عبد الأمير الشمري، لتحديد الجهة المسؤولة عن إطلاق الطائرتين، والتحقق من ملابسات وصولهما إلى محيط المنطقة الخضراء، فضلاً عن تحديد مسؤولية القوات الأمنية الموجودة في منطقة الانطلاق المفترضة ومحاسبة المقصرين". ويشمل التحقيق، بحسب المصادر، إلى جانب تحديد الجهة المنفذة، التدقيق في الإجراءات الأمنية المتخذة في المنطقة التي يُشتبه في انطلاق الطائرتين منها، ومستوى الرقابة المفروضة عليها.
اختبار حصر السلاح
وقال الخبير في الشؤون الاستراتيجية علي الجبوري، لـ"العربي الجديد"، إنّ عودة استهداف السفارة الأميركية في بغداد تستدعي الحذر، في ظل التأكيدات الحكومية بشأن حصر السلاح بيد الدولة. وأضاف أنّ "تكرار هذه العمليات، في حال ثبوت ارتباطها بالجهات نفسها التي سبق أن استهدفت المصالح الأميركية، قد يحمل رسائل تحدٍّ للجهود الحكومية الرامية إلى فرض سلطة الدولة وإنهاء المظاهر المسلحة خارج إطار المؤسسات الأمنية الرسمية".
وأوضح الجبوري أنّ "استهداف البعثات الدبلوماسية والمنشآت المرتبطة بها لا يمثل تهديداً أمنياً محدوداً، بل يضع الحكومة العراقية أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تنفيذ تعهداتها بشأن حصر السلاح وفرض القانون". ولفت إلى أنّ "وقوع الهجوم بالتزامن مع التأكيدات الرسمية بشأن ضبط السلاح قد يعزز الانطباع بأن بعض الجهات المسلحة لا تزال تحتفظ بقدرات على تنفيذ عمليات تهدد الأمن والاستقرار، ولا تتعامل مع التوجهات الحكومية بالجدية المطلوبة".
وحذّر من أن "استمرار استهداف السفارة الأميركية قد يفتح الباب أمام تصعيد أمني وسياسي، خصوصاً إذا اعتبرت واشنطن أن التهديدات التي تطاول بعثتها الدبلوماسية ومصالحها في العراق لم تعد حوادث منفصلة، بل تمثل تحدياً مستمراً لأمنها ووجودها". وأكد أن "هذا السيناريو قد يدفع الولايات المتحدة إلى دراسة خيارات للردّ، بما فيها تنفيذ ضربات عسكرية تستهدف جهات أو مواقع تتهمها بالوقوف وراء الهجمات، الأمر الذي قد يضع العراق أمام تداعيات أمنية يصعب احتواؤها إذا اتسعت دائرة المواجهة".
وأشار الجبوري إلى أن "تداعيات أي رد عسكري أميركي محتمل قد تتجاوز الجانب الأمني إلى طبيعة العلاقة بين بغداد وواشنطن، في ظل حساسية ملف الوجود الأميركي والتعاون الأمني بين البلدين". وأضاف أن "استمرار الهجمات قد يدفع الإدارة الأميركية إلى اتخاذ إجراءات سياسية أو دبلوماسية أو أمنية للضغط على الحكومة العراقية، إذا رأت أن الإجراءات المتخذة لمنع هذه العمليات غير كافية".
وشدد على "أهمية نتائج التحقيقات في تحديد طبيعة الخطوات الحكومية المقبلة، ولا سيما ما يتعلق بكشف الجهات المنفذة، وتحديد مستوى تطور الوسائل المستخدمة، ومنع تكرار الهجمات". واعتبر أن "إعلان نتائج واضحة ومحاسبة المسؤولين قد يسهمان في احتواء التداعيات السياسية والأمنية، وإظهار جدية الدولة في فرض سلطتها على المناطق والمنشآت الحيوية". وختم الجبوري بالقول إن "الهجوم، بالتزامن مع الحديث عن حصر السلاح، يضعف الثقة بالمسار الحكومي ويزيد الضغوط الداخلية والخارجية على بغداد"، مؤكداً أن "تجنيب العراق مواجهة جديدة يتطلب منع تكرار هذه العمليات والتعامل معها بوصفها تهديداً لسيادة البلاد وأمنها، لا مجرد حوادث أمنية عابرة".
الحوار مع الفصائل مستمر
وقال عضو "الإطار التنسيقي" محمود الحياني لـ"العربي الجديد" إنّ "استهداف البعثات الدبلوماسية لا يخدم المصلحة الوطنية العراقية، بل قد يعرّض البلاد لتداعيات أمنية وسياسية غير محسوبة، ويزيد الضغوط الخارجية على الحكومة"، مشدداً على "ضرورة إبعاد العراق عن أي تصعيد جديد والحفاظ على الاستقرار الداخلي".
وأضاف الحياني أنّ "الإطار التنسيقي مستمر في دعم خيار الحكومة المتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، باعتباره مساراً يرتبط بتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية وترسيخ الاستقرار"، موضحاً أن "معالجة هذا الملف تتطلب الحوار والتفاهم والتنسيق بين الحكومة والقوى السياسية والفصائل المعنية، بعيداً عن التصعيد أو اتخاذ خطوات من شأنها تعقيد المشهد الداخلي". وبيّن أن "الحوارات مع الفصائل المسلحة لا تزال مستمرة، وأن التوصل إلى تفاهمات بشأن القضايا الخلافية يحتاج إلى أجواء هادئة وإرادة سياسية مسؤولة"، مشيراً إلى أن "استمرار التواصل يمثل فرصة لمعالجة الملفات الحساسة وتجنّب انتقال الخلافات إلى مواجهات قد تكون لها انعكاسات خطيرة على الوضع الأمني في البلاد".
وأكد الحياني "احتمال وجود طرف ثالث يسعى إلى إشعال فتنة بين الحكومة والفصائل المسلحة، من خلال تنفيذ عمليات أمنية أو افتعال توترات من شأنها تقويض الثقة المتبادلة وإرباك مسار الحوار والتفاوض"، داعياً إلى "الحذر من تحرّكات قد تستهدف تعطيل الجهود الرامية إلى التوصل إلى تفاهمات وتجنيب العراق تداعيات التصعيد". وشدد على "ضرورة التعامل مع الهجمات الأخيرة عبر تحقيقات مهنية تكشف الجهات المسؤولة عنها وتحدد دوافعها، بدلاً من إطلاق الاتهامات أو استباق النتائج. كذلك يجب الحذر من استغلال التطورات الأمنية لإفشال الحوارات أو دفع الأطراف العراقية نحو مواجهة داخلية"، مؤكداً أن "المرحلة الحالية تتطلب تغليب لغة الحوار وتوحيد المواقف لحماية أمن العراق وسيادته ومصالحه".
خلافات مستمرة بشأن حصر السلاح
وخلال الأشهر الماضية، واصلت الحكومة العراقية التواصل مع الفصائل المسلحة للتوصل إلى نتائج بشأن ملف حصر السلاح بيد الدولة. وفيما وافقت فصائل على تسليم سلاحها، امتنعت أخرى، وتحديدًا الفصائل الأربعة التي اختارت اسم "المقاومة الإسلامية في العراق"، وهي "كتائب حزب الله"، و"كتائب سيد الشهداء"، و"حركة النجباء"، و"حركة الأوفياء".
والأسبوع الماضي، قالت الفصائل الأربعة، في بيان، إنّ "استمرار العدو الأميركي في انتهاك السيادة العراقية والتنصل من التزاماته المعلنة تجاه الحكومة يعدّ انتهاكاً صريحاً للاتفاقيات المبرمة والالتزامات المترتبة عليها، ومخالفة واضحة لما تفرضه من واجبات على جميع الأطراف، الأمر الذي يضع الحكومة أمام التزام أخلاقي بمصارحة شعبنا العراقي بحقيقة ما يجري".
خلال الأشهر الماضية، واصلت الحكومة العراقية التواصل مع الفصائل المسلحة للتوصل إلى نتائج بشأن ملف حصر السلاح بيد الدولة
وأضاف البيان أن "قرارات إغلاق المطارات والمنافذ الحدودية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرهونة للإرادة والإملاءات الأميركية، وقد أضحى الحديث عن استكمال "السيادة الوطنية" في ظل استمرار الخروق وانتهاك القرار الوطني مساساً بكرامة أبناء شعبنا وإرادتهم الحرة". وتساءلت الفصائل، وفق البيان: "كيف يستقيم الحديث عن سيادة دولة تقيّد قراراتها من الخارج، بما يكرّس هيمنة أميركا ويعزز نفوذها على حساب استقلال القرار الوطني؟".