ليس أشد قسوة على الفنان من أن يرفع صوته باللون والخط والكتلة، ثم لا يسمع صداه أحد. فاللوحة، مهما بلغت من الإحكام والجمال، لا تكتمل حياتها وهي معلّقة في عزلة صامتة، كما أن المعرض لا يحقق معناه بمجرد افتتاح أبوابه، وتعليق الأعمال على الجدران، وتبادل كلمات المجاملة بين الفنانين والنقاد والأصدقاء. ثمة طرف آخر مهم لا تقوم التجربة الجمالية من دونه: الجمهور.
من هنا يكتسب السؤال القديم عن العلاقة بين الفنان والمتلقي لحظته الحاضرة المتجددة: لماذا يبدو صوت الفنان خافتاً؟ هل الجمهور ابتعد عن الفن، أم لأن الفن ابتعد عن الجمهور؟ أم أن بين الاثنين حلقة مفقودة، تتمثل في المؤسسة الثقافية والتعليم والإعلام والنقد، وهي جميعاً مسؤولة عن بناء الجسر الذي تعبر عليه اللوحة من محترف الفنان إلى وعي الناس؟
في استفتاء أجرته منظمة اليونسكو مع المجلس العالمي لليونسكو حول تذوق المتلقين للإبداع الفني، ومن خلال الإجابات عن رأيهم في أعمال كبار الفنانين من أمثال سلفادور دالي، بيكاسو، فان كوخ، دافنشي.. وغيرهم. كان رأي الجمهور في أغلب الأعمال، أنها تعبّر عن انحرافات في الحياة، وبعضهم ذكر: أنها لوحات تحمل موضوعات غير قابلة للقراءة، وقال آخرون: أن الألوان تبدو ملطّخة ومهتزّة ومن الصعب التعرف على معناها، وأيضاً توجد أشياء غير محتشمة. كما عابوا على بعض أعمال فان كوخ، خطوطه الصفراء، ورسوم دالي وبيكاسو تثير النفور. وحصل الفنان ليجيه على قمة الاستهجان، أما موندريان، فقد سقط ضحية عدم الرضا على طول الخط.
ربما يتحمل الفنان نفسه جانباً من المسؤولية حين يستسلم لفكرة أن قيمة عمله تزداد كلما استعصى على الجمهور. لا يعني ذلك الدعوة إلى فن سهل أو مباشر أو تنازل الفنان عن حريته ومغامرته التجريبية. فالفن الحقيقي لا يُطالب بأن يشرح نفسه، ولا أن يتخلى عن إيحاءاته إرضاءً للمتلقي. لكن ثمة فارق بين الغموض الذي يفتح باب التأويل، والانغلاق الذي لا يترك للمتلقي منفذاً يدخل منه إلى العمل.
الفنان لا يرسم لكي يرضي الجمهور، لكنه لا يرسم في فراغ أيضاً.
وتلك معادلة دقيقة، فالعمل الفني يولد من تجربة فردية، لكنه ما إن يغادر المرسم حتى يدخل المجال العام، ويصبح متاحاً لعيون مختلفة، وثقافات متعددة، وتأويلات لم تخطر للفنان نفسه. وربما كانت تلك إحدى أجمل مفارقات الفن: أن يرسم الفنان لوحة واحدة، ثم تصبح لدى المتلقين عشرات اللوحات، لأن كل عين تراها من خبرتها الخاصة.
ما يزال المعرض التشكيلي في كثير من بلداننا، مناسبة تكاد تدور داخل دائرة محدودة: فنانون يزورون فنانين، ونقاد يلتقون نقاداً، وأصدقاء يتبادلون التهاني، فيما يظل الجمهور الأوسع خارج الباب، لا لأن الباب مغلق بالضرورة، بل لأنه لم يتعلم أن هذا المكان يعنيه هو أيضاً. وهكذا تتحول قاعة العرض، من حيث لا نشعر، إلى فضاء نخبوي يتكرر فيه الحضور نفسه، بينما تبقى اللوحة بعيدة عن العين التي لم تألف رؤيتها.
ليس ضرورياً أن يفهم الزائر كل ما أراده الفنان. فاللوحة ليست لافتة، ولا ينبغي أن تقدم إلى الجمهور كما لو كانت أحجية، عليه أن يعثر على حلها الصحيح.
غير أن المسؤولية لا تقع على الجمهور وحده. حين يشكو الفنان من قلة زوار معرضه، ينبغي أن نسأل أيضاً: ماذا فعلنا لكي نصنع جمهوراً للفن؟
إن التذوق البصري لا يولد فجأة عند باب قاعة العرض، بل يبدأ من المدرسة، من الكتاب المصور، من الشارع والحديقة والعمارة والتمثال والملصق، ومن الطريقة التي يتعلم بها الطفل النظر إلى الأشياء. الطفل الذي لا يرى لوحة إلا مصادفة، ولا يزور متحفاً أو معرضاً، ولا يُطلب منه أن يتأمل عملاً فنياً ويتحدث بحرية عما شعر به، كيف ننتظر منه بعد عشرين عاماً أن يصبح زائراً دائماً للمعارض؟
هنا تصبح التربية الجمالية جزءاً من تكوين الإنسان، لا ترفاً يضاف إلى المواد الدراسية. فكما نعلّم الطفل القراءة بالكلمات، ينبغي أن نعلّمه القراءة بالعين. إننا نعيش في عالم أصبحت فيه الصورة لغة يومية طاغية، ومع ذلك ما زلنا نهمل تعليم أبنائنا كيف يرون الصورة، وكيف يميزون بين جمال حقيقي وإغراء بصري عابر.
في تجارب متاحف كثيرة في العالم، لم يعد المتحف مخزناً للأعمال العظيمة، ولا قاعة مقدسة يمرّ فيها الزائر بصمت ثقيل. صار فضاء للتعلم والحوار، تدخل إليه المدارس، وتقام فيه الورش والمحاضرات والجولات الموجهة، ويُشجَّع الطفل والإنسان غير المتخصص على السؤال. والغاية ليست أن يتحول الجميع إلى نقاد، وإنما أن تزول المسافة بين الإنسان والعمل الفني.
أما النقد الفني، فله في هذه العلاقة وظيفة الكشف والتحليل. فإذا تحول النقد إلى لغة اصطلاحية مغلقة، لا يفهمها سوى النقاد وبعض الفنانين، أسهم هو الآخر في خفوت صوت الفن. وظيفة الناقد ليست أن يقف بين اللوحة والجمهور حاجزاً، بل أن يكون جسراً، أن يضيء دون أن يلقّن، وأن يكشف دون أن يستنفد أسرار العمل، وأن يمنح المتلقي مفاتيح الدخول من غير أن يفرض عليه الطريق الذي ينبغي أن يسلكه.
وللإعلام مسؤولية مماثلة. كم تمنح الصحافة والشاشات والمنصات للفنون التشكيلية من مساحتها مقارنة بما تمنحه لأنماط أخرى من الثقافة والفنون؟ وكم من معرض ينتهي بعد أيام من دون أن يعرف به إلا عشرات الأشخاص؟ إن الفنان الذي لا يجد نافذة يصل منها إلى المجتمع سيظل صوته خافتاً مهما كان صادقاً وعميقاً.
لكن القضية أعمق من الإعلان عن موعد معرض. إنها قضية إعادة الفن إلى الحياة اليومية. أن نرى اللوحة في المدرسة والجامعة والمكتبة والمستشفى والساحة العامة، أن يكون العمل الفني جزءاً من ذاكرة المدينة، وأن يشعر المتلقي أن الجمال حق له، لا امتياز لفئة من المثقفين.
لهذا فالأجدر أن لا نسأل: لماذا لا يأتي الجمهور إلى الفن؟ بل ينبغي أن يكون السؤال: لماذا لا نأخذ الفن إلى الجمهور؟
فالفنان يستطيع أن يرسم وحده، لكنه لا يستطيع أن يصنع حياة لوحته وحده. ثمة عين في الطرف الآخر ينبغي أن تراها، وتتوقف أمامها، وربما تختلف معها أو ترفضها أو تحبها. عند تلك اللحظة فقط ينكسر الصمت، ويغادر اللون عزلته، ولا يعود صوت الفنان خافتاً.