اخر الاخبار

كشفت مصادر أمنية عراقية لـ"إرم نيوز" أن إغلاق منفذ الشيب الحدودي مع إيران، فجر الأربعاء، يأتي ضمن خطة حكومية أوسع تستهدف إعادة السيطرة على الممرات التي استخدمتها شبكات مرتبطة بفصائل مسلحة موالية لطهران، لتمرير أسلحة ومعدات تدخل في صناعة الطائرات المسيّرة، بعيداً عن إجراءات الرقابة الأمنية والجمركية الرسمية.

وقالت المصادر إن بغداد انتقلت من التحقيق في مسؤولية القيادات الأمنية المحلية عن الخروقات السابقة إلى مراجعة شبكات العبور نفسها، والجهات التي تسهل حركة المعدات والبضائع، والشركات المستفيدة من الترتيبات غير الرسمية على الحدود العراقية الإيرانية. 

وأوضحت أن الإجراءات تشمل التدقيق في سجلات الشحنات التجارية، ومطابقة حمولاتها الفعلية مع الوثائق الجمركية، والتحقق من هوية الشركات والوسطاء، في محاولة لإغلاق الثغرات التي سمحت باستخدام بعض الممرات الحدودية لأغراض تتجاوز التجارة المشروعة.

ودخل قرار إغلاق منفذ الشيب في محافظة ميسان حيز التنفيذ عند السادسة صباح الأربعاء، 21 أكتوبر، وشمل حركة المسافرين والمركبات والشاحنات التجارية حتى إشعار آخر.

وأكدت وكالة رويترز الإغلاق، نقلاً عن مصادر في المعبر، مشيرة إلى أن القرار يستهدف إعادة تقييم الترتيبات الأمنية، بينما أفادت مصادر "إرم نيوز" بأن السلطات تعتزم إغلاق منافذ أخرى مع إيران بصورة تدريجية، دون إعلان جدول زمني محدد.

 

من إغلاق المعبر إلى تفكيك الشبكات

بحسب المصادر الأمنية، فإن أهمية القرار لا تكمن في تعليق حركة العبور وحده، بل في طبيعة المراجعة التي تجريها السلطات العراقية، بعدما أظهرت تحقيقات سابقة وجود خروقات أمنية وإدارية مرتبطة بنشاط جماعات مسلحة في المناطق الحدودية.

وأضافت المصادر أن التحقيقات تناولت شبهات تتعلق بتسهيل مرور أسلحة ومكونات تستخدم في تجهيز الطائرات المسيّرة من الجانب الإيراني، سواء عبر إجراءات تفتيش غير مكتملة أو من خلال ممرات لا تخضع للرقابة المعتادة.

وتشير المعلومات إلى أن الحكومة تسعى إلى تحديد المسؤوليات داخل شبكات النقل والتخليص والتفتيش، بدلاً من الاكتفاء بإغلاق المعابر مؤقتاً ثم إعادة تشغيلها بالإجراءات السابقة نفسها.

وكانت السلطات اتخذت خلال سبتمبر الماضي إجراءات أمنية في منافذ الشيب والشلامجة ومندلي، شملت مراجعة ترتيبات الحماية والرقابة. وتحدثت المصادر عن ارتباط تلك الإجراءات بخروقات دفعت الحكومة إلى إبعاد قيادات أمنية في ميسان وإحالة مسؤولين إلى التحقيق.

لكن المصادر تؤكد أن المرحلة الحالية تتجه إلى فحص آليات عمل الشبكات التي استفادت من الثغرات، وليس إعادة فتح ملف الإقالات السابقة باعتباره إجراءً جديداً.

 

جزيرة الطيب وخطر المسيّرات

تربط المصادر الأمنية بين تشديد الرقابة على الحدود والتحقيقات المتعلقة باستخدام مناطق في محافظة ميسان لإطلاق طائرات مسيّرة باتجاه أهداف خارج العراق.

وتقول إن جزيرة الطيب، القريبة من الحدود الإيرانية، كانت ضمن المناطق التي شملتها التحقيقات، بعد معلومات عن استخدامها في أنشطة عسكرية مرتبطة بفصائل موالية لطهران.

وكانت السعودية أعلنت في سبتمبر تعرض خط أنابيب النفط شرق–غرب لهجوم بطائرات مسيّرة قالت إنها انطلقت من الأراضي العراقية؛ ما دفع بغداد إلى اتخاذ إجراءات احترازية عند عدد من المعابر الحدودية.

وبحسب المصدر الأمني، تناولت التحقيقات العراقية احتمال وجود تسهيلات لوجيستية سمحت بنقل معدات مرتبطة بهذه الأنشطة، إلى جانب مراجعة مسؤولية الجهات المكلفة بمراقبة المناطق الحدودية.

ولم تعلن الحكومة العراقية، في البيانات المتاحة، أسماء فصائل محددة باعتبارها مسؤولة عن تلك الهجمات، كما لم تُنشر نتائج قضائية نهائية تثبت مسؤولية تنظيم بعينه. لكن هجوم المنصات الإعلامية التابع للفصائل على قرار الحكومة يكشف أن كتائب حزب الله والنجباء وكتائب سيد الشهداء هي المعنية بهذه الإجراءات.

 

الشركات تحت التدقيق

يمثل الجانب التجاري أحد أبرز مسارات المراجعة الجديدة، وفق المصادر، إذ لم تعد الإجراءات مقتصرة على حركة الأفراد والأسلحة، بل امتدت إلى تدقيق الشركات المستوردة وطبيعة البضائع التي تمر عبر المنافذ.

وأوضحت أن الجهات المختصة تعمل على مطابقة بيانات الشحن مع الحمولة الفعلية، ومراجعة شهادات المنشأ والمطابقة والقيم المصرح بها، بالتنسيق بين الأجهزة الأمنية والجمركية.

وتسعى هذه الإجراءات، بحسب المصادر، إلى منع استخدام النشاط التجاري غطاءً لمرور معدات محظورة أو تحويلات مالية مرتبطة بشبكات غير رسمية.

وتكتسب هذه المراجعة حساسية إضافية في ظل العقوبات الأمريكية على جهات مرتبطة بإيران، والمخاوف من تعرض مؤسسات مالية أو تجارية عراقية لإجراءات عقابية إذا ثبت استخدامها في معاملات مخالفة.

غير أن المصادر لم تكشف أسماء شركات خاضعة للتحقيق، ولم يتسن الحصول على قائمة رسمية بالجهات التي شملها التدقيق. 

 

اعتراضات الفصائل والضغط الأمريكي

تقول المصادر إن إجراءات الإغلاق والتدقيق أثارت اعتراضات داخل الأوساط السياسية والإعلامية المقربة من فصائل موالية لإيران، حيث جرى تصويرها باعتبارها استجابة للضغوط الأمريكية الرامية إلى تشديد القيود على حركة التجارة مع طهران.

وتشير إلى أن الحكومة تجنبت إعلان أسماء الفصائل التي يُشتبه في استفادتها من شبكات العبور غير الرسمي، واكتفت بملاحقة الخروقات والجهات التي سهلتها.

وفي موازاة ذلك، قال مصدر حكومي عراقي لوسائل إعلام إن واشنطن طلبت من بغداد إغلاق الحدود مع إيران، قبل أن تطرح الإبقاء على منفذين فقط. ولم يصدر تأكيد أمريكي رسمي لهذه الرواية.

ويضع ذلك الحكومة أمام تحديين متداخلين؛ الأول هو معالجة الثغرات الأمنية التي قد تسمح باستخدام الأراضي العراقية في هجمات إقليمية، والثاني هو الحفاظ على حركة التجارة القانونية مع إيران دون تعريض الاقتصاد العراقي لمزيد من الضغوط.

 

المعابر اختبار لسلطة الدولة

في هذا السياق، يشير الباحث السياسي العراقي إياد العنبر، إلى نفوذ الجماعات المسلحة على المنافذ الحدودية، مؤكداً أن المشكلة لا تكمن في غياب معرفة الدولة بالجهات المسيطرة، وإنما في قدرتها على مواجهتها وإنهاء نفوذها.

وينتقد العنبر التعامل مع تلك الجهات باعتبارها مجهولة، مؤكداً أن الجماعات المسلحة التي تستفيد من المنافذ تمتلك هويات واضحة وتتحدى سلطة الدولة.

كما حذر من خطورة الخلايا المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، بسبب طبيعة عملها السري وإمكانية استخدامها لتهديد دول الجوار. 

وفي المحصلة، يبدو أن إغلاق منفذ الشيب قرار يتجاوز الإجراء الجمركي؛ إذ يصبح الاختبار الحقيقي لحكومة الزيدي هو قدرتها على إخضاع شبكات العبور والأنشطة المسلحة لرقابة مؤسساتها، ومنع انتقالها إلى منافذ أخرى، لا مجرد تعليق حركة التجارة مؤقتاً.