كشفت مصادر عراقية مطلعة عن تفاصيل جديدة تتعلق بقرار إلغاء شركة "المهندس" العامة، الذراع الاقتصادية المرتبطة بهيئة الحشد الشعبي، مشيرة إلى أن الخطوة تستهدف واحدة من أبرز شبكات النفوذ المالي التي تتهمها واشنطن بدعم الحرس الثوري الإيراني وكتائب حزب الله العراقية، عبر أنشطة اقتصادية وعقود حكومية بمبالغ ضخمة.
وقالت المصادر، في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز"، إن القرار يأتي ضمن مساعٍ لتفكيك شبكات التمويل المرتبطة بالفصائل المسلحة، وتقليص نفوذ الحرس الثوري داخل الاقتصاد العراقي، وسط ضغوط أمريكية متصاعدة على بغداد لإعادة هيكلة الحشد الشعبي والحد من ارتباط بعض تشكيلاته بالأحزاب السياسية.
وأوضحت أن الشركة، التي تأسست في عهد رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني عام 2022، تحولت إلى إحدى أبرز نقاط الخلاف بين بغداد وواشنطن، في ظل اتهامات باستغلال أنشطتها التجارية ومشاريعها الحكومية لتوفير موارد مالية للفصائل المسلحة وشبكات مرتبطة بإيران.
وبحسب المصادر، فإن التحركات الرامية إلى إنهاء دور الشركة تمثل ضربة محتملة لمصادر تمويل الفصائل المهيمنة عليها، بعدما توسعت أنشطتها خلال السنوات الماضية في قطاعات المقاولات والإعمار والزراعة والصناعة، مستفيدة من ارتباطها المؤسسي بهيئة الحشد الشعبي.
صحراء السماوة.. اتهامات تتجاوز المال
وكشفت المصادر أن الأنشطة المنسوبة إلى الشركة لم تقتصر على المشاريع الاقتصادية، إذ تحدثت عن استخدام أحد المواقع المرتبطة بها في صحراء السماوة، جنوبي العراق، لأغراض عسكرية، بينها إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه دول مجاورة.
ووصفت المصادر الموقع بأنه إحدى النقاط التي استُخدمت في أنشطة مرتبطة بالفصائل المسلحة، مشيرة إلى أن هذا الجانب كان من بين الملفات الحساسة التي أثارت اعتراضات أمريكية على استمرار الشركة ونفوذها.
وأضافت المصادر أن الشركة مثّلت، وفق المعلومات المتوافرة لديها، واجهة لأنشطة مالية مشبوهة، بينها غسل الأموال وتوجيه عائدات بعض المشاريع والأنشطة التجارية لدعم شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
وأشارت إلى أن وضع الشركة القانوني وعلاقتها بالمؤسسات الرسمية أتاحا لها الوصول إلى مشاريع حكومية واسعة، الأمر الذي ساعد على بناء نفوذ اقتصادي كبير، وجعلها أحد أبرز مصادر التمويل التي تسعى واشنطن إلى تضييق الخناق عليها.
عقوبات أمريكية وشبكات تمويل
وتعزز هذه الاتهامات ما أعلنته وزارة الخزانة الأمريكية في 9 أكتوبر2025، عندما فرضت عقوبات على شركة "المهندس" العامة، متهمة إياها بتقديم دعم مالي ومادي لكتائب حزب الله وفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.
وقالت الوزارة إن الشركة، التي تخضع بحسب تقييمها لنفوذ كتائب حزب الله، استخدمت عقود المقاولات من الباطن لتحويل أموال من المشاريع الحكومية العراقية، فضلًا عن ارتباطها بأنشطة ساعدت على توفير إمدادات لشبكات مسلحة مدعومة من إيران.
وأشارت الخزانة الأمريكية إلى أن الشركة تعمل تحت إشراف عبد العزيز المحمداوي، المعروف باسم "أبو فدك"، الذي يشغل منصب رئيس أركان هيئة الحشد الشعبي، معتبرة أن أنشطتها الاقتصادية جزء من شبكة أوسع لدعم الفصائل المسلحة.
وفي السياق ذاته، قال مصدر سياسي عراقي فضّل عدم الكشف عن هويته، إن الشركة كانت حلقة ضمن شبكة اقتصادية متشعبة تضم أطرافًا تعمل في قطاعات تجارية مختلفة، بينها تجارة النفط الخام والمنتجات الزراعية والدواجن.
وأضاف المصدر لـ"إرم نيوز" أن جزءًا من عائدات هذه الأنشطة كان يُوجّه، بحسب معلوماته، إلى شركات مرتبطة بالفصائل المسلحة، ومن بينها "المهندس"، وصولًا إلى شبكات مالية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
وأشار إلى أن هذه الأنشطة أصبحت موضع متابعة أمريكية مكثفة، في ظل جهود واشنطن لتضييق منافذ الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران، ومنع استخدام الاقتصاد العراقي لتمويل الجهات الخاضعة لتلك العقوبات.
تعديلات تحت الضغط
وفي موازاة الضغوط الاقتصادية، كشفت المصادر عن ارتباط قرار إلغاء شركة "المهندس" بالتعديلات التي أدخلتها حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي على مشروع قانون هيئة الحشد الشعبي، بهدف معالجة اعتراضات أمريكية وخلافات سياسية داخلية عطّلت إقرار التشريع بصيغته السابقة.
وأوضحت أن التعديلات شملت حذف الفقرة المتعلقة بالشركة من الهيكلية المقترحة للهيئة، إلى جانب إعادة النظر في صلاحيات بعض التشكيلات وتنظيم التسليح والحد من الارتباطات الحزبية.
وبحسب المصادر، فإن واشنطن وضعت اعتراضات على عدد من البنود التي رأت أنها قد تمنح الفصائل المسلحة مزيدًا من الاستقلالية الاقتصادية والعسكرية، ما دفع الحكومة العراقية إلى تعديل المشروع لتسهيل تمريره في مجلس النواب وتجنب تداعيات العقوبات.
وأكدت أن حذف الشركة من مشروع القانون يمثل تحولًا مهمًا في طريقة التعامل مع النفوذ الاقتصادي للفصائل، رغم أن التفاصيل القانونية المتعلقة بتصفية الشركة وأصولها والتزاماتها المالية لا تزال بحاجة إلى إيضاح رسمي.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس كتلة الإعمار والتنمية النيابية، بهاء الأعرجي، أن التعديلات شملت إلغاء شركة "المهندس" من مشروع قانون الحشد الشعبي، إلى جانب معالجة الملاحظات المتعلقة بارتباط بعض العناصر والتشكيلات بأحزاب سياسية.
وأشار الأعرجي إلى أن التغييرات تستهدف معالجة الخلافات التي واجهت القانون، وفتح الطريق أمام إقراره، بما يشمل إعادة تنظيم بعض التشكيلات والصلاحيات داخل هيئة الحشد الشعبي.
كما تضمنت التعديلات تنظيم صلاحيات رئاسة أركان الحشد، ووضع ضوابط للتسليح، ومنع تداخل مهام بعض التشكيلات مع اختصاصات الجيش العراقي، إلى جانب معالجة ملف وجود قوات الحشد داخل المدن.
ضربة اقتصادية
من جانبه، قال الخبير الاستراتيجي الدكتور غازي اللامي إن التحركات المتعلقة بإلغاء شركة "المهندس" ترتبط بصورة مباشرة بالتعديلات الجارية على مشروع قانون الحشد الشعبي، وبالمساعي الرامية إلى تجنيب العراق مزيدًا من الضغوط والعقوبات الاقتصادية.
وأوضح اللامي، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن الشركة كانت تمثل ذراعًا اقتصادية مهمة للحشد الشعبي، وأن العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، بسبب اتهامات بارتباطها بالحرس الثوري الإيراني، جعلت استمرارها إحدى العقد الرئيسية أمام التفاهمات السياسية المتعلقة بمستقبل الهيئة.
وأشار إلى أن القرار لا ينفصل عن الجهود الرامية إلى تسهيل تمرير قانون الحشد الشعبي، الذي واجه اعتراضات من قوى سياسية داخل مجلس النواب، فضلًا عن الملاحظات الأمريكية على بعض بنوده.
واعتبر أن الصلات الاقتصادية المنسوبة إلى الشركة وشبكاتها المالية جعلتها موضع اهتمام خاص لدى واشنطن، في ظل مساعيها للحد من مصادر التمويل التي تعتقد أنها تصل إلى الحرس الثوري الإيراني والفصائل المرتبطة به.
وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على شركة "المهندس"، التي وافق مجلس الوزراء العراقي على تأسيسها في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، برأس مال أولي قدره 100 مليار دينار، لتعمل في مجالات المقاولات والإنشاءات والهندسة والزراعة والصناعة.
وتحوّلت الشركة، منذ تأسيسها، إلى محور جدل سياسي واقتصادي بشأن حدود النشاط التجاري للمؤسسات المرتبطة بالتشكيلات المسلحة، وطبيعة علاقتها بالعقود الحكومية والمال العام.