العربي الجديد
في كل مناسبة تخص تشكيل حكومة جديدة أو إخفاقاً برلمانياً أو تجاوزات سياسية للدستور، آخرها دعوة رئيس مجلس القضاء الأعلى (أعلى سلطة قضائية في العراق) فائق زيدان، الخميس الماضي، مجلس النواب إلى مراجعة الدستور، وإجراء التعديلات اللازمة على نصوصه، بهدف معالجة مواطن الخلل، وتحديث النصوص بعد مرور أكثر من عقدين على صياغته في ظروف انتقالية.
وهذه ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها زيدان عن أهمية إجراء تعديلات على الدستور، غالباً ما تحظى بتأييد من الخبراء وبعض أعضاء مجلس النواب وزعماء الأحزاب، لا سيما أن التعديلات المستهدفة تتركز على المواد المتعلقة بطريقة اختيار رئيس الحكومة، التي منحت القوى السياسية تأويلات كثيرة بسبب عدم وضوح المادة 76 منها على وجه التحديد، ووصلت إلى ما يُعرف بـ"الكتلة الكبرى"، وطريقة تحديد هذه الكتلة أو تسميتها داخل البرلمان أو من خلال الانتخابات. وبحسب المادة 76 من الدستور العراقي، يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، بتشكيل مجلس الوزراء، خلال خمسة عشرَ يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية.
كما تتركز التعديلات المستهدفة على المواد المتعلقة بصلاحيات رئيسي الجمهورية والبرلمان، ودور المحكمة الاتحادية العليا، وصلاحيات حكومة إقليم كردستان في أربيل، وسلطة بغداد (الحكومة الاتحادية)، والفصل بين السلطات. وسبق أن طرح عدد من النواب تعديلات أخرى متباينة، مثل المطالبة بتغيير شكل نظام الحكم إلى رئاسي، فيما يعتبر آخرون أن النظام البرلماني الحالي أفضل، ويطرح طرف ثالث النظام المختلط بينهما. هذا فضلاً عن المطالبة بمراجعة المادة 140 المتعلقة بإدارة المناطق المتنازع عليها بين إقليم كردستان وبغداد، ومواد تتعلق بصلاحيات المحافظين في المحافظات العراقية، ومواد اعتًبرت قابلة للتأويل والتفسير، وتحتاج إلى تفسير أوضح، مثل الحريات العامة والخاصة.
وحددت المادة 142 من الدستور العراقي خطوات عدة لإجراء أي تعديل عليه، أولها التصويت على التعديل في البرلمان، ثم عرضه على الاستفتاء الشعبي العام، على أن يكون باطلاً إذا اعترضت عليه أغلبية المصوتين في ثلاث محافظات، إلا أن ملف التعديلات تبقى رهينة التوافقات السياسية التي تتحكم بهذا الأمر، وليست ضرورات الواقع التي تفرض التعديلات. وذكر زيدان في بيان أصدره بمناسبة الذكرى الحادية والعشرين للاستفتاء على الدستور العراقي الدائم لعام 2005، أن "احترام الدستور والتمسك به يقتضيان معالجة مواطن الخلل وتحديث بعض نصوصه، بعد مرور أكثر من عقدين على صياغته في ظروف انتقالية دقيقة وحساسة، خصوصاً أن التجربة كشفت عن إشكالات في التطبيق والتفسير، أسهمت في تعطيل استحقاقات دستورية، أبرزها ما يتعلق بالأغلبيات البرلمانية، وانتخاب رئيس الجمهورية، وتحديد الكتلة النيابية الأكثر عدداً، وغيرها من الفقرات الجدلية".
وأضاف زيدان في البيان، أن "مجلس النواب أمام مسؤولية وطنية وتاريخية لمراجعة هذه الأحكام وإجراء التعديلات اللازمة، وفق الآليات التي رسمها الدستور، وبما ينسجم مع القانون وإرادة الشعب، إلى جانب تحديث التشريعات بما يواكب متطلبات الدولة وتطور تجربتها الديمقراطية، ويعزز سيادة الدولة والقانون، ويقوي مؤسساتها، ويصون حقوق المجتمع وحريات الأفراد في ظل النظام الديمقراطي التعددي الذي نطمح إليه جميعاً".
خلل هيكلي
في السياق، أقرّ عضو لجنة كتابة الدستور، التي أشرفت على إعداده عام 2005، وائل عبد اللطيف، لـ"العربي الجديد"، بوجود ما وصفه "حاجة فعلية"، إلى إجراء تعديلات دستورية، مبيناً أن "المشكلة التي تخشى منها بعض الأحزاب السياسية في الإقدام على تعديل الدستور اليوم، هي التمادي في تعديل فقرات كثيرة من الدستور، وصولاً إلى تغيير شكل النظام، من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي"، موضحاً أن "واحدة من أكبر المشكلات التي تواجه الدستور العراقي، تتعلق ببعض تفسيرات المحكمة الاتحادية له، ومن ضمنها المادة التي تمنح الحق للكتلة الفائزة بالانتخابات بتشكيل الحكومة، والتي حُرّفت إلى اعتبار التحالف الأكبر بعد الانتخابات هو الذي يشكل الحكومة".
وأكمل عبد اللطيف، أن "تعديل الدستور يشترط اقتراح رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين، أو طلباً مقدماً من خُمس أعضاء البرلمان (عدد أعضاء البرلمان 329 نائباً)"، مشيراً إلى أن "الدستور نفسه يشرح آلية التعديل، عبر المادة 126 التي تقول إن التعديل يتم بعد تصويت أغلبية النواب في البرلمان على التعديلات، ثم عرض ذلك على التصويت باستفتاء شعبي، وبذلك تُعتبر التعديلات مجازة إذا لم تُرفض من قبل ثلثي سكان ثلاث محافظات".
من جهته، أشار الباحث في الشأن العراقي علاء الشبيب، إلى أن "الدستور العراقي بحاجة حقيقية لردم الخلل الهيكلي في النظام السياسي، من خلال التوجه إلى إعادة النظر في الدستور، بما يحقق تغييراً إيجابياً ينسجم مع الواقع العراقي، ويلبي حاجات المجتمع. و في مقدمة التعديلات الملحة تغيير شكل النظام من برلماني إلى رئاسي، وإلغاء مجالس المحافظات والأقضية، ورفع كل مفردة تتكلم بعنوان مكون وتوازن، ويُقصد فيها جانب طائفي محدد"، معتبراً في حديث مع "العربي الجديد"، أن "المشكلات الدستورية تستهدف المواطن بشكلٍ أساسي، وإلا فماذا يعني انسحاب التيار الصدري من العملية السياسية بعد أن حصد مركز الفائز الأول في الانتخابات عام 2021 جرّاء تفسير خاطئ للدستور؟". ورأى أن تكرار مثل هذه الحالة "يعني ضرب الديمقراطية بالصميم".
من جانبه، أشار القانوني العراقي ميثم أحمد، إلى أن "المؤسسة القضائية تمضي باتجاه بدء الإصلاح في بقية المؤسسات بالاعتماد على الدستور، إذا إنها لم تطالب خلال الفترات السابقة بتعديل الدستور فقط، بل راحت إلى مسارات أعقد، من ضمنها عقدة حصر السلاح بيد الدولة، والتجاوزات على التوقيتات الدستورية في عملية تشكيل الحكومة واختيار رؤساء السلطات"، مستكملاً حديثه مع "العربي الجديد" بالقول إن "هناك أموراً إشكالية متعددة تخص الدستور، منها ما يتعلق بعدم تطبيق بنود هامة منه، وأخرى ترتبط بالتجاوز على بنود هامة أيضاً، وغالباً فإن هذه التجاوزات ترتكبها الأحزاب دون أن تُعاقب".