اخر الاخبار

إرم نيوز

بدأت إيران، بالتزامن مع اكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من العراق، تحركات لإعادة ترتيب حضورها الأمني داخل البلاد، مستفيدة من الفراغ الذي خلفه خروج القوات الأمريكية، وخاصةً في شمال العراق ومحيط إقليم كردستان، وفق معلومات حصل عليها "إرم نيوز" من مصدر أمني عراقي.

وقال المصدر إن القراءات الأمنية العراقية رصدت مؤشرات على تعزيز طهران حضور مستشاريها لدعم الفصائل الحليفة لها والمساعدة على إعادة تموضعها، بالتوازي مع تحركات للفصائل باتجاه مناطق تماس حساسة في كركوك وديالى وأطراف نينوى.

وبحسب المصدر، يجري التحرّك الإيراني بحذر لتجنب تحويل العراق إلى ساحة مواجهة مباشرة جديدة مع واشنطن، خاصةً أن الولايات المتحدة نقلت جانباً مهماً من أدوات ضغطها من الوجود العسكري المباشر إلى العقوبات والقطاع المالي وملاحقة مصادر تمويل الجماعات المسلحة. 

 

سباق على الفراغ

أنهت الولايات المتحدة في 30 سبتمبر وجودها العسكري المتبقي في العراق، وغادرت آخر قواتها شمال البلاد، في خطوة أنهت أكثر من عقدين من الوجود العسكري الأمريكي، ومرحلة من مهمة التحالف الدولي التي بدأت بعد صعود تنظيم داعش عام 2014.

لكن الانسحاب حدث فيما بقيت مشكلة أساسية بلا حل؛ فالفصائل العراقية الأكثر ارتباطاً بإيران لم تتخل عن سلاحها.

وكان الموعد الأصلي لحصر السلاح متزامناً مع الانسحاب الأمريكي، قبل أن يتعثر هذا المسار، فيما رفضت جماعات بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء تسليم أسلحتها أو وضعت شروطاً يصعب على الحكومة تنفيذها.

ويقول المصدر الأمني لـ"إرم نيوز" إن أحد المخاوف الحالية يتعلق بالمناطق المحيطة بالقواعد والمنشآت التي كان الأمريكيون يستخدمونها، إذ انتقلت المسؤولية الأمنية عنها رسمياً إلى المؤسسات العراقية، بينما تحاول الحكومة منع ظهور مراكز نفوذ مستقلة للفصائل في محيطها.

وتسعى بغداد، وفق المصدر، إلى تثبيت سلسلة قيادة مركزية تربط التشكيلات المسلحة بالقائد العام للقوات المسلحة، لمنع أي جماعة من استغلال مرحلة الانتقال لإقامة ترتيبات أمنية مستقلة.

 

كردستان بلا المظلة الأمريكية

ويبدو إقليم كردستان الحلقة الأكثر حساسية في ترتيبات ما بعد الانسحاب. فخروج القوات الأمريكية لم يعنِ مغادرة الجنود فقط، وإنما إزالة معدات وقدرات دفاع جوي كانت توفر مظلة حماية للقوات الأمريكية والمنطقة المحيطة بها. وكانت مصادر عسكرية أمريكية أكدت قبل الانسحاب أن معدات بينها أنظمة دفاع جوي ستغادر أيضاً.

وحذّرت سلطات الإقليم من أن ذلك يجعل كردستان أكثر انكشافاً أمام الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، في وقت لا يمتلك فيه الإقليم بديلاً مماثلاً للمظلة الأمريكية.

ويقول المصدر العراقي، إن مؤشرات ميدانية رُصدت على إعادة تموضع مجموعات مسلحة في مناطق التماس المتنازع عليها في كركوك وديالى وأطراف نينوى، ومحاولات لتعزيز المراقبة واستخدام المسيّرات في تلك المناطق، مستفيدة من غياب الطيران والاستطلاع الأمريكيين.

وبحسب المصدر، تنظر طهران إلى شمال العراق باعتباره إحدى أكثر ساحات ما بعد الانسحاب أهمية، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً أيضاً.

وتشير تقديرات المصدر إلى محاولة إيران تعزيز نفوذ القوى الكردية الأقرب إليها، وفي مقدمتها الاتحاد الوطني الكردستاني، بما يزيد الضغط السياسي والجغرافي على الحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل.

ولا يعني ذلك انتقال كردستان تلقائياً إلى دائرة السيطرة الإيرانية؛ إذ تبقى للحكومة الاتحادية والقوى الكردية حساباتها ومصالحها المستقلة، لكن الانسحاب أزال عاملاً كان يرفع كلفة الضغط العسكري الإيراني أو تحركات الفصائل في شمال البلاد. وهو ما خلصت إليه أيضاً قراءات حديثة اعتبرت أن خروج الأمريكيين يغير حسابات الردع حول الإقليم.

 

الفصائل باقية

وتزداد أهمية هذه التحركات لأن الانسحاب الأمريكي لم يتزامن، كما كانت تريد بغداد وواشنطن، مع إنهاء القوة العسكرية المستقلة للفصائل.

وفي 30 سبتمبر، جددت ما تسمى "المقاومة الإسلامية في العراق"، التي تضم فصائل شديدة الارتباط بطهران، رفضها التخلي عن السلاح، فيما هددت كتائب حزب الله قبل ذلك بإسقاط ما تصفه بالطائرات "المعادية" التي تعمل في المجال الجوي العراقي.

وتواجه بغداد معادلة غير مريحة اليوم؛ فالقوات الأجنبية التي استخدمتها الفصائل طوال سنوات مبرراً للاحتفاظ بالسلاح غادرت، لكن السلاح نفسه بقي، بينما فقدت الدولة جزءاً من الغطاء الاستخباري والجوي الخارجي الذي كان يشكل ثقلاً موازناً لهذه الجماعات.

 

الفصائل ما زالت تعمل مع "الحرس"

ويرى الباحث السياسي العراقي مهند الجنابي، أن التحدي الأخطر الذي يتركه الانسحاب الأمريكي لا يتعلق بقدرة القوات العراقية على السيطرة على الأرض، بقدر ما يرتبط بالفراغ في مجال الدفاع الجوي وحماية الأجواء، ولا سيما في إقليم كردستان.

ويحذر الجنابي، من استمرار هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تنفذها فصائل مسلحة، مشيراً إلى أن الإقليم لا يمتلك منظومة دفاع جوي خاصة به، فيما سبق لقيادة الدفاع الجوي العراقية أن أقرت بعدم قدرتها على حماية كامل أجواء البلاد.

كما يخشى الجنابي عودة هجمات الفصائل رغم التعهدات السياسية، مستنداً إلى سوابق لم تستجب فيها جماعات مسلحة لمطالب بوقف التصعيد. 

وهكذا، لا يبدو الفراغ الذي خلفه الانسحاب مجرد مساحات عسكرية أخلاها الجنود الأمريكيون، بل اختباراً لقدرة الدولة العراقية على منع إعادة ملئها بقوة موازية مرتبطة بطهران؛ فيما ستكون مناطق التماس حول كردستان أول الأماكن التي تكشف اتجاه ميزان القوى الجديد.