إرم نيوز
دخل إقليم كردستان العراق مرحلة أمنية وسياسية جديدة مع اكتمال انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي من الأراضي العراقية في 30 سبتمبر/أيلول الماضي، وسط مخاوف كردية من أن يؤدي غياب المظلة العسكرية الأمريكية إلى زيادة الضغوط على الإقليم، في وقت تتداخل فيه تحديات تنظيم "داعش" مع تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، والتوترات الإقليمية.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية اكتمال انسحاب القوات والمعدات الأمريكية من قاعدة أربيل الجوية، وإنهاء مهمة "العزم الصلب" في العراق، بالتزامن مع انتقال العلاقة بين بغداد وواشنطن إلى إطار دفاعي ثنائي.
وفي كردستان، لا ينظر المسؤولون إلى الانسحاب باعتباره مجرد نهاية لمهمة عسكرية، بل باعتباره اختبارًا لقدرة الإقليم وبغداد على إدارة مرحلة أمنية مختلفة، خاصة أن الانسحاب يأتي في ظل بيئة إقليمية متوترة، وبعد أشهر شهد فيها الإقليم، وفق قوات البيشمركة، أكثر من 1000 هجوم بالصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة.
قلق غياب الدفاع الجوي
وتتمثل إحدى أبرز المخاوف الكردية في مسألة الدفاع الجوي، إذ تقول قيادة البيشمركة إن مغادرة القوات الأمريكية في هذا التوقيت، دون توفير منظومة دفاعية للإقليم، يبعث على القلق، لكنها، في الوقت نفسه، أكدت أن سماء كردستان، باعتبارها جزءًا من المجال الجوي العراقي، تقع ضمن مسؤولية الحكومة الاتحادية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى أربيل، التي تعرضت، خلال السنوات الماضية، لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ، بعضها استهدف منشآت ومواقع مرتبطة بالطاقة والقوات الأجنبية.
وفي المقابل، تحاول حكومة الإقليم إظهار أن الانسحاب لا يعني غياب أدوات المواجهة المحلية، إذ أعلنت رئاسة كردستان استكمال خطوات توحيد قوات البيشمركة ضمن وزارة البيشمركة، في مسار استغرق سنوات، بما يعزز التنسيق مع المؤسسات الأمنية الاتحادية.
ويرى أستاذ العلاقات الدولية ورئيس المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية، الدكتور غازي فيصل، أن هذا التطور يمثل عاملًا مهمًا في قدرة الإقليم على التعامل مع المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أن قوات البيشمركة أصبحت أكثر توحدًا، وأن هناك تنسيقًا متزايدًا بين وزارة البيشمركة ووزارة الدفاع والقيادة العامة للقوات المسلحة العراقية.
وبحسب فيصل الذي تحدث لـ"إرم نيوز"، فإن هذا التنسيق يعكس تحولًا في طبيعة المواقف السياسية والأمنية لقيادة الإقليم، ولا سيما حكومة كردستان، باتجاه العمل المشترك مع بغداد لإيجاد حلول للقضايا الأمنية وفق الدستور.
البيشمركة وبغداد
لكن فيصل يشير، في الوقت نفسه، إلى أن الإقليم لا يمتلك، قدرات دفاع جوي كافية لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة، لافتًا إلى تعرض كردستان لهجمات إيرانية وهجمات من فصائل مسلحة مرتبطة بإيران.
ويقول إن هذه التحديات تجعل التنسيق مع بغداد أكثر أهمية، خاصة إذا تزامن ذلك مع أي ترتيبات جديدة تتعلق بالوجود العسكري التركي في المناطق الحدودية أو وجود حزب العمال الكردستاني في مناطق أخرى من شمال العراق.
ومن هذا المنظور، لا يبدو أن أربيل تتعامل مع مرحلة ما بعد التحالف باعتبارها مواجهة منفردة مع المخاطر، وإنما باعتبارها اختبارًا للعلاقة الأمنية مع بغداد.
ويرى فيصل أن المرحلة الجديدة قد تدفع الإقليم إلى تعميق علاقته الأمنية مع بغداد، بدل الاعتماد على الوجود العسكري الأمريكي باعتباره مظلة منفصلة، ما يعني أن توحيد البيشمركة والتنسيق مع الجيش العراقي يمكن أن يشكلا قاعدة لإعادة توزيع المسؤوليات الأمنية، بحيث تصبح حماية الإقليم جزءًا أكثر وضوحًا من منظومة الأمن الوطني العراقي.
وكانت البيشمركة قد أكدت قبل اكتمال الانسحاب، أنها جزء من المنظومة الدفاعية العراقية، وأن لديها علاقات دستورية وأمنية متينة مع الجيش العراقي، مؤكدة استمرار العمل المشترك والتنسيق.
داعش مصدر قلق
إلى جانب التهديدات القادمة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، يبقى تنظيم "داعش" أحد مصادر القلق في مرحلة ما بعد التحالف.
فرغم تراجع قدرات التنظيم مقارنة بسنوات سيطرته على مساحات واسعة من العراق، لا تزال خلاياه تنشط في مناطق متفرقة، وهو ما يجعل المعلومات الاستخبارية والمراقبة الجوية والتنسيق بين القوات العراقية والبيشمركة عناصر أساسية في منع التنظيم من استغلال أي ثغرات أمنية.
ويقول الدكتور فرهاد عمر دزه يي المحلل والباحث بمركز ستاندرد للدراسات الإستراتيجية في أربيل، إن إقليم كردستان لم يشهد مستوى المخاوف الأمنية الحالي منذ سنوات، مشيرًا إلى أن التهديدات التي صدرت عن بعض الفصائل المسلحة، إلى جانب استمرار نشاط "داعش"، تثير تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة.
ويضيف لـ"إرم نيوز"، أن مناطق مثل مثلث ديالى وكركوك والسليمانية، فضلًا عن المناطق الحدودية، ما زالت تحتاج إلى يقظة أمنية، معتبرًا أن أي فراغ في الانتشار أو التنسيق قد يتحول إلى مصدر تهديد للإقليم.
ويحذّر من أن استمرار الضغوط السياسية والعسكرية على أربيل، بالتزامن مع غياب الدعم الأمريكي المباشر، يخلق حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل الوضع الأمني والسياسي، مشيرًا إلى أن الإقليم يراقب أيضًا تطورات الصراع الإقليمي، خاصة ما يتعلق بالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.
سلاح الفصائل
ولا ينفصل القلق الكردي عن الجدل الأوسع في بغداد حول سلاح الفصائل المسلحة، فمع انتهاء المهمة العسكرية للتحالف، تنتقل قضية الأمن بصورة أكبر إلى المؤسسات العراقية، بينما لا يزال ملف حصر السلاح بيد الدولة موضع خلاف بين الحكومة وعدد من الفصائل.
ورفضت عدة فصائل عراقية الالتزام بجدول زمني لتسليم السلاح، في حين تحاول الحكومة الدفع نحو ترتيبات تدريجية لحصره ضمن مؤسسات الدولة، الأمر الذي تبرز معه معادلة مقعدة بالنسبة لكردستان، فالإقليم يحتاج إلى ضمانات أمنية اتحادية في ظل غياب القوات الأمريكية، بينما تحتاج بغداد في المقابل إلى تعزيز قدرتها على فرض قرار أمني موحد على مختلف القوى المسلحة.
لكن الانتقال إلى هذه المعادلة لن يكون خاليًا من التحديات، خاصة أن كردستان تواجه، في الوقت نفسه، ملفات سياسية واقتصادية وأمنية متداخلة، فيما يبقى مستوى التهديد الإقليمي متغيرًا.
وباكتمال الانسحاب الأمريكي من العراق، لا ينتهي التعاون الأمني بين واشنطن وبغداد، إذ أعلنت الولايات المتحدة استمرار العلاقة الدفاعية الثنائية، فيما يدخل إقليم كردستان مرحلة معقَّدة، حيث يواجه تحديات متزايدة دون المظلة العسكرية الأمريكية التي اعتاد الإقليم الاعتماد عليها خلال سنوات مواجهة "داعش" فضلاً عن تداعيات التوترات الإقليمية.