العربي الجديد
تغيب عن العاصمة بغداد وبقية المدن العراقية أي مظاهر لاستذكار الذكرى السابعة للاحتجاجات الشعبية في البلاد، التي اندلعت في مثل هذا اليوم، الأول من أكتوبر/ تشرين الأول عام 2019، وراح ضحيتها أكثر من 800 قتيل ونحو 28 ألف جريح جراء القمع وعمليات الاغتيال التي شهدتها ساحات الاحتجاج في بغداد ومدن جنوبي العراق ووسطه، واستمرت لأكثر من 14 شهراً.
ويُفسَّر هذا الخفوت بأنه جاء في توقيت حساس، خصوصاً أن الحكومة العراقية تسعى إلى تعميم مظاهر الاحتفال بـ"يوم السيادة"، ومغادرة قوات التحالف الدولي والقوات الأميركية البلاد، التي أُعلن عنها رسمياً أمس الأربعاء، إذ احتفلت القوات العراقية عبر سلسلة من الفعاليات، إلى جانب جماهير الفصائل المسلحة في بغداد وأكثر من محافظة، فضلاً عن شرائح محدودة من المجتمع العراقي. كما يمكن تفسير هذا الخفوت بأن تنسيقيات المحتجين والمتظاهرين المدنيين والليبراليين والعلمانيين في العراق تلاشت خلال العامين الماضيين، إلى درجة أنها لم تعد موجودة أو مؤثرة كما كانت في السابق.
وخلال الأعوام الماضية، أحيا الناشطون المدنيون في العراق هذه الذكرى من خلال النزول إلى ميادين العاصمة بغداد ومدن جنوبي البلاد ووسطها، للتأكيد على مطالبهم التي لم تتغير وظلت ثابتة، وأبرزها رفض الأحزاب الحاكمة وشكل العملية السياسية التي تدير البلاد بوضعها الحالي، ووقف هيمنة الفصائل المسلحة والأحزاب الدينية على المشهدين السياسي والأمني، ووقف هدر وسرقة المال العام، والتذكير بقتلة المتظاهرين حينها، خصوصاً أن احتجاجات "تشرين" شهدت عمليات عنف غير مسبوقة، لا سيما بعد دخول جماعات مسلحة، وُصفت بـ"الطرف الثالث"، على خط قتل المحتجين والناشطين وقمعهم واختطافهم.
واللافت أن الحركات السياسية المدنية التي انبثقت من احتجاجات "تشرين" وبعدها نسيت هذه الذكرى، وأن كثيراً منها لم يصدر بيانات أو مواقف بشأنها، ما يؤشر إلى خلل كبير تعود أسبابه إلى اليأس أو الانصهار داخل منظومة الحكم القائمة في البلاد، لا سيما أنها وجدت في العمل السياسي إلى جانب بقية الأحزاب النافذة، "المرفوضة سابقاً"، خياراً للبقاء داخل البلاد، وطريقة للعمل السلمي من دون الاصطدام بالسلاح المنفلت وتحمل التهديدات والترويع والتشريد.
في هذا السياق، استذكر "تيار الخط الوطني"، وهو حزب جديد يقوده عدد من المدنيين، احتجاجات "تشرين"، وطالب بفتح ملفات الانتفاضة ومحاسبة المتورطين في قتل المتظاهرين وخطف الناشطين وتغييبهم، معتبراً، في بيان، أن "الجرائم المرتكبة بحق العراقيين لا تسقط بالتقادم، وأن حقوق الضحايا لا يجوز أن تتحول إلى مادة للتسويات السياسية والانتخابية".
وأشار إلى أن "الدولة الساعية إلى ترسيخ سيادتها وهيبة مؤسساتها مطالبة بفتح ملفات تشرين وفق مقتضيات العدالة والقانون، وكشف الحقيقة كاملة ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، فضلاً عن إنصاف الضحايا وذويهم بما يحفظ حق المجتمع في معرفة الحقيقة ويحول دون تكرار تلك الانتهاكات"، مبيناً أن "شهداء تشرين سيبقون جزءاً من الذاكرة الوطنية العراقية، وأن مطالبهم ستظل حاضرة في مشروع بناء الدولة التي تحتكر السلاح وتصون الحريات وتحمي مواطنيها وتساوي بينهم أمام القانون".
من جهته، أشار الناشط السياسي علي الحجيمي إلى أن "تظاهرات تشرين لم تكن حراكاً شبابياً أو فورة غضب تُرجمت بالنزول إلى الشوارع، بل كانت ثورة وطنية عابرة للطوائف، وأن العنف غير المسبوق الذي تعرض له المحتجون هو السبب في تراجعها وصولاً إلى يومنا هذا، إذ إن مرور سبع سنوات لا يمنع استمرار الهجمات الإعلامية والاتهامات ضد المشاركين فيها، واعتبارهم خونة وعملاء"، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أن "الواقع السياسي لم يتغير، حتى أن بعض وجوه تشرين الذين دخلوا العمل السياسي ووصلوا إلى البرلمان لم يتمكنوا من إحداث أي تغيير".
وأضاف الحجيمي أن "تراجع الاهتمام بالذكرى السنوية لاحتجاجات تشرين واستذكارها يؤشر إلى حالة اليأس التي أصابت الحراك المدني من التوصل إلى أي حلول بالطرق السلمية"، مشيراً إلى أن "السلطات والأحزاب عليها أن تستغل هذه الذكرى لمراجعة المسار السياسي والتمسك بالمبادئ التي خرج من أجلها الشباب العراقي، وهي السيادة والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وعدم السماح للفاسدين والمسلحين بإدارة البلد".
واضطر عشرات النشطاء من الحراك المدني والصحافيين إلى مغادرة مدنهم، سواء في العاصمة بغداد أو محافظات الجنوب، متجهين إلى إقليم كردستان، شمالي البلاد، وتركيا والأردن، فيما اختار آخرون الهجرة إلى بعض الدول الأوروبية. وفي الذكرى السابعة لاحتجاجات تشرين، ما زال هؤلاء خارج العراق بسبب ملاحقات قضائية أو تهديدات من فصائل مسلحة، من دون تسوية حقيقية لأوضاعهم وتأمين عودتهم.
ويواجه معظم الذين غادروا تهماً بإثارة الفتن وتعطيل العمل الحكومي والتجاوز على ممتلكات الدولة خلال فترة الاحتجاجات. ورغم عدم وجود أدلة كافية على إدانتهم، فإن هذه الاتهامات حظيت بدعم عدد من المؤثرين في الأحزاب الدينية وبعض الفصائل المسلحة والشخصيات السياسية، ما وضعهم أمام تحدٍ كبير في مواجهة دعاوى قضائية يرون أنها كيدية وتهدف إلى طرد الأصوات الوطنية والمدنية من البلاد.