تكشف معلومات أمنية حصل عليها "إرم نيوز" عن انتقال مئات العناصر المتخصصة في الصواريخ والطائرات المسيّرة والدعم اللوجستي من البنية العسكرية لـ"عصائب أهل الحق" إلى شبكة خلايا صغيرة تعمل خارج القيادة المعلنة للحركة، بالتزامن مع شروع قيس الخزعلي في مسار تسليم السلاح والانخراط بصورة أوسع في مؤسسات الدولة.
ولا يحمل التشكيل الجديد اسماً رسمياً معلناً، وفق مصدر أمني عراقي، بل يتوزع على خلايا وتشكيلات ظل تضم عناصر من الصفين الثاني والثالث العسكري واللوجستي، معظمهم من أصحاب الخبرة في تشغيل الصواريخ والمسيّرات، بينما بقي الصف السياسي الأول بقيادة قيس الخزعلي ملتزمًا بمسار الاندماج.
وتكتسب المعلومات أهمية إضافية بعدما كشف مسؤول رفيع في مكتب رئيس الوزراء العراقي لصحيفة "واشنطن بوست" أن العصائب لم تسلّم سوى نحو نصف ترسانتها المقدرة، وأن النصف الآخر استحوذ عليه منشقون استخدموه لتأسيس تشكيل جديد يحظى بـ"دعم إيراني كبير"، ونسق عمليات مع الحوثيين وشارك في هجمات استهدفت قطاع الطاقة السعودي.
السلاح خرج قبل الجرد
المعلومة الأكثر حساسية، وفق مصدر "إرم نيوز"، تتعلق بتوقيت اختفاء الترسانة. فالمصدر يقول إن قسماً من الأسلحة نُقل من المواقع المعروفة قبل وصول لجان الجرد الحكومية، ثم وُزع على مخابئ في جرف الصخر وأطراف صلاح الدين ومناطق صحراوية في الأنبار.
وتشمل الترسانة، بحسب المصدر، مسيّرات انقضاضية ومنصات لإطلاق صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى ومعدات اتصال وإسناد لوجستي، ما يجعل ما خرج من سيطرة الحركة أكثر أهمية عملياتياً من مجرد أسلحة فردية.
وكانت عملية التسليم المعلنة في آب/ أغسطس قد أثارت أسئلة مبكرة عن حجم ما قدمته العصائب فعلياً؛ إذ كشفت مصادر عراقية حينها أن الأسلحة المسلمة من اللواءين 41 و42 تضمنت أقل من عشر مسيّرات، محلية وإيرانية الصنع، وجميعها من دون ذخيرة، فيما لم تتضمن العملية أي صواريخ.
ويعيد ذلك طرح السؤال حول حقيقة ما حدث داخل العصائب؛ فهل تمرد جناح عسكري بالفعل على قرار الخزعلي، أم أن الانشقاق أتاح عملياً فصل المسار السياسي للحركة عن جزء من قوتها العسكرية؟
مصدر "إرم نيوز" يقول إن الروايتين متداولتان داخل الدوائر الأمنية، وإن قيادة العصائب تتمسك بأن منشقين استحوذوا على السلاح، بينما ترى أوساط أمنية أن احتمال وجود "تقاسم منسق للأدوار" يستحق التحقيق، خصوصاً مع نقل أجزاء من الترسانة قبل استكمال الجرد. ولا توجد حتى الآن أدلة علنية تثبت أن قيادة العصائب رتبت الانشقاق.
من الخزعلي إلى "الحاج حامد"
الخيط الثاني يقود إلى العقيد في فيلق القدس حامد عبد اللهي، المعروف في العراق باسم "الحاج حامد". ويقول المصدر الأمني إن عناصر من الشبكة الجديدة أصبحت ترتبط مباشرة بعبد اللهي وتتلقى التمويل والتوجيه بعيداً عن التسلسل القيادي للعصائب.
وتتقاطع هذه المعلومات مع شهادات ثلاثة قادة في فصائل عراقية تحدثوا أخيراً عن قيام عبد اللهي باستقطاب عناصر من فصائل كبيرة دون موافقة قياداتها، وإلحاقهم بخلايا صغيرة ترفع تقاريرها إليه مباشرة. ووصف قادة فصائل بعض هؤلاء العناصر بأنهم "منشقون ومعارضون وعملاء مزدوجون".
وتشير قراءة لمشروع التهديدات الحرجة ومعهد دراسة الحرب إلى احتمال أن يكون التشكيل المنشق عن العصائب جزءاً من الشبكات الجديدة التي يديرها الحرس الثوري مباشرة، مستندة إلى تشابه نمط العمليات والدعم الإيراني، لكنها تؤكد أن هذا الارتباط لا يزال تقديراً وليس أمراً مثبتاً بصورة مستقلة.
الحوثيون يدخلون الشبكة
وتظهر في هذا المسار صلة حوثية تتجاوز العلاقة السياسية. فبحسب المصدر الأمني، يجري تنسيق تقني وعملياتي بين عناصر عراقية وحوثية، يشمل خبرات تشغيل وبرمجة المسيّرات وتبادل معلومات الأهداف، مع وجود نقاط تنسيق داخل العراق، أبرزها في منطقة جرف الصخر.
ويتطابق جزء من ذلك مع إفادة المسؤول العراقي التي نشرتها "واشنطن بوست" عن تعاون المجموعة المنشقة مع الحوثيين وضلوعها في هجمات حديثة على قطاع الطاقة السعودي.
ولا يبدو النموذج محصوراً بالعصائب. فمصدر "إرم نيوز" يتحدث عن انتقال عناصر متخصصة من تشكيلات أخرى إلى شبكات أصغر عابرة للفصائل، في وقت تواصل فيه كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء رفض التخلي عن السلاح. كما تشير المصادر إلى أن طهران باتت تمنح الشبكات الجديدة دعماً متزايداً مقارنة ببعض شركائها التقليديين.
من "الجيوش الرديفة" إلى "خلايا النخبة"
الباحث العراقي في الشؤون السياسية والاستراتيجية ثائر العجيلي يصف هذا التحول، بأنه انتقال إيراني من نموذج "الفصائل العلنية" إلى "خلايا النخبة السرية".
ويرى العجيلي أن البنية الجديدة تقوم على مجموعات عراقية صغيرة، تُنتقى عناصرها من الفصائل الأم ثم تُعزل تنظيمياً عنها، وتتخصص في المسيّرات والصواريخ الموجهة والاستطلاع، مع ارتباط مباشر بضباط الحرس الثوري. ويعتبر أن الهدف هو استبدال التشكيلات الكبيرة والمقار المكشوفة ببنية أكثر مرونة وقدرة على التخفي والإنكار والعمل خارج الحدود.
وبذلك قد لا تكون أزمة العصائب مجرد خلاف داخلي على تسليم السلاح؛ بل أول اختبار عملي لمشكلة أكبر تواجه بغداد. ويبدو أن التحولات الجديدة تفيد بأن الدولة يمكن أن تستلم اسم الفصيل ومقراته، لكن ذلك لا يضمن أنها استلمت رجاله الأكثر تخصصاً أو السلاح الذي خرج معهم قبل وصول لجان الجرد.