كشفت مصادر حكومية وسياسية عراقية لـ"العربي الجديد"، عن شروع الحكومة العراقية، برئاسة علي الزيدي، بعملية جرد وتدقيق واسعة لأعداد منتسبي هيئة الحشد الشعبي، تشمل المقاتلين والموظفين المدنيين، بهدف مطابقة الأسماء المسجلة في جداول الرواتب مع الموجودين فعلياً في الخدمة، وإنشاء قاعدة بيانات مُوحدة ودقيقة للهيئة.
وبحسب المصادر، فإن "عملية الجرد تستهدف التدقيق في الأعداد والبيانات الوظيفية لكل المنتسبين، والتحقق من مواقع خدمتهم واستمراريتهم الفعلية"، مشيرةً إلى أن "العدد الإجمالي للمقاتلين والموظفين المرتبطين بهيئة الحشد الشعبي يتجاوز 250 ألف منتسب، بعدما شهدت أعداد الهيئة ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنتين الماضيتين".
وأوضحت المصادر أن "أهمية عملية التدقيق تتزايد مع إعادة طرح ملف ما يعرف محلياً بـ(الفضائيين)، في إشارة إلى الأسماء الوهمية أو المنتسبين غير الموجودين فعلياً في الخدمة، رغم إدراجهم ضمن كشوف الرواتب". ولفتت إلى أن هذا الملف سبق أن أثير داخل المؤسسات الأمنية العراقية، مشيرةً إلى "الكشف، في عام 2020، عن نحو 82 ألف اسم وهمي في جداول رواتب الحشد".
وطبقاً للمصادر، فإن "عملية الجرد تأتي بالتزامن مع المساعي الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة، وفي ظل اتفاق مبدئي يقضي بأن تتولى هيئة الحشد الشعبي عملية استيعاب الأسلحة التي يُفترض أن تسلّمها الفصائل المسلحة، بدلاً من وزارتي الداخلية والدفاع، فضلاً عن دمج عناصر تلك الفصائل عبر الهيئة ومديريات جديدة". وترى المصادر أن "هذه التطورات قد تؤدي إلى ارتفاع أعداد منتسبي هيئة الحشد خلال المرحلة المقبلة، ومن ثَمَّ زيادة الأعباء المالية على خزينة الدولة، ما يجعل تدقيق قوائم المنتسبين ضرورياً للكشف عن أي أسماء غير حقيقية قد تكون مرتبطة بأحزاب أو فصائل، وتتقاضى رواتب من المال العام من دون أداء خدمة فعلية".
ضبط الرواتب والإنفاق
من جهته، قال الخبير في الشؤون الأمنية العميد الركن عدنان التميمي، لـ"العربي الجديد"، إن "عملية الجرد والتدقيق التي تجريها الحكومة لمنتسبي هيئة الحشد الشعبي تمثل خطوة مهمة لضبط ملف الرواتب والإنفاق الحكومي، والوصول إلى العدد الفعلي للمقاتلين والموظفين المدنيين". وبيّن التميمي أن "أهمية الجرد تكمن في مطابقة الأسماء المسجلة مع الموجودين فعلياً على رأس الخدمة، والتأكد من مواقع عملهم واستحقاقاتهم المالية، بما يسهم في كشف الأسماء الوهمية أو المنتسبين الذين لا يؤدون خدمة فعلية، والمعروفين بـ(الفضائيين)، فضلاً عن منع الهدر في المال العام".
وأضاف أن "إنشاء قاعدة بيانات مُوحدة وربطها بالجهات الحكومية المعنية سيعززان الانضباط الإداري والعسكري، وسيكونان مهمين أيضاً في تنظيم ملف الحشد ضمن مؤسسات الدولة، خصوصاً مع استمرار النقاش بشأن حصر السلاح بيد الدولة وإعادة تنظيم أوضاع الفصائل والعناصر المنضوية ضمن الأطر الرسمية". وأكد التميمي ضرورة أن "تكون عملية الجرد مهنية وشفافة، وأن تعلن نتائجها بوضوح، مع إحالة أي مخالفات مثبتة إلى الجهات الرقابية والقضائية المختصة"، مشيراً إلى أن "نجاح العملية سيمنح الدولة قاعدة بيانات دقيقة يمكن الاعتماد عليها في التخطيط المالي والأمني، ومنع التلاعب بجداول الرواتب مستقبلاً".
تدقيق مالي ومحاسبة الجهات المستفيدة
في المقابل، حذّر الباحث والأكاديمي علي الجبوري، في حديث لـ"العربي الجديد"، من "خطورة استغلال ملف رواتب هيئة الحشد الشعبي من قبل بعض الأطراف السياسية والفصائل المسلحة"، معتبراً أن "أي تلاعب بأعداد المنتسبين أو إدراج أسماء وهمية للحصول على رواتب من المال العام يمثل اعتداءً على موارد الدولة، ويُحول مؤسسة أمنية رسمية إلى مصدر لتمويل أنشطة لا علاقة لها بمهامها القانونية".
وبين الجبوري أن "ملف الفضائيين يجب ألا ينظر إليه باعتباره مجرد مخالفة إدارية، لأن وجود أسماء وهمية ضمن كشوف الرواتب، إذا ما ثبت، يعني أن أموالاً عامة يمكن أن تكون قد ذهبت إلى جهات وأشخاص لا يؤدون خدمة فعلية، وقد تستخدم هذه الأموال لتمويل نشاطات سياسية أو إعلامية أو تجارية خارج إطار الدولة".
الجبوري: أي تلاعب بأعداد المنتسبين أو إدراج أسماء وهمية للحصول على رواتب من المال العام يمثل اعتداءً على موارد الدولة
وشدد على أن "هناك حاجة إلى تدقيق حقيقي يكشف الجهة التي تقف خلف أي أسماء وهمية، وليس الاكتفاء بحذف الأسماء من قوائم الرواتب، لأن المطلوب معرفة كيف أُدرجت هذه الأسماء ومن استفاد من الأموال التي صرفت عليها طوال السنوات الماضية". وأضاف أن "عملية الجرد الحالية يجب أن تشمل تدقيقاً مالياً وإدارياً موازياً، ومطابقة الأسماء مع الخدمة الفعلية والحسابات المصرفية، فاستمرار وجود أي موظفين أو مقاتلين وهميين يعني استمرار إمكانية توظيف المال العام لخدمة أجندات سياسية أو حزبية وإعلامية".
وأكد الجبوري أن "هيئة الحشد مؤسسة رسمية وتمول من الموازنة العامة، ولذلك لا يجوز لأي طرف سياسي أو فصيل أن يتعامل مع رواتب منتسبيها باعتبارها مورداً خاصاً أو صندوقاً لتمويل نشاطاته"، مضيفاً أن "أي جهة يثبت تورطها في إنشاء أسماء وهمية أو الاستفادة من رواتب غير مستحقة يجب أن تخضع للمساءلة القانونية والمالية دون استثناء".
يُشار إلى أن هيئة الحشد الشعبي تأسست رسمياً عام 2016، بعد تصويت مجلس النواب على قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40، فيما أعلنت رئاسة الوزراء في العام نفسه ضم قوات الحشد الشعبي إلى القوات المسلحة العراقية. وفي عام 2020، جرى توحيد راتب عنصر الحشد الشعبي مع راتب الجندي في الجيش العراقي، ليبلغ مليوناً و250 ألف دينار شهرياً، أي ما يعادل قرابة 850 دولاراً، إلى جانب منح عناصر الحشد المخصصات نفسها المتعلقة بالسكن وغيرها، مع التأكيد على توزيعهم وفق نظام الألوية العسكرية.
وعلى الرغم من الإطار القانوني الذي ينظم عمل الهيئة، لا تزال الفصائل المسلحة المنضوية ضمنها تحتفظ، عملياً، بأسمائها وتشكيلاتها وعناصرها، فضلاً عن ارتباطاتها السياسية والعقائدية، مع استمرار تفاوت مناطق النفوذ والانتشار بين مختلف المحافظات العراقية.