تكشف معلومات خاصة لـ"إرم نيوز" أن قيادات داخل "الإطار التنسيقي" في العراق، تدرس تمديد المفاوضات مع الفصائل المسلحة بشأن مصير أسلحتها حتى الصيف المقبل، بما قد يدفع الموعد المفترض لإنهاء الملف في نهاية الصيف المقبل، بعد أن كان الـ30 من سبتمبر/أيلول الجاري يُطرح بوصفه محطة أساسية لحصر السلاح بيد الدولة.
وقال مصدر سياسي قريب من "الإطار التنسيقي" لـ"إرم نيوز" إن التقديرات المتداولة حاليًّا تفترض حاجة المفاوضات نحو عام إضافي، وإن نهاية الصيف المقبل قد يكون الموعد الأقرب لما بات يعرف داخل النقاشات السياسية بـ"تنظيم السلاح".
لكن المصدر شدَّد على أن صيف2027 ليس موعدًا نهائيًّا أو متفقًا عليه، وذلك ردًّا على معلومات تحدثت عن طرح تاريخ محدد خلال اجتماع لـ"الإطار"، موضحًا أن الاتجاه الأقرب هو إبقاء السقف الزمني مفتوحًا إلى حين انتهاء المفاوضات مع الفصائل.
من الـ30 من سبتمبر إلى موعد مفتوح
يمثل هذا التطور تحولًا عن المسار الذي بدأ قبل أشهر، عندما جرى التعامل مع الـ30 من سبتمبر/أيلول باعتباره موعدًا مفصليًّا لحصر السلاح، بالتزامن مع انتهاء مهمّة التحالف الدولي في العراق.
وكانت قيادات عراقية تحدّثت في أغسطس الماضي عن إجراءات قانونية ضد الجماعات التي تستمر في العمل المسلح خارج سلطة الدولة بعد نهاية سبتمبر، فيما ربط مسؤولون عراقيون بين إنهاء مهمة التحالف والانتقال إلى مرحلة جديدة يكون فيها السلاح حصرًا بيد المؤسسات الرسمية.
لكن الخطاب تغير تدريجيًّا. وقال مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي لاحقًا إن الـ30 من سبتمبر يرتبط بانتهاء مهمّة التحالف وليس موعدًا نهائيًّا لتسليم السلاح؛ ما نقل التاريخ عمليًّا من نهاية للعملية إلى محطة ضمن مسار تفاوضي أطول.
وبحسب مصدر "إرم نيوز"، سيحاول رئيس الحكومة علي الزيدي إقناع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن بغداد لم تتراجع عن تعهداتها، وإنما بدأت بالفعل مفاوضات تقودها لجنة تضم شخصيات شيعية بارزة، وأن الحكومة لا تستطيع تجاوز هذا المسار وفرض تسوية منفردة على الفصائل.
وكانت لجنة تضم نوري المالكي وهادي العامري ومحمد شياع السوداني دخلت بالفعل على خط المفاوضات مع الجماعات المسلحة، وعقدت لقاءات مع قوى رافضة لتسليم أسلحتها، بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء.
نقطة التحوّل
ويربط المصدر التحوّل الأكبر في الموقف بضغوط إيرانية على القيادات الشيعية، وخاصة بعد زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد في أغسطس/آب الماضي. كما تغيرت بالتوازي مع هاتين الزيارتين العبارة المستخدمة في النقاش السياسي نفسه. فبعد الحديث عن "نزع السلاح" أو "حصر السلاح"، بدأ مصطلح "تنظيم السلاح" يظهر بصورة متزايدة.
وقال العامري في نهاية أغسطس إن الملف يتعلق بـ"تنظيم السلاح"، مؤكدًا رفض الصدام بين الدولة والفصائل، فيما استخدم المالكي بدوره التعبير ذاته في الحديث عن معالجة القضية.
ويقول مصدر "إرم نيوز" إن هذا التحوّل يعكس إعادة صياغة للمفاوضات نفسها، إذ لم يعد النقاش مقتصرًا على موعد تسليم الأسلحة، وإنما بات يشمل مكان تخزينها، والجهة التي تسيطر عليها، ووضع الفصائل، والضمانات السياسية والأمنية التي تطالب بها مقابل أي تنازل.
شراء الوقت
وبحسب المصدر، تراهن الفصائل على إطالة المفاوضات "بنصيحة إيرانية"، بانتظار تغير البيئة التي فرضت عليها ضغوط حصر السلاح.
ويضيف أن الرهان يقوم على احتمال التوصل إلى تفاهم بين طهران وواشنطن يخفف الضغط على الفصائل، أو إبقاء الملف مفتوحًا لأطول فترة ممكنة خلال ولاية ترامب.
وكانت تقارير عراقية أشارت بالفعل إلى ضغوط إيرانية لتأخير خطوات نزع سلاح الجماعات العراقية المتحالفة معها، في ظل تعامل طهران مع تلك الجماعات بوصفها جزءًا من منظومة نفوذها الإقليمي وأحد عناصر الردع التي تحتفظ بها في مواجهة الولايات المتحدة.
ويقول المصدر إن الحكومة نفسها خففت خطابها السابق، بعدما كانت التصريحات الرسمية تربط تسليم السلاح بحماية الاستقرار ومنع العراق من الانجرار إلى المواجهات، بينما انتقل النقاش لاحقًا إلى تمرير قانون الحشد الشعبي وترتيب وضع الفصائل داخل المنظومة الرسمية.
ثمن التأجيل
ويرى الباحث السياسي العراقي فراس إلياس أن تأجيل حسم ملف السلاح لا يعني انتهاء الضغوط على بغداد، بل ينقلها إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، خصوصًا أن واشنطن تنظر إلى القضية باعتبارها مرتبطة بقدرة الدولة على احتكار القرار العسكري ومنع الفصائل من التحرك بصورة مستقلة.
ويشير إلياس إلى أن استمرار المراوحة قد يوسع مساحة الضغط الأمريكي، بما يشمل الأدوات الاقتصادية والعقوبات، في وقت تحاول فيه الفصائل تحويل الحصر إلى مفاوضات على الضمانات والنفوذ.
كما أن بقاء السلاح خارج القرار الحكومي، وفق إلياس، يبقي العراق مكشوفًا أمام الصراع الإيراني-الأمريكي؛ لأن طهران لا تزال تنظر إلى الفصائل باعتبارها ورقة إقليمية لا تريد خسارتها، وقد تصبح قابلة للاستخدام مجددًا إذا اندلعت مواجهة جديدة.
وبذلك، لم يعد الخلاف في بغداد يدور حول ما إذا كان ملف السلاح سيُحسم في الـ30 من سبتمبر، بعدما أصبح تجاوز ذلك التاريخ أقرب إلى الواقع، وإنما حول ما إذا كانت المهلة الإضافية ستنتهي فعلًا بصيغة لحصر القرار العسكري، أم أن صيف 2027 سيصبح بدوره محطة جديدة في مفاوضات بلا موعد نهائي.