لنا أن نتساءل : ماذا لو وضع الادب والفن في قفص الاتهام؟، هل يمكن ان يخون الابداع رسالته الانسانية؟ ان الادب والفن بعيدا عن قيمتهما الفنية والجمالية، هما أحد المصادر الاساسية لدراسة الواقع وتمثيله في النص الابداعي والتشكيلي، فالادب يمثل صورة أدبية للوضع النفسي والفكري والاجتماعي للاديب في فترة معينة من تارخ شعب ما، لذلك هو ليس وسيلة للتعبير تقودنا إلى رسم صورة الجو الفكري الذي عاشه الاديب والجماهير في فترة ما فقط، بل وتحدد الممارسات الاخلاقية للاديب، حسب الوظيفة الاجتماعية التي يحملها الادب والفن، فقد يواجه الاديب والمثقف مجموعة من ثقافات وأنماط فكرية وايديولوجيات اوسياسيات وتوجهات تجمع بين تيارات قومية او يسارية او راديكالية في خليط هجين وربما غير متجانس، ويؤسس عليها بناء ثقافيا مزعوما ربما او غير مألوف، على قاعدة ثقافية قوامها التخلف الاجتماعي والمعرفي، وهنا يمكن القول ان الأدب والفن قد يخونان رسالتهما الانسانية والاجتماعية وينحرفان عن الغاية النبيلة التي وُجدا من أجلها، حين يتخليان عن دورهما في التعبير عن قضايا الانسان والدفاع عن قيمه، واستنهاض وعيه، ليصبحا أداة تكرس الزيف بدلا من كشفه، وتعمق الاغتراب بدلا من مقاومته، وقد يتوقف ذلك على طبيعة الرسالة والهدف الذي يسعى إليهما الأديب أو الفنان، ولكن يمكن أن تحدث هذه الخيانة عندما يتحول الأدب والفن إلى وسيلة لتزييف الوعي، أو تبرير الظلم، أو نشر الكراهية، أو استغلال مشاعر الناس لخدمة مصالح شخصية أو سياسية ضيقة. كما تحدث عندما يتخلى الأديب أو الفنان عن ضميره، فيجعل موهبته أداة لخداع الإنسان بدلًا من مساعدته على فهم ذاته والعالم من حوله.
اذن الجواب نعم في احيان قاسية، لان الادب والفن غذاءنا الروحي لصيق بنا نتحدى به منصة الحياة، لهذا تنتابنا صرخة موجعة عند الخيانة، كصرخة يوليوس قيصر عبر التاريخ في مسرحية شكبير، فالخيانة لحظة خذلان كبيرة وخيانة فادحة.
إن الخيانة الحقيقية لا تكمن في اختلاف الأفكار أو تعدد الرؤى، بل في تحويل الإبداع إلى وسيلة لتضليل الإنسان وسلبه حريته في التفكير، وتُعرّف الخيانة بأنها خرقٌ للعقود الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، سواء كانت صريحة أو ضمنية؛ ما يُشكل انتهاكًا للثقة والأمانة. وقد نظر بعض فلاسفة اليونان القدماء إلى الخيانة في إطار العلاقة بين الحاكم والمحكومين، فقد رأى أفلاطون "أن الحاكم الذي يضع مصلحته الشخصية فوق مصلحة المدينة يكون قد خان العدالة"، اذ نجد ان أفلاطون قرن مفهوم الخيانة بتحقيق الحاكم لمصلحته الشخصية على حساب المصلحة العامة في مدينتة الفاضلة التي كان يحلم بها، أما أرسطو فرأى أن الخائن يهدم العقد الأخلاقي والسياسي الذي يربط الأفراد بممثليهم، وقد وضع اليونانيون "إلهًا" للخيانة أسموه "دولوس"، وجعلوه رمزًا للخيانة والخداع والمكر والغدر، فكيف والحالة هذه بخيانة الادب الذي يعكس وعي كاتبه على وجه الدقة سواء قصد ام لم يقصد، ففي الثمانيات ظهر مايسمى بـ " أدب الحرب " حين اندلقت كميات كبيرة من النصوص التي تستحق ان تتهم بالخيانة، فما هي جماليات الحرب والعنف وتقطيع الاشلاء وتصوير ما يحدث بالجبهات التي عكسها الادب انذاك؟ وهل للحرب قيم جمالية وفنية تغني الادب؟ لذلك فشلوا في رسم صورة واقعية لحقيقة ماكان يجري، ذلك لان الذات عندما تقف في مواجهة واقع مأساوي ظالم يحاول الكتاب التأقلم او التكيف مع هذا النظام، كما في المانيا النازية او في زمن فرانكو وموسليني، ولكن الكاتب غير مجبر على ان يكون اديبا ليكتب ما لايرغب، فماالذي يرغم الاديب على قول ما لا يريد، ما يجعله يفقد صدقه ويفقد صفته كمبدع ومبتكر وخالق ويتحول الى اداة في خدمة الذات المقدسة (الحرب) التي خلعوا عليها القاب عدة حينها مثل (ألوان السعادة السوداء) او (الخراب الجميل)،ان الادب بكل اجناسه يضع مسافة بين الذات ومادتها، فليس كل ما نراه يصلح للكتابة، أو يصلح للنشر الذي ربما لا يرضى عليه الحكام او القائمين على ثقافة الحرب، فعندما يقول أب مفجوع بأبنه (هل هو اغلى من العرا ق) يقدم صورة لانحطاط الانسانية لان ابسط حقوق الابناء على الاباء هي المحبة فالذي لايحب ابناءه كيف يستطيع ان يحب وطنه؟ وهي دلالة على موت الضمير والمنطق وشاهد على تربية وثقافة الحرب وما خلفته من مشاعر قاسية في نفوس البشر، هذا الاب اصبح مادة للادب الذي لابد ان يكون مطابقا لأهداف السلطة ليصبح الادب مشروعا سلطويا، وان يكون الاديب او الفنان متمما داعية لجهاز السلطة، ومخبرين في اجهزتها القمعية لقاء بعض المنح او الترقيات؟ ألم يتحول بعض الادباء الى مخبرين للسلطة حين اوقعوا بزملاء لهم ورفعوا تقاريرهم عنهم، فقط لانهم كانوا رافضين سياسة السلطة القمية في العراق ابان حكم النظام السابق؟ اليست تلك خيانة للأدب؟ وربما يعترض بعض الادباء على خيانة الادب باعتباره رسالة جمالية، ذلك لان هذا البعض من الادباء لم يمرُ ولاسيما الادباء العرب بواقع العراق المأساوي وما آل اليه هذا الواقع من خيانة للادب بسبب الصراع ضد الخراب الروحي الشامل الذي واجهناه، وفي المقابل، نواجه الكوميديا السوداء والسخرية والحجاج الادبي والثقافي الذي يعد نوع من المقاومة يلجأ اليها الأدباء والشعراء وحتى الناس إلى استخدام الرمز، الأسطورة، السخرية، والإسقاطات التاريخية مثل رواية "مزرعة الحيوان" لجورج أورويل. هذا الأسلوب الحجاجي المبطن يمرر رسائل التوعية من دون الوقوع المباشر في فخ مقص الرقيب، وقد تعد المقامات ايضا نوعاً من الاحتجاج ازاء نظام متسلط خلق فجوة الفقر والجوع وامتهان الكرامة، وكذلك الكتابة المضادة الذي تناوله المفكر ادوارد سعيد في حديثه عن الهيمنة الامبريالية.، فالاديب بإمكانه ان يتخذ اساليب عدة للحفاظ على ألامانة التي أنيطت به لينأى بنفسه عن المشاركة في الخراب.
كذلك نجد العديد من الشخصيات البارزة، تعرضت لحملات تشويه فادحة عبر التاريخ، حيث نالت منهم ونسبت إليهم صفات لم تكن فيهم حتى وصفوا بأوصاف التصقت بهم ولم تبرحهم حتى يومنا هذا، فقد واجهتنا كتب التاريح والاخبار لقرون مضت ولاسيما القرن الثاني عشر الميلادي عصر صلاح الدين الايوبي في نهاية الدولة الفاطمية عن شخصية نالت الكثير من التشويه وهو الوزير "بهاء الدين قراقوش" الذي تعرض لهجوم كبير جدا تزعمه الكاتب المصري "الأسعد بن مماتي" حينما كتب كتابه الشهير "الفاشوش في حكم قراقوش" الذي حطم فيه شخصية قراقوش تحطيما معنويا وحولها إلى شخصية هزلية تافهة لا قيمة لها وجعلها أضحوكة الناس على مر الزمان. وقد كان هذا التشويه لقراقوش قد وصل العامة والخاصة، وإلى كل الفئات حتى الفئات الأقل ثقافة في المجتمع. وكذلك ابتكار الشخصية الهزلية الأراجوزـ وهي شخصية لدمية شعبية شهيرة وهو تحريفا للفظ القراقوش للاستهزاء به والسخرية منه، وكما ذكر كثير من الباحثين التاريخيين أنه بعد وفاته رغب الفاسدون في تدمير هذه الشخصية، حيث اسهم الكتاب والشعراء ولا سيما ابن مماتة الذي يوصف بأنه سليط القلم واللسان وسيدا للادب، بالاستهزاء به في كتاباتهم وتحويله من قراقوش إلى قراقوز ثم إلى أراجوز وتحولت الشخصية من شخصية حازمة ذات هيبة إلى مجرد وسيلة لإضحاك الناس.
ومن الظروف المعقدة التي كان يعيشها العرب، تعرضت هذه الشخصية للخيانة الادبية والمغالطات والتشنيع، بمعنى ان الكاتب لم يعكس الصورة الحقيقية لقراقوش بل رسم صورة مزيفة بعيدة عن هذا الرجل، ولن نذهب بعيدا عندما نذكر ان السينما المصرية ايضا شاركت في هذا لتضليل عندما وصفته بالخائن ألعميل للصليبين، وبصرف النظر عما ذا كانت شخصية قراقوش اسطورية ام حقيقية، لماذا ظلت تلك الصورة المزيفة عالقة في الاذهان الى اليوم؟ ولماذا تلك الشخصية بالذات نالت من السخرية والتنمر اكثر من اية شخصية مستبدة في التاريخ، اليس هناك من هم اكثر طغيانا وقسوة منه وهم كثر؟ لماذا تم التدليس عن اخباره الحقيقية وهو الذي وصفه المؤرخون بالاجماع بحسن تصرفه وتدبيره لأمور الدولة وبأنه يتميز بالشجاعة والقوة والهمة، اذ يقول ابن خلكان: "ولما استقل صلاح الدين بالديار المصرية، جعله زمام القصر، ثم ناب عنه مدة بالديار المصرية، وفوّض أمورها إليه، واعتمد في تدبير أحوالها عليه، وكان رجلاً مسعوداً وصاحب همة عالية"(وفيات الأعيان)، ويقول ابن كثير: "الأمير بهاء الدين قراقوش، الفحل الخصي أحد كبار كتاب أمراء الدولة الصلاحية، كان شهماً شجاعاً فاتكاً، تسلم القصر لما مات العاضد، وعمّر سور القاهرة" (البداية والنهاية). أليست تلك خيانة للادب ورسالته الانسانية؟