ليس بالضرورة أن يكون المترجم "خائنا" كما يقول الايطاليون، أو أن يكون خاضعا الى مركزية النص المُراد ترجمته، لأن اهمية الترجمة تتجاوز هذه العقدة "الساخرة" لتنخرط في سياق تمثيل التواصل الثقافي، وابراز الحاجة الى الثقافات الانسانية، عبر لغاتها، حيث تتحول الترجمة الى قوة في نقل "العالم" الى المحلية، والى ابراز جدواها من خلال اهميتها في توسيع قاعدة التجديد الثقافي والعلمي والمعرفي بشكل عام، ولعل ما يقاس في تاريخنا الثقافي من ظواهر حضارية ليس بعيدا عن ذاكرة "بيوت الترجمة" لا سيما "بيت الحكمة" حيث تحول استقطاب المترجمين الى جهد حضاري وسياسي غايته الانفتاح على ثقافات وفلسفات وعلوم تلعب دورا في بناء العمران، وفي تشييد الانظمة العلمية والاجتماعية والثقافية..
ثمة اسئلة تضع الترجمة ازاء وقائع، واجراءات تتجاوز توصيفها التقليدي، فهل تكتفي الترجمة بالنقل، وبتحويل نصوص الآخر الى سلع ثقافية صالحة للقراءة والاستهلاك والتداول؟ وهل ثمة اجراءات تكفل جعل هذه الترجمة مجالا معرفيا للتواصل والتعرّف، وإغناء مصادرنا المعرفية والعلمية والنقدية؟
احسب أن هذه الاسئلة تتجاوز البداهة، لأنها ستعمل على استفزاز الكثير ممن يشتغلون في قطاع الترجمة، أو ممن يحتاجون الى مزيد من التعرّف على مظان معارف اللغات الأخرى، وهذا ما يجعل تلك الحاجة باعثة على حساسيات نفسية وثقافية، وربما على شعور بتفوّق الآخر.
توسيع قاعدة الترجمة ومؤسساتها، ليس عملا عشوائيا، بل يتطلب وجود مشاريع وخطط، وبما يجعل تلك القاعدة جزءا من ستراتيجيات تنظيم العمل المؤسسي، على مستوى التخطيط العلمي والاكاديمي، وعلى مستوى تأمين سياقات عمل مادية وقانونية، تنأى بالترجمة عن الانتقائية، وأن تجعلها خالية من العقد والحساسيات، وقادرة على أن تكون عنصرا فاعلا في برامج "الاستثمار الثقافي" بما فيه الاستثمار العلمي والادبي، بوصف أن هذا الاستثمار هو جزء فاعل من فاعليات البناء المؤسسي، ومن عناصر التنمية المُستدامة.
تأطير ربط الترجمة بالتنمية، يدخل في سياق توسيع قاعدة التمثيل الثقافي والعلمي، وعلى النحو الذي يكون فيه الاستثمار الترجمي جزءا من التكامل، ومن اجراءات التقدم والحداثة، وفتح آفاق جديدة للتعرّف والتعلّم والتأسيس، وديمومة آليات التفاعل والانفتاح على الثقافات المتعددة، على مستوى دورها في ديمومة بناء أُسس مشاريع المعرفة، وعلى مستوى تأطيرها في سياق ادامة متطلبات الصناعة الثقافية، وكذلك على مستوى اعتمادها كجزءٍ من فواعل تقوية الحماية الثقافية وتوسيع الخيارات الثقافية، على مستوى صناعة المعرفة، واستقدام العلوم الجديدة والنظريات الثقافية الجديدة، وبما يجعل "العقل الثقافي" اكثر تفاعلا مع متطلبات التنمية الثقافية الأمن الثقافي..
السعي الى "توطين" الترجمة، أو "اقلمتها" يعني اهمية توطين ممارساتها ومؤسساتها في الواقع الثقافي، وتأصيلها في البرامج والمشاريع، بوصفها عنصرا مهما من عناصر تغذية قوة الوعي، وتعزيز تنامي قوة الخطاب في المسؤولية الثقافية، لكن هذا السعي لا يأتي عفو الخاطر، ولا يتحقق بالنوايا والاحلام، بل يتطلب وجود العوامل الساندة مثل البيئة المناسبة التي تستوعب حاجات الترجمة، والمساعدة في جعل الترجمة جزءا من ستراتيجيات اهداف مواكبة التطور والتقدم في المجالات العلمية والمعرفية، وتغذيتها لتكون قوة دافعة في انضاج مستويات التحول الحضاري والثقافي والاجتماعي الصناعات الثقافية، بدء من المستوى الذي يخصّ التعليم والفنون والاداب، وليس انتهاء بالمستوى الذي يخصّ العمران السياسي والاقتصادي، وهذا يقتضي بطبيعة الحال وجود أطر قانونية كافلة، وارادة ثقافية تتفاعل مع تنظيم وتأطير الدرس الترجمي وتوظيفه في مجالات التعليم والتنمية والتواصل، فضلا عن توظيفه في المشاريع والبرامج والخطط وفي فاعلية عمل المؤسسات، التي لا تنفصل عن عمل الدولة، وحاجتها الى ربط الترجمة بأهداف التنمية، والحداثة، وبتأهيل القوى الفاعلة من المترجمين في المؤسسات الاكاديمية، وفي المؤسسات الاعلامية والثقافية، ليعززوا قاعدة العمل الثقافي، والانفتاح على العالم ومحافله المتعددة، وعبر اجراءات تخص تيسير نقل العلوم والمعارف والخبرات والثقافات، مثلما تخص برامج توسيع مساحات التنوع الثقافي، وصولا الى بناء مجتمع المعرفة، ودورها في استيعاب استحقاقات التعرّف على ثقافات الشعوب الأخرى..