لم يكن الفجر عاديًا هذا اليوم. كان يتسلل كمتهمٍ بريء، لا كخلاصٍ منتظر. جلس على حافة المصطبة الاسمنتية، يحدّق في الحائط الذي حفظ أنفاسه طويلاً. لم يكن الحائطُ صامتاً، بل كان يردّ عليه بصورٍ مرتجفة: وجوه الفقراء، أيادٍ متعبة، أطفال يضحكون رغم الجوع… ووجوه أخرى، ممتلئة، باردة، وذلك الضابط الذي تلذذ بتعذيبه. ها هي صورته وهو يمسح يديه من الدماء ليأكل وجبة شهية.

— اعترف وإلا. قلت لك اعترف أيها الجبان.

— جبان! ردَّ وهو ينظر إلى الأصفاد التي تعيقه.

— أجل، جبان. توزع المنشورات المعادية للقائد والثورة ليلاً بالأزقة المظلمة. اتريد ان تهدم وطنا تشيده الجماجم والدم؟ اتريد ان تهدم وطنا تتهدم الدنيا ولا يتهدم؟

— أنا! مستحيل. هذا افتراء.

—وآخر جرائمكَ التي قمت بها في شوارع الخندق والعشار وساحة ام البروم والبصرة القديمة، خاصة في محلات السيمر ويحيا زكريا وغيرها. اعترف. مَن سلمك المنشورات وأنت توزعها في محلة السيف عندما صوبك أحد عناصرنا بمسدسة؟

          تذكرَ التحذيرات، الرسائل، الوجوه التي نصحته أن "يهدأ"، أن "يتكيّف"، أن "يعيش بسلام".  تنفّس ببطء. مرر يده على عنقه. لأول مرة يتمنى الزمن أن يتوقف. دخل الحارس وبدا يرمقه بنظرات عابرة، كأنه ينظر إلى شيءٍ منتهي الصلاحية. حان الوقت. دفعوه لقفص فوق شاحنة. كان الصمت كثيفاً.. نهايتك هنا. ساحة ام البروم. الساحة التي فرشْتَها بالمنشورات الحاقدة التي تدعو لمقاومة الظلم لأجل وطن حر وشعب سعيد.

جاء الفجر كاملاً هذه المرة. جسدٌ معلق… يتأرجح ببطء. لكن شيئاً آخر كان يتأرجح معه. لم تكن مجرد صرخة في فراغ. نظر الضابط إلى الجسد المتأرجح، ثم إلى الناس؛ لم يجد في أعينهم الخوف الذي اعتاد رؤيته، بل وجد انعكاساً لنظرة السجين الأخيرة وشفاهًا ترتل بصمت وأقدامًا تدق لأرض بإيقاعٍ واحدٍ كصدى مطرقةٍ تطلق بصداها سراح الحقيقة.