حين تغتسل أوراق الأشجار مما علق عليها من غبار يوم أمس برشة مطر قوية، يكون ناعم الغبار قد إمتزج مع ماء المطر فاصبح الماء ماء غرينيا غير صالح للشرب، والاستعمال، ويسيل مع مياه المجاري الآسنة، عندها تصبح الصرخة التي سمعها قبل قليل صرخة طفل يستقبل الحياة بإيدي مفتوحة، فيما أمه تأخذ نفسها بصعوبة بالغة، ويهدأ صدرها عن الصعود، والنزول، وتنكفيء شبه غائبة لا حراك فيها.
الصمت لغة أخرى راحت تدور في زوايا الدار، في الغرف، والمرافق، وعلى درجات السلالم. صمت، وسكون، وعيون مبحلقة بفم القابلة المأذونة، بوجهها الأصفر كليمونة ممصوصة الخدين.
قالت القابلة المأذونة بلغة متقطعة حواف الكلمات، ويأسنان شبه مأكولة، ومتهدمة، وهي تغسل يديها في ماء الطشت الساخن، وبكل فتور:
- خذوها الى المستشفى ربما يعيدون لها الحياة.
لم تقل ليعيدوا لقلبها النبض، هذا القلب الذي سكت عن النبض، وكانت الحياة قد خمدت في بدنها الذي مازال حارا، وهو يفقد سخونته شيئا فشيئا، وقد غابت عنه الأنفاس، ووجهها ما زال يحمل ابتسامة الفرح بمقدم ابنها، وملامحه تشع بالفرحة، والسرور.
قطعت الصمت حركة الجميع. الجميع تحرك بلا هدف، أعماهم القول، كان في خارج الغرفة بعض الرجال تهيأ لنقلها الى المستشفى، السيارة التكسي وصلت، تحرك أبوها، أخوها، زوجها، أما الباقون من الرجال فقد أخرسهم قول القابلة.
صاحت الطبيبة بالأصوات التي تحيط بباب غرفة الانعاش المغلق، التي تخلو من مقاعد للجلوس، وهي بين الأمل واليأس، وهما يقطران من وجهها الأبيض النحيل، وعينيها اللتين غارتا في محجريهما قد بدتا خلف النظارة الطبية سوداوتين:
-اسكتوا هذه الأصوات، لا أريد أن أسمع صوتا، يجب أن تلتزموا الهدوء وإلا أخرجتكم جميعا.
وتوقف الزمن عند كلماتها. فصفقت وجه الرجال مثل وقع المطر هذه الكلمات.
ساد صمت ثقيل في غرفة الانعاش، وما يحيط بها، وأصبح هو اللغة التي يتفاهم بها الحضور. فيما جهاز الصدمات الكهربائي لانعاش القلب يعمل بيد الطبيبة المتمرسة، مرة، وأخرى، وثالثة، حتى يأست منه فتركته، وسحبت الشرشف الأبيض ليغطي وجه الفتاة التي فقدت نبض القلب تحت يد القابلة المأذونة.
في البيت ظلت النسوة المسنات قرب أم الفتاة التي نقلت للمستشفى، وهي تجر أنفاسها بصعوبة بالغة. كان الفضاء المحيط بجسدها مليئا بأنفاس النساء، والمرأة تهذي بصوت خفيض بالكاد تسمعه إبنتها الصغيرة، وهي تقول:
- سأرحل معها.. دعوني أرحل مع سعاد إبنتي.
وكانت سعاد في غرفة الانعاش، فيما الدكتورة المتمرسة يئست من جهاز الصدمات الكهربائية، فوضعته جانبا.
في غرفة الانعاش، وبعد أن أنهت الطبيبة المتمرسة عملها على جهاز الصدمات الكهربائية يئس زائد، وتحت الشرشف الأبيض، تحرك أصبع السبابة في كف سعاد، لم ينتبه له أحد قط، فقد كان الشرشف الأبيض يغطيها كليا، حتى وجهها. وكان الجمع خارج غرفة الانعاش قد أصابهم الذهول عندما رأوا الطبيبة المتمرسة تخرج يائسة..
في البيت فقدت امها وعيها، وفجأة نهضت من بين النساء اللاتي تجمعن حولها، صرخت:
- سعاد عاشت، سعاد عاشت، سعاد عاشت.
وأغمي عليها ثانية.
في غرفة انعاش المستشفى الخالية من أي عنصر طبي، أو صحي، فيما الجميع ينظر من خلال زجاج باب غرفة الانعاش، رأوا الشرشف الأبيض يتحرك وكأن نملة تتحرك من تحته.